انتهى شهر العسل يا نتانياهو!

انتهى شهر العسل يا نتانياهو!
الخميس ٠٢ يونيو ٢٠١١ - ٠٩:٤٣ بتوقيت غرينتش

بدا رئيس حكومة الكيان الصهيوني بنيامين نتانياهو ، في خطابه أمام الكونغرس الاميركي ، وكأنه لايزال في برج الكيان الصهيوني العاجي ،يضع لاءاته ويحاول فرض شروطه تجاه ما يسمى بـ"التسوية السياسية"،وكأنما العالم توقف من حوله عند العصر الصهيوني الذهبي الذي خبا منذ زمن. ووصل به الامر مع تصفيق المصفقين من أعضاء الكونغرس ، لأن يحلق كثيرا وبعيدا عن مستضيفه الرئيس الاميركي باراك اوباما، الذي سبق أن لحس رؤيته لحل المسالة الفلسطينية، ويخضع لشروط نتانياهو وتعنيف اللوبي الصهيوني ليقف مجددا امام مؤتمر الايباك معتذرا عما صدر عنه من تصريحات اغضبت سادة البيت اليهودي .

وبرؤية المشهد برويّة نجد أن خطاب اوباما الأول ، كان أمام وزارة الخارجية ، محرك السياسة الخارجية الاميركية وأداة تنفيذها ، فكان خطابا بلاغيا محضا يقارب شكلا واقعيا بمحاولة ارضاء اللوبي اليهودي، رغم أن متن الخطاب أعاد التأكيد على حرص الإدارة المطلق على أمن الكيان الصهيوني والانطلاق من اعتبار الكيان دولة يهودية وتكرار اللاءات الصهيونية : لا لعودة اللاجئين والقدس عاصمة أبدية للكيان الصهيوني ، ودولة فلسطينية منزوعة السلاح ، وتبادل الاراضي بما يحافظ على الشكل القائم للمستوطنات، وكل ذلك في حدود عام 1967 أي أن تلك الحدود هي السقف الجغرافي الذي يتحرك من خلاله الحل وليس الالتزام القطعي به.بمعنى أن اوباما حاول مقاربة آخر ما تم التوصل اليه في جولات المفاوضات ليس إلا.

أما خطاب الندم والاعتذار فكان أمام الايباك،في بعد زمني لم يتعد الـ 48 ساعة وسط ترحيب وتصفيق من مؤتمرين، عارفين مسبقا بالموعد وهم لعارافون مسبقا بمضمون الخطاب.

وما بين المشهدين ، بات واضحا أن المشهد الثاني ، وهو المشهد الحقيقي في اميركا، صادق عليه أعضاء الايباك بالتصفيق وقوفا. سيما الاعلان عن الموقف الاميركي بمحاربة ما من شانه اقامة دولة فلسطينية معزولة ومقطعة الاوصال ودون سيادة.

والواضح ان لهذا المشهد نداعياته، التي جعلت نتانياهو يقدم خطابه امام الكونغرس ،باضافة لاءات جديدة،ونسف كل التفاهمات السابقة التي تمت منذ العام 1991 اي ، الاطاحة بـ 21 من المفاوضات.

وربما كان يمكن تفهم هذا الخطاب قبل عدة أشهر من الان ، عندما كان الوضع العربي غير هذا الان، وسلطة فلسطينية متهالكة لاتملك أي رصيد سياسي تفاوضي ، وعندما كان لما سمي بـ "محور الاعتدال" قوام ما.

أما الان فإن المؤشر يقول لنتانياهو واوباما أن شهر العسل قد انتهى، فالظروف قد تغيرت تماما،فربيع الثورات العربية قد أحدث تحولات جذرية قلبت طاولة الحسابات العربية الرسمية والعالمية، وواهم من يعتقد أن ربيع الثورات سيبقى محصورا في دوله القطرية.

