العلاقات السعودية "الاسرائيلية" من تحت الطاولة الى التحالف الاستراتيجي (الجزء 2)

العلاقات السعودية
الجمعة ١٢ أغسطس ٢٠١٦ - ٠٦:٢١ بتوقيت غرينتش

لربما يتساءل اي مراقب او مهتم بما يجري على ساحة الشرق الاوسط عن التطور السريع في العلاقات بين الكيان الوهابي والكيان الصهيوني: هل تجمع الكيانين مصالح مشتركة وعدو مشترك فقط ام ان هناك مشتركات فكرية تضرب جذورها في التاريخ لم يُسلط الضوء عليها؟ وعندما يتخذ رموز التطبيع المصالح المشتركة والعدو المشترك مبررا لتسويق تحالف مع تل ابيب، يدفعنا الامر للبحث في الاهداف الحقيقية وراء هذا التحالف الاستراتيجي غير المُعلن.

المشتركات الفكرية بين الكيانين:

كتب استاذ العلوم السياسية في جامعة بنسلفانيا الاميركية الدكتور "ايان لوستيك Ian Lustick" عام 1988 بحث شيق جداً بعنوان "لأجل الارض والرب: الاصولية اليهودية في اسرائيل For the Land and the Lord – Jewish Fundamentalism in Israel" يسلط فيه الضوء على نمو التطرف الديني في الكيان الصهيوني، والمباديء السبعة التي يستند عليها رعاة ودعاة الفكر التلمودي في التعاطي مع "الاخر".

ما هي هذه المباديء السبعة وعلاقتها بالكيان السعودي الوهابي؟ 1- تفوق اليهود "شعب الله المختار" – يحاسِبون ولا يُحاسَبون. 2- لا سلام مع الغوييم (الاخر) - عليهم ان يختاروا بين القتل او الرضوخ لقوانينهم (السلام بالقوة ضمن شروطهم). 3- الدولة اليهودية النقية (بدون كفار) هي دولة الله. 4- العهد مع الله - يمثلون الله على الارض وما يفعلوه بتخويل من الرب. 5- قتل الغوييم (الاخر) دليل على الايمان ويقربهم الى الرب. 6-  الله خلق الغوييم كي يخضعوا لحكمهم. 7- وضع الرب على عاتقهم اصلاح العالم.

من خلال تشخيص وتشريح دقيق لسلوك النظام السعودي والعائلة الحاكمة على الصعيدين الداخلي والخارجي وفتاوى رجال الدين الوهابيين وسلوك التنظيمات الارهابية وهي كلها بلا استثناء وهابية، ومقارنة كل ذلك بالعناوين السبعة الرئيسية، سنجد بلا تحفظ ان الفكر الوهابي لا يختلف عن الفكر التلمودي للأصولية اليهودية، وعلى الارجح مستوحى منه، كما انها على الارجح تشكل الدافع وراءهذا التحالف، او على الاقل دافع اضافي.

الاهداف المشتركة: من وجهة نظري لا يقوم اي تحالف استراتيجي بين دولتين او مجموعة من الدول الا على قاعدة "تحقيق مجموعة من الاهداف الجيوسياسية المشتركة والمتفق عليها ضمن رؤية موحدة". ما هي الاهداف الرئيسية؟

1 – ضرب محور المقاومة: عندما اتفق زعماء دول الاعتدال العربي عام 2004 على شرح هواجسهم من "الهلال الشيعي" الى الامريكيين، فضلاً عن تحريض الولايات المتحدة لشن حرب على ايران وسوريا وحزب الله، ارادوا في نفس الوقت توصيل رسالة الى المجتمعات العربية تقول ان الخطر الذي يشكله "الهلال الشيعي" على "الامة العربية" يفوق الخطر الصهيوني. وما يصوره اعلام الاعتدال العربي لا يختلف عن ادبيات السلفية الجهادية (التنظيمات الارهابية الوهابية)، وفي كثير من الاحيان يتفوق على الاعلام الصهيوني. طبعا الجهلة والحاقدين صدقوا كذبة "الهلال الشيعي" على قاعدة العداء لكل ما سواهم. العدو المشترك هو "محور المقاومة" مع انه يضم شيعة (حزب الله) وسُنة (الجهاد الاسلامي والجبهة الشعبية القيادة العامة وحماس قبل انتقالها الى المحور الاخر) وعلمانيين (الحزب السوري القومي الاجتماعي).

