11/1/2011 محمود عبد الرحيم mabdelreheem@hotmail.com

الثلاثاء ١١ يناير ٢٠١١ - ١٠:٠٧ بتوقيت غرينتش

حرب الاستخبارات الإسرائيلية ..ومسئولية النظام المصري؟ طارق عبد الرازق، ومن قبله الفلالي و محمد صابر والعطار، اسماء لملفات مصريين متهمين بالتخابر مع "إسرائيل"، خلال عقد واحد، عدا الملفات الأخرى المعلنة وغير المعلنة، أو التى لم يتم، أصلا، رصدها، منذ "معاهدة السلام" المشئومة مع الكيان الصهيوني وحتى الآن، الأمر الذي يستدعي دق نواقيس الخطر، خاصة ان احتمالات التكرار حاضرة بقوة، في ظل عوامل قائمة محرضة على مثل هذه الافعال الشريرة، واعتراف رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق عاموس يادلين مؤخرا بأن مصر هي الملعب الأكبر للنشاطات "الإسرائيلية"، سواء ما يتعلق بالاختراقات السياسية

حرب الاستخبارات الإسرائيلية ..ومسئولية النظام المصري؟

طارق عبد الرازق، ومن قبله الفلالي و محمد صابر والعطار، اسماء لملفات مصريين متهمين بالتخابر مع "إسرائيل"، خلال عقد واحد، عدا الملفات الأخرى المعلنة وغير المعلنة، أو التى لم يتم، أصلا، رصدها، منذ "معاهدة السلام" المشئومة مع الكيان الصهيوني وحتى الآن، الأمر الذي يستدعي دق نواقيس الخطر، خاصة ان احتمالات التكرار حاضرة بقوة، في ظل عوامل قائمة محرضة على مثل هذه الافعال الشريرة، واعتراف رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق عاموس يادلين مؤخرا بأن مصر هي الملعب الأكبر للنشاطات "الإسرائيلية"، سواء ما يتعلق بالاختراقات السياسية والأمنية والاقتصادية، أو ما يخص تصعيد التوترات الطائفية والاجتماعية، على نحو يضعف من قوة مصر إلى أقصى مدى ممكن.

ولعل الكشف عن قضية تجسس "إسرائيلي" جديدة على مصر، يتطلب وقفة، للنظر إلى أبعادها ودلالاتها المختلفة، سواء ما يتعلق بتوقيت الإعلان المتأخر، أو السياق الذي فتح الباب لمثل هذه الاختراقات المتوالية، و قاد لضمور فكرة الإنتماء الوطني، وجعل المصلحة الفردية الانتهازية مقدمة على مصلحة الوطن، والخلاص الفردى هو الأولوية، ولتذهب كل القيم و المبادئ للجحيم.

إن كان علينا أن ندين هذا الشاب الذي تورط في هذه الجريمة المنكرة، فيجب أن ندين قبله ونشير بأصابع الاتهام للنظام المصري بكل تكويناته السياسية والثقافية والتعليمية والاعلامية، الذي قادت سياساته واختياراته الخاطئة إلى تشويه قيم الولاء والإنتماء، منذ ارتكاب خطيئة التطبيع مع الكيان الصهيوني، وفتح الباب على مصرعيه لتعاون وتنسيق سياسي وأمني واقتصادي، وإيهام أجيال من المصريين أن العداء مع الكيان الصهيوني قد ولى، وأن عدو الأمس صار صديق اليوم، وشريك صنع "السلام التاريخي"، الذي حقق الاستقرار لمصر، وسط ترويج لعبارة ساذجة تعكس غباء سياسيا واستراتيجيا" ان حرب اكتوبر هى آخر الحروب"، وكأن الشكل الوحيد للحروب المعاصرة هى المواجهات العسكرية، وكأن الحرب خيار يمكن التخلى عنه، وورقة يجب إحراقها، وقرارا نهائيا مقدسا لا يجب الرجوع عنه، وكأن الحرب ليست أداة ووسيلة ضرورية يتم اللجوء إليها في الوقت المناسب لحماية المصالح أو استرداد الحقوق.

فهذا النظام المحتكر للسلطة منذ رحيل الزعيم العربي الكبير عبد الناصر، هو الذي "كسر الحاجز النفسي" مع العدو، حسب توصيف أنور السادات قائد هذه التوجهات الانهزامية التى الحقت اضرارا فادحة بالهوية المصرية وشوهت فكرة الانتماء، وللأسف تواصلت حتى اللحظة تأثيراتها الكارثية، وورثها نظام مبارك، الذي زاد من وتيرة الانفتاح على تل أبيب، عبر رجاله الانتهازين من الساسة والصحفيين والباحثين و المثقفين ورجال الاعمال ، في ذات الوقت اغلق هذا النظام أبواب الأمل في وجوه جيلين أو أكثر من المصريين، وكرس للحكم الفردي القمعي والافقار الممنهج للشعب، ما جعل ملايين من المصريين يكفرون بالوطن ويريدون هجره بحثا عن حياة آدمية وكرامة إنسانية مفقودتين، حتى لو أرتمى في احضان العدو، وهاجر للعمل داخله والتزاوج من نسائه، أو سعى لخلاص فردي ولو ببيع نفسه وبلده والتخابر لصالح العدو، مبررا خيانته بألف مبرر، ومقتديا بالكبار الذين فرطوا في المصلحة الوطنية ومقتضيات الأمن الوطني الذي تستوجب قطع العلاقات مع العدو الصهيوني، لا مواصلتها وتسخينها لتمرير مصالح شخصية، وإرضاء واشنطن الراعي الرسمي للكيان الصهيوني، لغض الطرف على ملفي الديمقراطية وتوريث السلطة.