فالكيان الصهيوني ، في ظل التطورات المتسارعة ، لم يعد مثالا للديمقراطية " الوهمية " التي يدعيها لنفسه ، في ظل ديمقراطيات شعبية ناشئة تحتكم الى رأي الجمهور وتحمي تطلعاته. وما كان يسمى " اسرائيل" واحة الديمقراطية باتت مجرد جزيرة معزولة ومفضوحة في بحر ديمقراطي هائج. بل أن رياح التغيير ستعصف بالكيان الصهيوني من الداخل، بدليل الاصوات التي بدأت تسمع من داخل هذا الكيان نحو القبول بالممكن السياسي ، وهو الممكن المتاح في المعادلة القائمة حاليا وقبل اتساع دائرة التغيير.

فقد سقط محور الاعتدال ، وسقطت أدوات المشروع الصهيوني ،حتى أن التطبيع قد سقط رسميا بعد أن كان مقاطعا ومحاربا على المستوى الشعبي.

ولعل أهم علامات التغيير التي لم يفهما نتانياهو، أن هناك انفلاتا لمصادر القوة الشعبية العربية ، بمزاوجة السياسي والاقتصادي ،ومقاومة الهيمنة الاميركية الصهيونية على المنطقة،وإعادة إحياء فكرة القومية العربية على أسس جديدة، تعيد التأكيد على الثوابت الشعبية القومية .

ولا يستطيع أحد النفي بأن الادارة الاميركية قد أزكم أنفها هذا المتغير الجديد، وهي تدرك قبل غيرها أن المتغير القائم يأخذ بالموقف الشعبي نحو الموقف السيادي في الانتخابات الديمقراطية القادمة ، وجوهر المتغير سيكون ضد الاملاءات الغربية ،ونحوالتمسك بقضايا الامة.

ولا عجب اذا كا هذا هو العامل الاساس بإنجاز المصالحة الفلسطينية ، مما يمكن السلطة التقدم بقوة أفضل نحو التفاوض أو التوجه الى الشرعية الدولية لإنجاز " الدولة الفلسطينية: وهو توجه بات مدعوما من قبل بعض السياسيين الصهاينة وبعض دول الاتحاد الاوروبي.

بمعنى آخر، فإن أشكالا جديدة في المقاومة باتت متاحة الان ابتداء بفتح معبر رفح بشكل دائم وليس انتهاءا بمسيرات العودة التي أرعبت الكيان الصهيوني في 15 ايار 2011 مما حدا بنتانياهو الى التصريح بأن هذه المسيرات تستهدف تدمير الكيان ذاته وليس المطالبة بدعم المفاوض الفلسطيني على دولة ضمن حدود عام 1967. أي أننا بدانا نرى هواجس صهيونية تجاه وجود الكيان ذاته. وهي هواجس يحاول العدو الصهيوني القفز عنها منذ عام 2000 وتعززت عامي 2006 و 2008 .

وعليه يصبح السؤال هل نتانياهو مازال يقف علىٍ أطلال شهر عسل الانحطاط العربي الرسمي ؟ أم محاولة للهروب الى الأمام والظهور بمظهر القوة لتجييش العالم لحماية كيانه من الانهيار؟؟

والاجابة الاولية تشير إلى أن نتانياهو يستشعر حقيقة الخطر القادم ويراهن على الوقت لإطالة عمر كيانه وهي معركته الأخيرة التي تم التعبير عنها في خطابه بالقدس المحتلة مستحضرا تعبيرات ومفاهيم توراتية باتت في الفكر السياسي ممجوجة ، والعالم يريد إجابات وليس محاضرات ، فالسماء لن تمطر له بعض الحلول ، او تستطيع ادارة اوباما عبر ركوب موجة المتغير العربي باعادة صناعة ادوات جديدة لمشروعها في المنطقة. وهو عامل سيكون مرهونا بناقوس الانتخابات المبكرة في الكيان الصهيوني.

فالكلام البلاغي لنتانياهو ما عاد قادرا على أن يعبر به من سبات العسل الى مرار الحراك السياسي المقبول. وبات الامر في الكيان الصهيوني أمام وجوده من هو المفوض بالتوقيع على هزيمة هذا الكيان.

*حسين موسى - كاتب وصحفي فلسطيني

كلمات دليلية :

آخر الأخبار

الأکثر مشاهدة