شاهد : هكذا يدمر "الحوت الأزرق" حياة أطفالنا !!

الأحد ١٨ فبراير ٢٠١٨ - ٠٥:٠٨ بتوقيت غرينتش

كان الطفل ذو الـ11 عاماً عبدالرحمن حشايشي تلميذاً مجتهداً بالمرحلة المتوسطة ببلدية صالح باي جنوبي ولاية سطيف، شرقي الجزائر العاصمة؛ لذا قرَّر والده عبدالحق أن يكرِّمه باقتناء لوح إلكتروني (نوت/آيباد) مزود بشريحة إنترنت مفتوحة.

العالم - حوادث 

كانت فَرْحةُ عبدالرحمن كبيرةً حينها، ولم يكن يعتقد هو ولا أسرته أن هذه الهدية ستقوده إلى الفراق الأبدي، والموت المحقق.

لعبة تحدي الموت

في 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، وفي الوقت الذي كان عبدالرحمن يذاكر دروسه مع أخته الصغيرة في صالة البيت، دق جرس الباب بُرْهَة، قبل أن يَخرج ليلاقي زميلَ دراسته، الذي جاء ليستعير أحد كتبه بغرض المذاكرة.

ثم عاد مباشرة إلى مكانه، لكن هذه المرة ليس للمذاكرة؛ بل للاطِّلاع على ما تحمله لوحته الإلكترونية.

تحدث والد عبدالرحمن لشبكة "زدني" للتعليم بكلمات كلها ألم وحسرة قائلاً: "عندما دخل الغرفة المجاورة لصالة البيت، أحسَّتْ الزوجة بسكون غير عادي، ولما سألت صفية عن مكان وجود شقيقها، أجابت بأنه دخل الغرفة المجاورة.

حيث كان يقضي أوقاته في المذاكرة واللعب بلوحته الإلكترونية، قررتِ الزوجةُ فَتْحَ الباب والاطمئنان على حاله، وإذا بعبدالرحمن جثة هامدة، معلقة بخيط مربوط بأنبوب الغاز، وهناك كانت الصدمة والفراق الأبدي بين الطفل وعائلته".

أسباب الانتحار في البداية كانت غامضة بالنسبة للأسرة، إلى أن راجعت ما كان في اللوحة الإلكترونية، فعثروا على آخر امتحان لتطبيق لعبة الحوت الأزرق، وهو الاختبار الأخير الذي يدفع بالمدمن على هذه اللعبة إلى الانتحار عن طريق الشنق.

وهو ما أكدته التحقيقات الأمنية التي باشرت التحري لمعرفة أسباب إقدام الطفل على إنهاء حياته.

الحوت يواصل حصد ضحاياه

يُعَدُّ عبدالرحمن الضحية الأولى للعبة الحوت الأزرق بالجزائر، لكنها لم تكن الأخيرة، بحيث توالت أخبار الانتحارات المسجلة بمختلف مناطق الوطن خاصة بالشرق الجزائري، والذي سجل لوحده 6 ضحايا، منها 3 بالمنطقة الجنوبية لولاية سطيف 300 كيلومتر شرقي العاصمة الجزائر.

والملاحظ أن ضحايا لعبة الحوت الأزرق هم في الغالب من المراهقين، ويدرسون بالمرحلتين الابتدائية والمتوسطة، مثل أنس بن كاحل (9 سنوات)، الذي عثر عليه مشنوقاً بحبل داخل حمام البيت، في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2017.

بالإضافة إلى صفية صاحبة 17 من عمرها، التي انتحرت برمي نفسها من الطابق الثالث، بمنطقة صالح باي بالولاية نفسها سطيف.

وعلى المستوى الوطني بحسَب ما سُجِّل عبر وسائل الإعلام المحلية؛ فإن ضحايا لعبة الحوت الأزرق تعدى عددهم 11 ضحية، منهم 6 ضحايا بولاية واحدة، وهي سطيف بالشرق الجزائري.

ومن القصص المؤلمة أيضاً ما حدث بولاية بجاية 270 كيلومتراً شرقي الجزائر، عندما أقدم المراهقان بلال وفيروز 16 عاماً، على الانتحار شنقاً في التوقيت نفسه، إبان عودتهما من الثانوية التي يدرسان بها بمنطقة سيدي عيش.

