ابن سلمان يستبدل السعودية القديمة بأخرى جديدة

ابن سلمان يستبدل السعودية القديمة بأخرى جديدة
الجمعة ١٠ نوفمبر ٢٠١٧ - ٠٦:٠٨ بتوقيت غرينتش

يبدو راهناً أن ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، ضرب المداميك والأسس التي قام عليها نظام جده عبد العزيز آل سعود، وفضّ الشراكة مع السلطة الدينية، وزجّ بعدد كبير من رجالاتها في السجون، ودجّن آخرين خدمة لمشروعه. فبسرعة فائقة، يتجه ابن سلمان إلى الخلاص من التركة القديمة ويتعامل معها بالكراهة ونبذ تبعاتها وتاريخها والتحلل من ملوكها، وما زجّ أولادهم في السجون ومصادرة ثرواتهم سوى دليل كافٍ على ذلك.

العالم ـ مقالات وتحليلات

الخطوات التي اتخذها ابن سلمان على أنها إصلاحية تشير إلى أن الرجل على عجلة من أمره. وما مسكه المؤسسات والهيئات المالية والاقتصادية والعسكرية والأمنية والإعلامية وحصر إدارتها فيه شخصياً إلا لتعزيز قبضته في الحكم، غير مكترث للمخاطر والتهديدات التي قد تنشأ عن الاستعجال وإحراق المراحل. ولعله نجح حتى الآن في كثير من خططه التغييرية أو الإصلاحية، وهو بالفعل خرج عن القوائم التي أرست عليها أسرة آل سعود في «الحجاز ونجد» نظامها بعد توحيدهما تحت اسم المملكة العربية السعودية منذ التأسيس، إذ أقيم الحكم فيها بتقاسم نفوذ (السلطة والمال والدين) وكان نصيب آل سعود التفرد بالسلطة السياسية، فيما كان نصيب آل الشيخ التفرّد بالسلطة الدينية التي اتخذت من نهج محمد بن عبد الوهاب طريقاً متطرفاً في التطبيق العقدي والتشريعي في إدارة شؤون المجتمع السعودي، وبدعم مالي سخي من السلطة السياسية التي يقودها آل سعود.

يتعاطى ابن سلمان مع فلول الدولة القديمة على أنها تشكّل عبئاً ثقيلاً عليه، كأن الرجل عاقد العزم على العزوف عن وراثة جده ما خلا النفط، وتحويل البلد من التطرف والانغلاق إلى الإسلام الوسطي المعتدل وفق قوله. ولهذه الغاية، نفّذ العديد من الخطوات التي قلّصت كثيراً دور الهيئات الدينية وأوصلت تأثيرها إلى العدم تقريباً. مقابل ذلك، أنشأ هيئات ومؤسسات هدفت إلى فتح الطريق في المجالات الترفيهية والفنية والسياحية، وهذا في خروج خشن عن التقاليد والأعراف الاجتماعية والقبلية والدينية في المملكة.

إن التغييرات البنيوية والجذرية، ولا سيما التي تتعلق بالمعتقدات والمبادئ، ليس من السهل تغييرها، وإن قرر ابن سلمان التغيير، فهذا بحاجة إلى برامج وخطط تدريجية وتصاعدية، وقبل ذلك تهيئة الأرضية وتمهيدها بأساليب وطرق مختلفة وفق تفاعل الجمهور وانسجامه مع المتغيرات الجديدة. يمكن القول إن وضع ابن سلمان خطته الإصلاحية «2030» من حيث الزمن يعدّ مقبولاً ومراعياً للتغيير التدريجي التصاعدي، لكن الرجل يقفز فوق المراحل ويتخطّى الزمن الذي منحه لنفسه بإحداث تغييرات على المستويين «الكمّي والنوعي» وحتى «الكيفي»، وهو لا يزال في السنة الأولى من خطته المعهودة.

