لماذا لا ترد سوريا على الاعتداءات الصهيونية؟

السبت 14 يناير 2017 - 08:08 بتوقيت غرينتش

ليست المرّة الأولى التي تنفذ فيها "إسرائيل" اعتداءات مباشرة على الأراضي السورية ودائماً منذ سنة 2011 تبرّر القيادة الصهيونية اعتداءاتها تحت ذريعة ضرب صواريخ ومعدات يتم نقلها إلى حزب الله.

العالم - مقالات

وهي ذريعة فاقدة لأدنى مقومات المصداقية والموضوعية لمجموعة من الأسباب على رأسها أن حزب الله ولا حتى القيادة السورية يمكن أن تعتمد منطقة مكشوفة كمحيط مطار المزة موقعاً لتجهيز عمليات نقل الصواريخ ولا حتى تخزينها خصوصاً أن المنطقة المستهدفة وهي ليست المرة الأولى التي يتم استهدافها كانت إلى أمد قريب منطقة تماس مع مدينة داريا وهذا يعني انه لا يمكن استخدام المنطقة كمنطقة تخزين لأسلحة إستراتيجية أو حتى توضيعها، واستخبارات الكيان الصهيوني تعلم تماماً أن الصواريخ الإستراتيجية السورية موجودة في مخابئ محصنة إضافة إلى أن تكتيكات نقلها واستخدامها بعد ست سنوات من الحرب باتت مختلفة تماماً، إضافة إلى أن منطقة الحدود بين لبنان وسوريا وعلى امتداد المنطقة من الزبداني جنوباً إلى مشارف عرسال شمالاً وكذلك منطقة القصير الهرمل هي مناطق بات بمقدور حزب الله أن يموضع فيها صواريخ إستراتيجية دون الحاجة لنقلها إلى الداخل اللبناني وهو أمر بات مرتبطاً بطبيعة المواجهة القادمة التي سنتكلم عنها بعد تحديد أهداف الضربات الصهيونية وهي:

1.اهداف تندرج ضمن الحرب الإعلامية والنفسية وهو ما نلاحظه من خلال اختيار أماكن الضربات في محيط دمشق حيث تستهدف الضربات معنويات السكان والتأثير في صمودهم وخلق حالة جدل دائمة والتشكيك بقدرة الدولة السورية على الرد.

2. توجيه رسالة للجماعات الإرهابية أن "إسرائيل" معهم وهي على استعداد للتدخل المباشر خصوصاً أن ما خسرته هذه الجماعات من مواقع في محيط المنطقة المستهدفة وخصوصاً داريا والمعضمية وامتداداً إلى خان الشيح وكناكر وصولاً إلى بيت سابر وكفرحور وبيت تيما ولا ننسى طبعاً قدسيا والهامة والتل كان بالنسبة للكيان الصهيوني مواقع بمثابة جيوب كانت قيادة الكيان الصهيوني تأمل أن تؤدي أدواراً كبيرة في تفكيك سوريا وهو أمر شرحناه أكثر من مرة ولا داعي لتكراره.

3. الضغط على الدولة السورية من خلال الضربات التي تحصل في الآونة الأخيرة من خارج المجال الجوي السوري للقول أن "إسرائيل" استعادت قدرات الذراع الطويلة وأنها قادرة على التأثير في مجرى الأحداث ضمن التوقيت الذي ترغبه ويحقق لها أهدافها

أما لماذا لا ترد سوريا على الضربات الصهيونية فالمسألة الأساسية في الإجابة على موضوع الضربات تكمن في تحديد أهدافها وماهيتها ومستواها:

1.حيث لم تتجاوز هذه الضربات ولا مرة منذ البدء بها ضربات النقطة وكانت محدودة المكان والتأثير واغلبها حصل على أهداف خداعية ولم تؤدي إلى خسائر كبيرة واما اعتماد هذه الطريقة في الخداع من القيادة السورية إلا لمعرفتها بنوايا العدو وأهدافه خصوصاً إن الجماعات الإرهابية نفذت ألاف المهمات داخل سوريا وأدّت إلى أضرار فادحة في البنيتين المدنية والعسكرية السورية وهو ما استدعى الإعتماد على أساليب مختلفة في توضيع الأسلحة ونقلها وتخزينها.