وفي تصريح لوسائل الإعلام المحلية قال والد بلال: "إن ابنه كان هادئاً ومجتهداً في دراسته، قبل أن يتغير سلوكه فجأة، حيث عزل نفسه عن مجتمعه وأسرته، وظل طوال المدة الأخيرة يعيش منفرداً مع هاتفه النقال، إلى أن تم العثور عليه جثة هامدة بمسكنه العائلي".

وإن كانت القصص السابقة انتهت بالموت؛ فهناك قصة أخرى كتب لبطلها البقاء على قيد الحياة والنجاة بأعجوبة من لعبة الحوت الأزرق، وهي قصة مروان سيكا 13 عاماً.

ويدرس بالمرحلة المتوسطة بولاية ميلة 380 كيلومتراً، شرقي العاصمة الجزائر، الذي أصيب بانهيار عصبي حادٍّ لَمَّا حاول الانتحار لمرات ولم يفلح.

إذ قال الوالد عبدالغني لشبكة "زدني"، إن ابنه تغير سلكوه فجأة إلى الانعزال وقد حاول الانتحار عدة مرات، لكنه لم يفلح قبل انهياره عصبياً، مؤكداً أنه جاء هارباً وينادي بأن أشخاصاً ما سيقتلونه، ليذهبوا به إلى الطبيب النفسي.

إعلان حالة الطوارئ

والد الضحية الأولى للعبة الحوت الأزرق بالجزائر، عبدالحق حشايشي أكد لشبكة "زدني" للتعليم بأن وزير التربية نورية بن غبريت، قامت بزيارة للمنطقة التي يسكن بها، وقدمت التعازي.

وأكدت أن الدولة ووزارتها ستتحركان بسرعة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولمنع تكرر مثل هذه الحوادث المؤلمة التي اجتاحت المؤسسات التربوية.

وقد ألحت الوزير في تعليماتها إلى المؤسسات التربية في مراحلها الثلاثة، على ضرورة تكثيف حملات التوعية من مخاطر تطبيق لعبة الحوت الأزرق، كما أطرت الوزارة دروساً نموذجية فُرضت على كامل الأطوار، حول الاستعمال السيئ للإنترنت والألعاب الإلكترونية.

عبدالكريم هوشات مدير متوسطة بوفروج بحمام قرقور، أكد لشبكة "زدني" أن مؤسسته نظمت عدة جلسات توعية حول مخاطر الاستعمال السيئ للإنترنت، وبالخصوص لعبة الحوت الأزرق.

وأكد لشبكة "زدني" بأن هناك عدداً من التلاميذ كانوا على دراية مسبقة بهذا التطبيق الخطير، بل هناك من يملكه في هاتفه النقال، وقد تمت الاستعانة في هذه الجلسات بأطباء نفسيين، وخبراء أمنيين، إضافة إلى أطباء ومختصين في تكنولوجيا المعلومات.

وكانت وزارة العدل في الجزائر وعلى لسان الوزير الطيب لوح قد أكد مع بداية العام الجاري 2018 لوسائل إعلام محلية، "أن الهيئة الوطنية للوقاية من جرائم تكنولوجيات الإعلام والاتصال بالتنسيق مع النيابات العامة المختصة، فتحت تحقيقاً قضائيّاً موسعاً بخصوص ما تم تداوله حول اللعبة الإلكترونية.

وصرح لبرنامج "حوار الساعة" للتلفزيون الجزائري، مؤكداً أن الهيئة الوطنية للوقاية من الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال ومكافحتها بالتنسيق مع النيابات العامة المختصة أمرت بالتحقيق في هذا الموضوع.

وأكد أن "نتائج التحقيقات الأولية أثبتت حالة لها علاقة بهذه اللعبة التي يروج لها، وحالات أخرى لا يزال التحقيق جارياً بشأنها".

مشيراً إلى أن القانون يتيح للهيئة أنها "إذا رأت شيئاً من هذا القبيل يخالف القانون، ويقع تحت طائل القانون الجزائي، أن تنذر مقدمي الخدمات بسحب المحتوى، وإذا لم يسحب وفق قانون العقوبات؛ فستكون عقوبات جزائية"، مضيفاً أن الهيئة "أعطت عناوين بعض المواقع والنتائج سيبرزها التحقيق".

المؤسسة المسجدية هي الأخرى تحركت لحماية التلاميذ في الجزائر من خطر لعبة الحوت الأزرق، وأكد العيد شودار معتمد الأئمة بإحدى المقاطعات بولاية سطيف في حديثه لشبكة "زدني"، أنهم تلقوا تعليمات للتطرق إلى مثل هذه المواضيع خلال دروس الجمعة والجلسات العلمية.

