عن فرق الموت الأميركية في أفغانستان

عن فرق الموت الأميركية في أفغانستان
السبت ٢٨ مايو ٢٠١١ - ٠٩:٢٧ بتوقيت غرينتش

كان الوقت الثالثة بعد الظهر في كاب كورال ـ فلوريدا عندما تلقى كريستوفر وينفيلد خبراً على الإنترنت من ولده الجندي في القوات الأميركية في أفغانستان. وقد استغرب كريستوفر ذلك. لأن التوقيت في افغانستان هو بعد منتصف الليل. هو جلس إلى مكتبه وفتح شبكة الفيسبوك. كانا يفضلان الاتصال عبر الانترنت حتى لا يسمعهما أحد إذا تكلما عبر الهاتف

كان آدم وينفيلد يعمل كسائق لمدرعة من طراز «سترايكر» في قاعدة رامرود، أحد أخطر المراكز العسكرية في أفغانستان والقريبة من مدينة «قندهار».

  أما الزمن فهو يوم 14 شباط عام 2010 يوم عيد الحب، والوقت الساعة 15,18. كان الإبن يريد إبلاغ والده بحدوث أعمال قتل للمدنيين يقوم بها أفراد من وحدته الذين يعتبرون ذلك أمراً عادياً! كان على آدم وينفيلد ان يعيد ذلك أمام المحكمة العسكرية التي عُقدت بعد ذلك بعشرة أشهر. لم يكن أحد يتصور ان تحول الحرب بعض الجنود الأميركيين إلى وحوش بشرية. كانت المحادثة بين آدم ووالده تؤكد حدوث جرائم حرب. ومثُل آدم مع 11 جندياً من وحدته أمام المحكمة.

  وقد دعيت تلك الفرقة بفرقة القتل Kill Team كما سماها الإعلام الأميركي. وكانت المسألة تتلخص بقتل المدنيين من أجل إزالة الملل الذي يعاني منه كثرة من الجنود الأميركيين في أفغانستان، والتي تشبه أعمال التعذيب في سجن أبو غريب في العراق. لقد وثقت تلك الجرائم بواسطة الصور الفوتوغرافية.

  لأن أعضاء فريق القتل كانوا يصورون ضحاياهم، للاحتفاظ بها كتذكارات عن الحرب. ومثل الصور التي نشرت حول أحداث سجن ابو غريب، كانت صور فريق القتل تظهر احتقار الجنود الأميركيين للحياة البشرية لأعدائهم. خفقت المحكمة العسكرية في كل الأقوال التي جرت بين كريستوفر وينفيلد وابنه آدم. وقال جيوف مورل، المتحدث الرسمي لوزارة الدفاع، «ان تلك المحادثة تلقي بأضواء ساطعة على ما جرى من جرائم وهي جرس إنذار يجب ان نأخذه على محمل الجد».

  كان آدم وينفيلد يرى ان حرب أفغانستان هي حرب شرعية، لأن الديموقراطيين والجمهوريين موحدون حولها. وقد قدم آدم إلى أفغانستان بعد إعلان باراك أوباما عن إرسال قوات جديدة إلى هناك عام 2009. كانت حرب أفغانستان مبررة حسب رأي أوباما إذ انها «حرب الضرورة». على العكس من حرب جورج دبليو بوش على العراق، والتي عارضها أكثر من نصف عدد سكان العالم. يراجع كريستوفر وينفيلد مرة ثانية ويحلل ما كتبه له ابنه. تتعثر الجمل في بعض الأحيان لأن الاتصال عبر الإنترنت مع أفغانستان سيئ جداً.

 وهو يعرف ابنه جيداً. فهو هادئ وكتوم. والأمر الذي أبلغه به جدي وليس مزاحاً. وعد كريستوفر ابنه بالتحقيق حول الموضوع وإبلاغ المسؤولين به. يلجأ أولا إلى الهاتف ويتصل بالمسؤولين في الجيش الأميركي ومن ثم بالسناتور بيل نلسون العضو في مجلس الشيوخ عن فلوريدا. ثم مع قاعدة فورت لويس، ويتكلم مع المسؤول جيمس بيك لمدة 12 دقيقة ويبلغه ان وحدة رامرود قتلت رجلاً أفغانياً بريئاً، وانهم يجب ان يفعلوا شيئاً لإيقاف قتل الأبرياء في أفغانستان. يأخذ جيمس بيك رقم هاتفه ويعده بالتحقيق وإبلاغه بالنتائج.

