السودان وسياسة التقطيع الناعم لدول المنطقة

الثلاثاء ١٨ يناير ٢٠١١ - ٠٣:٣٢ بتوقيت غرينتش

من النادر في تاريخ العلاقات الدولية أن تحظى ولادة دولة جديدة قبل الاستفتاء عليها بدعم مسبق، كما هو الحال في نموذج انفصال جنوب السودان، فالإدارة الأميركية تصرح بأنها ستدعم الدولة الوليدة سياسيا واقتصاديا دون أن تنتظر نتائج الاستفتاء، وأنها ستتكفل بحل كافة معوقات ومشاكل ما بعد الانفصال، الأمر الذي يعد تدخلا فاضحا في سيادة واستقلال السودان ويشكل سابقة في العلاقات الدولية ترقى إلى حد التحريض المسبق على خيار الانفصال ويضع أكثر من علامة استفهام حول جدوى ونزاهة ومشروعية الاستفتاء إذا كانت نتائجه محسومة سلفا.

من النادر في تاريخ العلاقات الدولية أن تحظى ولادة دولة جديدة قبل الاستفتاء عليها بدعم مسبق، كما هو الحال في نموذج انفصال جنوب السودان، فالإدارة الأميركية تصرح بأنها ستدعم الدولة الوليدة سياسيا واقتصاديا دون أن تنتظر نتائج الاستفتاء، وأنها ستتكفل بحل كافة معوقات ومشاكل ما بعد الانفصال، الأمر الذي يعد تدخلا فاضحا في سيادة واستقلال السودان ويشكل سابقة في العلاقات الدولية ترقى إلى حد التحريض المسبق على خيار الانفصال ويضع أكثر من علامة استفهام حول جدوى ونزاهة ومشروعية الاستفتاء إذا كانت نتائجه محسومة سلفا.

 

لم تكن واقعة انفصال جنوب السودان قد حصلت بالصدفة وإنما جاءت تتويجا لخطوات منهجية ومدروسة على المستوى السياسي والعسكري والاقتصادي استغرقت عقودا من الزمن، تأسس من خلالها خيار وقرار الانفصال الذي تصب نتائجه مباشرة في المحصلة النهائية لتوازن القوى في الصراع العربي الإسرائيلي، لأن هذه الخطوة ليست بعيدة عن السعي الإسرائيلي المحموم منذ وقت مبكر منذ منتصف القرن الماضي إلى محاصرة وتجفيف منابع القوة لدول المواجهة العربية وفتح جبهات خلف خطوط هذه الدول.

 

يشكل التقطيع الناعم لدول المنطقة على غرار ما يجري في السودان إستراتيجية فرعية تنسجم مع مخططات إعادة رسم المنطقة من جديد لإنتاج "سايكس- بيكو" وهو أمر لطالما نظر له مفكرو السياسة الخارجية الأميركية أمثال صموئيل هنتغتون أو فرانسيس فوكوياما في أن خطوط الصراعات الدولية القادمة ستكون على أساس عرقي وديني، الأمر الذي تعبر عنه الإدارة الأميركية بمشروع الشرق الأوسط الكبير والذي جوهره تجزئة المنطقة إلى دويلات وكيانات هزيلة تتناحر فيما بينها على مصادر المياه والثروات والحدود.

 

يتيح التقطيع الناعم للأطراف الذي تستخدمه تحقيق نتائج باهرة على مستوى إنجاز أهداف إستراتيجية في الصراع دون إطلاق رصاصة واحدة.

 

إن أشد أنواع التهديدات والمخاطر التي تواجه المجتمعات العربية لا ينحصر في أنماط التهديدات المحلية أو التهديدات الخارجية، وإنما تفشى صنف في غاية الخطورة وأشد فتكا بمستقبل وتماسك هذه المجتمعات، ذلك هو الخطر والتهديدات المركبة وهي نمط من التهديدات تلتقي فيها مصالح وأطماع قوى محلية مع تهديدات وأطماع أطراف خارجية.

 

في الصراعات الإستراتيجية الشاملة كالصراع العربي الإسرائيلي لا يمكن تجزئة مسارح العمليات، ففي الوقت الذي تم فيه تقييد المغامرات الإسرائيلية على مسارح الصراع التقليدية على الجبهة اللبنانية والفلسطينية حيث تحقق نوع من توازن الرعب والقوة جعل إسرائيل تفكر أكثر من مرة قبل ألإقدام على مغامرة مثل مغامرة حرب تموز 2006 أو حرب غزة، لكن ذلك بلا شك لم يمنع إسرائيل من السعي الحثيث على فتح جبهات ناعمة خلف الخطوط الخلفية للجبهات التقليدية لا تقل خطورة عن الخطوط الأمامية وتصب مباشرة في معادلة القوة وتؤثر في ميزانها العام.

*د. خالد المعيني

آخر الأخبار

الأکثر مشاهدة