2. المصاعب الحقيقية التي تعاني منها القوات المسلحة السورية على مستوى المواجهة حيث ينتشر الجيش على مساحات كبيرة مع وجود خلل في طبيعة انتشاره في الجبهة الجنوبية حيث لا يوجد العدد الكافي من الجنود الذي يمكنه خوض مواجهة دفاعية ضد القوات الصهيونية إذا ما اتخذت المواجهة شكل الحرب الشاملة ولهذا لا تعطي سوريا الكيان الصهيوني ذريعة إضافية لشن مثل هذه الحرب طالما لم تتخطى الضربات حدود النقطة.

3. يجب أن لا ننسى أن سوريا حالياً هي ضمن محور يخوض المواجهة ضمن أولويات محددة في محاربة الإرهاب ولا يمكن لسوريا أن تذهب باتجاه فرض مواجهة :

ا- ليست مستعدة لها.

ب- لوجود حق مشروع لحلفائها في مناقشة أية قرارات مرتبطة بالمواجهة الواسعة من اليمن إلى العراق إلى أوكرانيا وسوريا.

4.بسبب وجود خطوط حمراء روسية وصينية بشكل أساسي فإن الكيان الصهيوني ومن خلفه أميركا يعرفون أن تجاوزها سيضع المواجهة في مراحل خطيرة فأميركا والكيان الصهيوني يقدران على استهداف القصر الجمهوري السوري وأية أهداف أخرى إلا إنهما لم يفعلا لمعرفتهما بطبيعة الرد وأين ستتجه الأمور ولهذا فالقيادة السورية مطمئنة وتدرك محدودية الضربات وأهدافها.

5.أسباب تقنية ترتبط بأمرين أساسيين:

أ‌- الدمار الكبير الذي لحق بمنظومة الرادارات ومواقع الإنذار المبكر السورية والتي لعبت الجماعات الإرهابية دوراً أساسيا في تدميرها وبأوامر مباشرة من الكيان الصهيوني ما اثّر في قدرات الرصد والمتابعة وما اضطر القيادة السورية إلى اتخاذ إجراءات بديلة محاطة بالكثير من السرية سواء في إعادة بناء المنظومات أو بطرق عملها التي باتت مختلفة عن الطرق السابقة .

ب‌- عدم رغبة القيادة السورية بالمخاطرة في استخدام منظوماتها الحديثة لعدم إتاحة الفرصة للقيادة الصهيونية من تحديد موجات عمل منظومات الدفاع الجوي وطرق تشغيلها مستفيدة من تجربة العام 1982 عندما ضرب الصهاينة يومها بطاريات الدفاع الجوي السورية في سهل البقاع اللبناني واستخدمت لهذا الغرض مجموعة كبيرة من أدوات التضليل والشراك الخداعية وهو ما لن يحصل في أية مواجهة قادمة حيث يبدو واضحاً أن احد أهداف الضربات هو تحفيز الدفاع الجوي السوري على تفعيل بطارياته وهو أمر لن يحصل إلا إذا أدركت القيادة السورية أنها أمام هجوم شامل لا يمكن السكوت أو التغاضي عنه وهو موضوع مرتبط بقرار من المحور الذي تنضوي فيه سوريا.

إذا على المستعجلين أن يفرملوا عجلاتهم فنحن أمام مواجهة تتطلب الكثير من الحكمة في التعاطي معها وان كان حجتهم أن سيادة سوريا تُنتهك وهو أمر صحيح إلا أن الآف الإنتهاكات قد حدثت من خلال تدنيس الأرض السورية بواسطة الجماعات الإرهابية التي يندرج القضاء عليها على رأس أولويات سوريا وحلفائها.

*عمر معربوني: ضابط سابق - خريج الأكاديمية العسكرية السوفيتية
ميسلون

114-1

المقالة تعبر عن رأي الكاتب، وهيئة التحرير غير مسؤولة عن فحواها