الاسراف السعودي في تمويل الاعلام المرئي والمسموع والمقروء لشيطنة ايران وحزب الله وتصويرهما خطرا استراتيجيا وايديولوجيا على "السنة" يضع "اسرائيل" بمقام الصديق والجار الطيب الذي لا يشكل اي خطر، وبالتالي التحالف معه لمواجهة العدوالمشترك امر حتمي ومبرر. ضمن هذه الرؤية الموحدة يعمل الكيان الوهابي على نقل بوصلة الصراع في اتجاه اخر غير الاتجاه الطبيعي، ترتاح "اسرائيل" ويدفع الفلسطينيون الثمن الاغلى.

عندما يعلن انور عشقي بلا خجل امام حشد من الصهاينة الامريكيين والاسرائيليين عن "العدو المشترك"، كان في نفس الوقت يعلن عن انتقال العلاقات السعودية الاسرائيلية من تحت الطاولة والغرف المظلمة الى العلن. انور عشقي ليس اكثر من ساعي بريد.

الحرب على العراق وسوريا واليمن في سياق الحرب على محور المقاومة. تدمير سوريا لانها دولة مقاومة وتشكل امتداد استراتيجي لإيران وحزب الله، وتقسيم العراق الى ثلاث دول تكون الدولة "السنية" في نينوى والانبار منطقة فصل تعزل الجناح الشرقي عن الجناح الغربي لمحور المقاومة، فضلا على ذلك، يكون "سُنَّة" العراق، كما في غير العراق، وقوداً لحروب التحالف الصهيو-وهابي، والحرب على اليمن في اطار “اسرلة” البحر الاحمر لتشديد الحصار على الشعب اليمني المقاوم.

لا بد ان نعترف ان السعودية نجحت لحد ما في تحويل بوصلة الصراع باتجاه غير الاتجاه الطبيعي وهو الصراع مع "اسرائيل". وينبغي علينا ان نعترف انها استطاعت ايضا لحدٍ ما خلق انطباع جديد وهو ان "اسرائيل" ليست عدوا ولا تشكل خطراً على العالم العربي.

2 - توازن قوى جديد: عندما تحدث وزير الخارجية السعودي عادل الجبير عن ضرورة اقامة "توازن قوى" جديد في المنطقة، لم يأخذ احد كلامه على محمل الجد نظراً للعنتريات الفارغة التي يطلقها بين الحينة والاخرى، والتي تضعه في خانة "اسوأ واغبى وزير خارجية" في تاريخ المنطقة. توازن قوى جديد بأي معنى؟ مع من وضد من؟ كان الجبير يلمح الى رؤية جديدة لدى الرياض لتعويض علاقتها بالولايات المتحدة، بمعنى الانتقال من حضن الاصيل الى حضن الوكيل، ونفهم منها ان فلسطين مدفوعة على الحساب – هي الضحية.

منذ حرب تموز 2006 عمل حزب الله على امتلاك القدرات التي تؤهله الدخول في معادلة "التدمير المتبادل" والعمل بموجبها في حال وقوع عدوان شامل، واستطاع ان يفرض نفسه كقوة استراتيجية تؤهله ان يكون لاعبا جيوستراتيجياً على مستوى المنطقة.

في بداية الحرب على سوريا عبر السعوديون عن فرحتهم بـ"تورط" حزب الله، وظنوا ان قوته ستتآكل وعدد مقاتليه سيتقلص وجمهوره سينتفض مما يسهل لـ"اسرائيل" "القضاء" عليه، لكن على عكس كل التوقعات، فقد استطاع مع حلفائه قلب المعادلة الميدانية، وتجهيز جيش تضاعف مرات، ونجح في اكتساب خبرات هامة في استراتيجية "الردع الهجومي". اليوم، السعودية تطالب "اسرائيل" بشن حرب شاملة على حزب الله لإجباره على الخروج من سوريا. التخبط واضح، تعاني من مشكلة في قصر النظر وعمى في بُعد النظر.

بعد فشل التحالف العربي بقيادة السعودية في الحاق الهزيمة بالشعب اليمني وانتقال المعارك الى داخل المملكة، وبعد عدم استجابة اهم دول اسلامية الانضمام الى حلف "منتصف الليل" المعروف باسم "التحالف الاسلامي" "السني"، يعتقد آل سعود ان التحالف مع "اسرائيل" يمكن ان يعيد للسعودية بعض من هيبتها وسيشجع "اسرائيل" على شن حرب على حزب الله للاخلال بالتوازنات والمعادلات الجديدة التي فرضتها حرب تموز. ما لا يدركه العقل السعودي يدركه الاستراتيجيون الاسرائيليون. اي حرب جديدة مع حزب الله سيكون لها تداعيات جيوسياسية خطيرة على "اسرائيل".