ما هي لعبة الحوت الأزرق؟

لعبة الحوت الأزرق -التي تعرف أيضاً باسم "تحدي الحوت الأزرق" أو "تحدي الموت"- لعبة بدأت في روسيا، وانتقلت منها إلى دول آسيا الوسطى، ثم إلى إيران والهند، ثم ظهرت في بعض الدول العربية.

تتألف اللعبة من خمسين مهمة أو تحدياً يضعها قيّم أو Curator أمام اللاعبين، ويتوجب عليهم إتمامها خلال خمسين يوماً، ومَكمن الخطر والفزع هنا، هو: التحدي الأخير الذي يطلب من اللاعب إنهاء حياته بالانتحار!

كانت أول إشارة صريحة إلى وجود اللعبة؛ من خلال مقال في صحيفة روسية في مايو/أيار 2016، ربط العديد من حالات الانتحار غير المتصلة ببعضها بعضوية في مجموعة تدعى F57، على شبكة تواصل اجتماعي روسية تدعى "فكونتاكت".

ورغم حالة الذعر الأخلاقي التي اجتاحت روسيا، فإن الانتقادات وُجهت إلى المقال لعدم وجود دليل على أن أيّاً من حالات الانتحار كانت نتيجة لأنشطة المجموعة.

وكل مراحل اللعبة الخمسين دائماً مثيرة للفزع والاشمئزاز، وتتدرج في الخطورة والدموية، إلى أن تنتهي بالموت.

 وتالياً بعض مهامها حسب تسلسلها:

1- انقش بالمشرط F57 على يدك وأرسل صورة إلى القيِّم.

2- استيقظ الساعة 4:20 صباحاً وشاهد الفيديوهات المخدرة والمرعبة التي يرسلها لك القيِّم.

3- اجرح ذراعك بمشرط على طول الوريد، ولكن ليس عميقاً، ثلاثة جروح فقط، وأرسل صورة إلى القيِّم.

تلك كانت أول ثلاث مهام من اللعبة، لكنها تتدرج لتصبح أشد خطورة ودموية:

10- استيقظ الساعة 4:20 صباحاً واصعد إلى سطح "كلما كان السطح أعلى كان ذلك أفضل".

11- انقش رسم حوت على يدك بمشرط، وأرسل صورة إلى القيِّم.

12- شاهد أفلاماً مخدرة ومرعبة طوال اليوم.

14- اجرح شفتك.

15- اثقب يدك بإبرة عدة مرات.

16- افعل شيئاً مؤلماً بنفسك، اجعل نفسك مريضاً.

ثم تأتي اختبارات الثقة:

20- القيِّم يختبر إن كنت جديراً بالثقة.

21- تحدث "مع حوت" (لاعب آخر مثلك أو قيِّم) على سكايب.

ثم تزداد المهام غموضاً وخطورة:

23- مهمة أخرى بمشرط.

24- مهمة سرية.

25- اجتمع بحوت.

26- يخبرك القيِّم بتاريخ وفاتك وعليك تقبل ذلك.

إلى أن نصل إلى المهمة الأخيرة:

50- اقفز من بناية مرتفعة، أنْهِ حياتك بالمشنقة.

دور المؤسسات التربوية الجزائرية

أمام غول الحوت الأزرق الذي التهم التلاميذ، أصبح أولياء التلاميذ ينادون بضرورة دعم المؤسسات التربوية بالمرشدين النفسانيين، من خلال فتح مناصب جديدة عبر كامل التراب الوطني.

ويرى محمد بن مجذوب رئيس جمعية أولياء التلاميذ بتاجنانت ولاية ميلة في تصريح لشبكة "زدني" أن غياب الطب النفسي داخل المؤسسات التربوية، ساهم في انتشار العديد من السلوك السلبي للتلاميذ، بما فيها استعمال الألعاب الإلكترونية الخطيرة كلعبة الحوت الأزرق.

ففي ولاية ميلة لا تحتوي 55% من المؤسسات التربوية على مرشدين نفسانيين، أو مصلحة مقدمة مع الطب المدرسي تحت عنوان الطب النفسي.

