الهوية بين الافراط والتفريط...

الهوية بين الافراط والتفريط...
الإثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ - ٠٨:٥٨ بتوقيت غرينتش

بعد ان تقرأ كتاب الكاتب اللبناني الفرنسي امين معلوف، "الهويات القاتلة" تبدأ بالتفكير ما هي هويتي في ظل زحمة الانتماءات الموجودة في عصرنا الحالي، والتي تتطور يوما بعد يوم واكتشافا بعد اكتشاف، وباتت الكماليات والترفيهيات هوياتنا وجزء من ملف تعريفناـ فعلى سبيل المثال يمكن للشخص ان يعرف نفسه على انه مواطن عربي، او كردي او ارمني، ويمكن ايضا ان يعرف نفسه مسلما او مسيحيا، او سنيا او شيعيا، والتعريف هنا يكون حسب الموقف والمكان والزمان.

العالم - مقالات 

والهويات باتت بنسبة لنا الان عبارة عن جروح او قنابل جاهزة للانفجار او للتمزق بأي لحظة، فلو لعبت بالتيار القومي الكل خرج لينادي قوميا، ولو وضعت يدك على الدين الكل بات متدينا حتى وان كان في الامس يسكر في بار بمدينة نيس الفرنسية او يلعب بوكر في لوس انجلوس الاميركية، ولو كنت متوافقا مع الشخص الذي امامك قوميا ودينيا، خرج عليك بالخلاف الوطني وبتنا هنا نتكلم عن الهوية الوطنية، ولو كنت مثله من نفس البلد سيتحدث معك وقتها عن الهوية المناطقية فانا مثلا من حلب وذلك من ريف حلب او من حي اخر في المدينة ولكن قد يكون من طبقة اجتماعية اقل، وهكذا تصنفنا الهويات في العالم وتجعلنا في خنادق قابعين فيها لاحول لنا ولا قوة. بالاضافة الى ان هناك هويات جديدة بدأت تخرج الى السطح مثل الرياضة ففلان يشجع ريال مدريد وذاك مع برشلونة واخر يحب الدوري الانجليزي واخر الايطالي، وحتى في المنتخبات الاجنبية التي باتت تهمنا اكثر من ابناء تلك الدول، وربما يذهب على الهوية الرياضية ضحايا، حتى الكماليات باتت هويات، فمثلا هذا يتعصب لمن يستخدم اجهزة الايفون ضد السامسونغ وهناك خلافات كبيرة تحدث بين الجانبين.

هناك من يتهم الغرب بتأجيج النزاعات على الهويات في عالمنا، ولكن هذا الامر ليس صحيح بالمطلق، ولكن الاصح ان الغرب لعب على خلافاتنا وجروحاتنا حول الهوية، لان خلافاتنا وحروبنا هي منذ قديم الازل حول هذه المفاهيم التي وجدت لتقربنا بدلا من ان تفرقنا، فالصراع بين الاوس والخزرج ليس لاميركا وبريطانيا وفرنسا يد فيه، وهو صراع ما قبل هذه الدول اساسا، والصراع في الاسلام كان قبلهم ايضا، فمثلا الحروب بين المعتزلة والاشاعرة او اصحاب مبدأ الحديث في المذهب السني كان في القرون الاولى للاسلام، وطبعا بعد ان اتى الغرب الان عمق ولعب على هذه الخلافات.

الهوية اللغوية هي من اهم الهويات التي قد نجهل اهميتها، فمثلا المسلم السني السوري لن يستطيع التواصل مع المسلم السني الماليزي، ان لم يكونوا يمتلكون لغة مشتركة تستطيع تقريب وجهات نظرهم، ولكن المسلم السني السوري يستطيع التواصل مع المسلم الشيعي العراقي بسهولة عبر لغتهم المشتركة، ولكن هناك امور كثيرة تفرقهم ايضا، لذلك الهوية اللغوية تبقى ملازمة للانسان مهما تطور وتعلم، فمثلا العربي حتى وان تعلم الانكليزية وعاش في انكلترا، لن يستطيع فهم مقال او رواية دون ان يترجمها في عقله وبسرعة للعربية وفهمها بالعربي، لان عقله تبرمج على هذا الامر.

نحن يجب علينا ان نتمسك بهويتنا ولكن دون افراط او تفريط، اي ان لا نكون مثل الذي يحصل على الجنسية الاميركية ويتماهى مع المجتمع ويمسح هويته الأم، وايضا لا نكون مثل الذين انتسبوا الى "داعش" الارهابية وتمسكوا ودافعوا عن فكرة عصبية متطرفة ارهابية دون تفكير ولو لدقيقة.

اذا وجدنا انه من الصعب التوافق بين الهويات، لنتذكر اننا نحمل جميعنا "هوية انسانية "تجمع فينا نفس الصفات الجيدة والسيئة، لان على هذه الارض ما يستحق الحياة.

ابراهيم شير

كاتب واعلامي سوري

10 / F

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

تبقى لديك : (1000) حرف

آخر الأخبار

الأکثر مشاهدة