وربما ذات السبب هو الدافع وراء تفجير هذه القضية في هذا التوقيت، فلا يمكن الفصل بين الإعلان عن قضية التخابر وبين الضغوط "الإسرائيلية" والأمريكية على النظام المصري مؤخرا.

و يبدو أن القاهرة تريد أن ترسل برسالة إلى كل من تل أبيب وواشنطن، خاصة ما يتعلق بتهمة السماح بتهريب أسلحة والتراخي في مسألة ضبط الحدود مع غزة، وعدم الضغط بما فيه الكفاية على الفلسطينيين للعودة للعبة التفاوض العبثي، "أنكم أنتم الذين تقومون بتوتير الأجواء، وتضرون بأجواء السلام الذي نتمسك به، عبر أعمال عدائية كالتخابر"، فضلا عن محاولة تسجيل نقطة إيجابية لدى الرأي العام المصري بالحديث عن قوة ويقظة أجهزتها الأمنية القادرة على إحباط الاختراقات، بالإضافة إلى أن إثارة حالة جدل جديدة حول موضوع التطبيع المرفوض شعبيا، يمكن إستخدامه كورقة ضغط على الجانب الآخر.

والسؤال هنا، هل قضايا الأمن القومي يصح التعامل معها بمنطق المناورات السياسية، ولتحقيق أجندات شخصية وليست وطنية؟

والسؤال الأخر، لماذا تم القبض على الجاسوس المصري، دون الإسرائيليين؟

ونود أن نذكر في السياق ذاته، بقضية الجاسوس الإسرائيلي عزام عزام الذي تم إطلاق سراحه قبل إنتهاء محكوميته، بعد أن تدخلت واشنطن بثقلها بعد ضغوط إسرائيلية مكثفة في القضية، وفي توقيت سياسي بعينه، كانت العلاقات المصرية الأمريكية في مرحلة توتر بالغ، على خلفية مطالب التغيير الديمقراطي، ما يؤشر إلى أن قضايا تمس الأمن الوطني صارت جزءا من لعبة السياسة والمساومات، وعلى نحو يرسل برسائل خاطئة إلى العدو، ويكشف عن ضعف الموقف المغري بممارسة مزيد من الاختراقات والضغوطات والابتزازات.

ثم إذا كنا نلاحق المتعاونين معلوماتيا مع "إسرائيل"، فماذا عن عشرات الصحفيين والباحثين، الذين تربطهم بالكيان الصهيوني ومؤسساته البحثية وسفيره بالقاهرة صلات قوية.. أليس في هذا ما يهدد الأمن الوطني المصري بشكل مباشر أو غير مباشر؟

وإذا كانت معظم قضايا التجسس المعلن عنها يستخدم "البيزنس" كستار لها، فماذا عن العشرات، إن لم يكن المئات من رجال الاعمال الذين ترتبط مصالحهم بشكل مباشر مع الكيان، والذي لا يعني الوطن والوطنية أي شئ في قاموسهم الذي لا يعرف غير الارباح والمنفعة الفردية؟

ثم إذا كانت كل هذه الهجمات تتوالى على مصر في ظل معاهدة السلام، ألم يحن الحين لاستغلال هذا النهج العدواني الأسرائيلي كمبرر لإتخاذ قرار يتسجيب لتطلعات ملايين المصريين الرافضين للتطبيع، بتجميد هذه المعاهدة على الأقل، إن لم يكن الغاؤها نهائيا.

وإذا كانت دولة عربية صغيرة كموريتانيا استطاعت أن تأخذ هذا القرار الشجاع، أليس من الأحرى بمصر الدولة العربية الكبرى، والتى كانت ويجب أن تظل قلب العروبة النابض، أن تبادر بهذه الخطوة، خاصة بعد أن وصل قطار السلام إلى محطته الأخيرة، وتكشف فشل مسيرته العرجاء؟

وأن لا سلام منتظر ولو بعد ألف عام مع كيان عدواني، معبر عن أطماع توسعية، ومحمي من قوى الاستعمار الجديد؟

علامة استفهام نضعها في الأخير، وإن كنا نعرف أجابتها مسبقا، ورغم كل شئ يجب ألا نيأس ونراهن على المستقبل الذي يعيد مصر إلى فتوتها، وإلى دوائر انتمائها الأصيلة، وإلى موقفها الرافض والمقاوم للقوى الاستعمارية والصهيونية.

*كاتب صحفي مصري

آخر الأخبار

الأکثر مشاهدة