3 – شرعنة وجود "اسرائيل": "اسرائيل" كيان غير شرعي في نظر المسلمين عامة والعرب خاصة وبنظر محور المقاومة تحديدا. وسيبقى كيان غير شرعي يعيش في خوف دائم على وجوده مهما تعاظمت قوته طالما لا يعترف بوجوده العالم الاسلامي والعربي، خصوصاً المسلمون "السنة". هنا يأتي دور السعودية كزعيمة للعالم الاسلامي "السني" من بوابة الحرمين الشريفين والرشوة وافساد الانظمة، لتمنح الكيان الصهيوني الاعتراف الذي تريده. يخطيء من يعتقد ان "اسرائيل" تريد اعتراف مجرد من "الحق التاريخي". السعودية ستمنحها الاعتراف بأنها هي "اسرائيل التاريخية" المزعومة.

مساعي السعودية الحثيثة تأجيج الصراعات القومية: عربي فارسي، والمذهبية: شيعي سني لتبرير اقامة علاقات استراتيجية مع الكيان الصهيوني يمنح الكيان الصهيوني شرعية الوجود الطبيعي والتاريخي ويؤمن مظلة لنظام آل سعود. التحالف الصهيو-وهابي يشكل ضمانة "سنية" لشرعية وجود "اسرائيل".

من الواضح ان جامعة الدول العربية اسيرة قرارات دول "الاعتدال العربي". قرار الجامعة تصنيف حزب الله منظمة ارهابية لا قيمة عسكرية او معنوية له، لكن القرار مجرد رسالة لـ "اسرائيل" تقول "عدوكم هو عدونا". السؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق: هل يقبل المسلمين "السنة" ان يكونوا مجرد ادوات في ضياع حقوق الفلسطينيين وهم من "السنة" وان يكونوا وقوداً لحروب الصهيو-وهابية؟  في الجزء الثالث نجيب على هذه التساؤلات لاهميتها في نجاح او فشل التحالف.  

4 – دولة غزة: بالتحالف مع "اسرائيل"، تكون السعودية قد اسقطت من اجندتها كل الاعتبارات المتعلقة بحقوق الشعب الفلسطيني. فما هو البديل؟ لا يمكن ان يستمر الوضع عليه وفي جموده الحالي، لا حرب ولا سلام، يجب ان يكون للفلسطينيين دولة لوضع حد لصراع فيما لو استمر يهدد وجود الكيان الاسرائيلي. الوطن البديل يقوم على توسيع المساحة الجغرافية لقطاع غزة من خلال ضم مناطق صحراوية من شبه جزيرة سيناء واقامة دولة للشعب الفلسطيني، تكون المنزوعة السلاح، وما تبقيه "اسرائيل" للفلسطينيين من الضفة الغربية يُمنح الحكم الذاتي، فتستقر كافة الجبهات باستثناء الجبهة الشمالية مع سوريا ولبنان. المفاوضات السرية بين دول الاعتدال العربي من جهة و "اسرائيل" والولايات المتحدة من جهة اخرى قائمة على مبدأ دولة فلسطين هي غزة الموسعة.

قرار الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي نقل جزيرتي صنافر وتيرانا للسيادة السعودية رغم موقعهما الاستراتيجي واهميتهما للامن القومي المصري ليس من باب فعل الخير، والملفت ان قرار معاملة السعوديين كمعاملة المصريين في شراء الاراضي الصحراوية قد تزامن مع تسريبات عن شراء فلسطينيين اراضي حول القدس المحتلة لصالح دولة خليجية ومن ثم بيعها للاسرائيليين.

المفاوضات السرية حول الدولة البديلة لم تعد سراً وعلى الارجح ستأخذ منحى جديد من الجدية والاندفاع عندمتا تدخل هيلاري كلينتون البيت الابيض كأول رئيس للولايات المتحدة من الجنس اللطيف. والباقي على جامعة الدول العربية التي ستكون اول من يعترف بـ"دولة فلسطين" في غزة.

الاهداف الاربعة تشكل خطراً غير مسبوق على المنطقة، فهل ينجح التحالف الصهيو-وهابي في تدمير المنطقة وشعوب المنطقة وضياع فلسطين التاريخية؟ في الجزء الثالث والاخير نجيب على السؤال. 

* رضا حرب ـ المركز الدولي للدراسات الامنية والجيوسياسية

210

آخر الأخبار

الأکثر مشاهدة