وطالب المتحدث من الوصاية العليا دعم الابتدائيات، المتوسطات والثانويات بأطباء نفسانيين من شأنهم متابعة الحالة النفسية للتلاميذ ومراقبة سلوكهم.

الطبيبة النفسية منى حيدر تؤكد لشبكة "زدني" أن وجود الطب النفسي داخل المؤسسات التربوية، سيُسهم في وقاية التلاميذ من مخاطر عديدة، وليس فقط مخاطر الإنترنت ولعبة الحوت الأزرق.

كما تضيف: "يجب أن تعلم الأُسَر الجزائرية أن الطب النفسي مثله مثل باقي فروع الطب، من شأنه أن ينقذ الأرواح البشرية، والأسرة الجزائرية للأسف ما زالت لا تعي أهمية الطب النفسي، إلى درجة أن هناك أساتذة ومعلمين يلمحون تغييرات في سلوك التلاميذ وتفكيرهم.

وعندما يتم توجيههم عن طريق العائلة إلى الطب النفسي، فَقَلَّ من يستجيب لهذه التوجيهات".

لكن تضيف "عندما يكون الطبيب أو المرشد النفسي داخل حرم المؤسسة التعليمية.

فسيتم بشكل أوتوماتيكي، تحويل التلميذ وتحقيق الرعاية النفسية مباشرة، بعد تسجيل تغيرات في السلوك أو التفكير، فتداعيات لعبة الحوت الأزرق مثلاً ظاهرة في العزلة والانفراد، وتراجع في المستوى الدراسي.

كما ذكره أولياء التلاميذ ضحايا اللعبة، ولو مثلاً تم تحويل هؤلاء إلى مصلحة الطب النفسي لما حصل ما حصل".

وكانت وزارة التربية قد أعلنت مع نهاية العام المنصرم 2017، وبعد تسجيل ضحايا لعبة الحوت الأزرق، عن فتح 100 منصب عمل في الطب النفسي والعيادي عبر المؤسسات التربوية، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

لماذا لا تحجب لعبة الحوت الأزرق؟

جمعيات أولياء التلاميذ طالبوا من الوصاية في الجزائر التدخل، وحجب هذه اللعبة عبر مختلف المواقع.

إذ قال محمد بن مجذوب رئيس جمعية أولياء التلاميذ لشبكة "زدني": "ما دام الهاجس معروفاً، وحياة التلاميذ الجزائريين في خطر، لماذا لا تتدخل الدولة لحجب اللعبة عبر شبكة الإنترنت ومتابعة مخترعيها قضائياً، وإنهاء المشكلة من جذورها؟".

وقد أجابت وزير البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية والتكنولوجيات والرقمنة، إيمان هدى فرعون، عن هذا السؤال تحت قبة البرلمان، عندما طالبت برلمانيين في سؤال شفهي للوزير حول سر الانتشار المخيف لهذه اللعبة والمطالبة بحجبها.

فقالت الوزيرة: "إنه لا يمكن حجب لعبة الحوت الأزرق تماماً، وأكدت أن حجبها يتوقف على حجب جميع شبكات التواصل الاجتماعي، وهذا الأمر غير وارد إطلاقاً".

وأوضحت أن تِقَنِيي اتصالات الجزائر والهيئة الوطنية للحماية والوقاية من الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال، وتقنيي الأمن الوطني والدرك الوطني، أجمعوا على أنه يستحيل حجب هذا النوع من الألعاب تماماً.

والحل الوحيد للتخلص منها هو: التخلص من شبكات التواصل الاجتماعي.

الأمر -بحسبها- يرجع إلى سبب بسيط، وهو أن هذه الألعاب ليس لديها موقع واضح يمكن حجبه، كما أن الموقع الخاص بها حُجِبَ منذ مدة طويلة.

ولكن بحكم أنها ألعاب متداولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي؛ فإذا أردنا التخلص منها فيجب التخلص من جميع الشبكات الاجتماعية، وهو أمر غير وارد إطلاقاً".

وأمام تأكيدات الوزيرة لا يبقى سوى العمل بنصيحة عبدالحق حشايشي والد أول ضحية للحوت الأزرق بالجزائر، بضرورة متابعة التلاميذ، ومراقبتهم والاستفسار عن سلوكهم بالمؤسسات التربوية، ومراقبة الأجهزة الإلكترونية الخاصة بهم.

120-104

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

تبقى لديك : (1000) حرف

آخر الأخبار

الأکثر مشاهدة