ويبدو أن الملك الحالي، سلمان، هو آخر ملوك الدولة القديمة. وبموته أو تنحّيه لابنه محمد، يشهد العالم نهاية حقبة امتدت ثمانين عاماً، لعبت فيها المملكة دوراً محورياً، وكان لها حضور لافت باعتمادها على تحالف وظيفي مع الولايات المتحدة الأميركية، كسبت فيه الرياض حيازة الوكالة الأصلية من واشنطن بالمناصفة مع إسرائيل طوال العقود الماضية. الدلائل تشير إلى أن الإدارة الأميركية تدفع باتجاه التخلص من السعودية القديمة بعد أن استنفدت كل إمكاناتها ولم تعد قادرة على خدمة المخططات الأميركية في المنطقة، وبعد أن أصبحت حمايتها بالشروط والظروف القديمة بحاجة إلى تعديل، وذلك بسبب تغير وسائل الحداثة العصرية ودخول العولمة والتكنولوجيا، بالإضافة إلى فقدانها القدرة والفعالية في الاستمرار بحصرية الوكالة الأميركية، في القيام بالوظائف التي أوجبت الشراكة، ولنشوء قوى إقليمية مؤثرة أصبحت تهدد عاصمتها.

في المرحلة الأخيرة، تحولت المملكة إلى عبء تحاول وشنطن التحلل منه، وفي مثال على ذلك التبنّي السعودي للفكر الوهابي الذي استنفد وظيفته في أفغانستان والعراق وسوريا ومناطق أخرى من العالم، وارتدّ على كل من واشنطن والرياض، وهما يجمعان حالياً على ضرورة استبداله بما سمّوه الإسلام الوسطي المعتدل، على أن عين واشنطن، بعد إفراغ الخزينة السعودية على العقود والصفقات ودفع تكلفة حروبها، على الثروة النفطية الهائلة، وعقلية الرئيس دونالد ترامب القائمة على الصفقات، تبحث عن طرق للاستئثار بهذه الثروة.
لا يخفي محمد بن سلمان تأثره بتجربة دبي وعلاقته الحميمة بوليّ عهد أبو ظبي محمد بن زايد، وهما يشكلان تحالفاً متيناً أملته المصالح المشتركة؛ فالأول بحاجة إلى علاقات الثاني في المؤسسات الأميركية الحاكمة لتسهيل وصوله إلى العرش، ويرجّح أنه نجح في ذلك. والثاني (ابن زايد) كان وليّ العهد السعودي السابق محمد بن نايف يشكّل له كابوساً يعمل على التخلص منه، وقد نجح في ذلك.

فريق ابن سلمان ومستشاروه المحليّون والإقليميون والغربيون يقدمون النظام السعودي الجديد على أنه علماني، وهذا ما عبّر عنه في أكثر من مرة السفير الإماراتي في واشنطن، يوسف العتيبة، إذ قال في مقابلة مع قناة «بي بي أس» (PBS) الأميركية إن ما تريده السعودية والإمارات ومصر والبحرين للشرق الأوسط هو «حكومات علمانية»، وتابع: «إذا سألت هذه الدول أيّ شرق أوسط تريد رؤيته في السنوات العشر المقبلة، فسيكون شرق أوسط مختلفاً (محو القديم). نحن نريد شرق أوسط أكثر علمانية، مستقراً ومزدهراً تقوده حكومات قوية».

حتى هذه اللحظة، نجح بن سلمان في إخضاع الرؤوس الكبيرة من أبناء عمومته والوزراء ورجال الأعمال المتحالفين معهم، من دون أن تصدر أي حركات احتجاجية علنية، بل نجح في تغليف خطوته باعتقال الأمراء والوزراء بعنوان محاربة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة وإعادتها إلى الدولة والشعب وفق زعمه، ما لقي قبولاً شعبياً، حتى لو كان محدوداً.

في الخارج، تعاملت الدول العربية والإقليمية مع عملية الاعتقال على أنها شأن داخلي، ولم تسمح لنفسها حتى بالاستفسار، فيما يظهر الغرب ترحيباً ضمنياً بالخطوة، لكنه يخشى التداعيات المستقبلية. أما الولايات المتحدة، فأظهرت أنها ليست بعيدة عمّا يحدث في الرياض، إذ علق ترامب على «حملة التطهير السلمانية» بتأكيد «ثقته الكبيرة» بالملك وبوليّ عهده، «فهما يعلمان جيداً ما يفعلانه»، ليشكّل بذلك غطاءً وعوناً للأمير الشاب في أجندته.

* لقمان عبدالله ـ الأخبار

104-4

آخر الأخبار

الأکثر مشاهدة