  ولكن الأيام تمر والأسابيع ولا يحدث شيء. إن الجريمة التي أخبر آدم أباه بها حدثت يوم 15 كانون الثاني عام 2010. وكانت من بين الجرائم التي قام بها فريق القتل. وكانت الوحدة العسكرية تسير دوريات إلى الغرب من مدينة قندهار بواسطة مدرعة سترايكر التي لم تكن صالحة للعمل على الطرق الصعبة في أفغانستان

 كما ان صوت محركها عال جداً. لذا كان اكتشافها أمراً سهلاً جداً. في ذلك اليوم جلس قائد الوحدة كالفن غيبس (25 عاماً) وجيريمي مورلوك (22 عاماً) واندرو هولمز (19 عاماً) في المدرعة التي يقودها آدم وينفيلد للقيام بدورية عادية بالقرب من قرية لا محمد قالاي التي يسكنها حوالى 2000 نسمة والتي تعد ضمن الأراضي التي تسيطر عليها حركة طالبان. وقد نزل غيبس ورفيقيه من المدرعة. بينما بقي آدم بالقرب منها من أجل حراستها. سار الجنود الثلاثة نحو القرية وفي نيتهم قتل أحد سكانها في خطة أعدوها من قبل.

  وقد أعطى غيبس مورلوك قنبلة يدوية لاستعمالها عند الحاجة كي تبدو عملية القتل دفاعاً عن النفس. وهكذا أعد غيبس المسرح للقيام بعملية قتل شرعي أو قتل قانوني دفاعاً عن النفس Legitimate Kill. هل كان وينفيلد على دراية بالأمر؟ أغلب الظن أنه كان جاهلاً بالموضوع على الرغم من ان غيبس ومورلوك كانا يتحدثان عن الأمر طوال الأسبوع. في ذلك اليوم وفي الساعة 9,30 صباحاً لمحت الفرقة المزارع الصغير غُل محي الدين قادماً نحوهم. أشار مورلوك بيده داعياً للقدوم إليه.

  انها لحظة تتكرر آلاف المرات في أفغانستان. ولكن مورلوك لم يكن ينوي التحدث إليه. كان يضمر شيئاً آخر، وقف محي الدين على بعد 5 أمتار منهم فاتحاً جاكتته كي يرى الجنود انه ليس محارباً انتحارياً ولا يحمل متفجرات. وفي تلك اللحظة فتح مورلوك القنبلة اليدوية وألقاها نحو محي الدين صارخاً: «اختبأوا». كي يوحي بأن الوحدة تتعرض لهجوم. وقف هولمز مطلقاً 8 رصاصات. قتل الأفغاني على الفور. وأسرع مورلوك نحوه نازعاً ثيابه رافعاً رأس الضحية بينما كان رفاقه يأخذون له الصورة التذكارية.

  وبعد دقائق أمر غيبس الفرقة بالانسحاب. كان آدم يشعر بالضياع. لم يكن يريد التستر على الجريمة. بعد ثلاثة أيام بعث بـ E.Mail إلى والده: «هنا تجري جرائم فظيعة. لا أستطيع التحدث عنها». ولكن ذلك جاء متأخراً إذ تم القبض على فريق القتل بكامله. 12 جندياً، 5 منهم متهمون بجرائم قتل، وآخرون بجرائم أخرى منها التمثيل بالجثث، وتناول المخدرات، وإيذاء الرفاق، والتسبب بعاهات. جرت محاكمات لكافة أفراد فريق القتل، وفي البداية مورلوك الذي اتهم بجرائم تصل إلى 24 عاماً سجناً

 وأثارت الاتهامات قلقاً كبيراً في المجتمع الأميركي وفي الإعلام. وفي استفتاء أعلن ثلثا الأميركيين رغبتهم بعودة الأبناء إلى وطنهم، لانه ليس من فائدة في متابعة تلك الحرب. ويعلن كثير من الأميركيين عجبهم من تحول شبانهم إلى وحوش بشرية في أفغانستان.

*سمير التنير

كلمات دليلية :

آخر الأخبار

الأکثر مشاهدة