فكر الإمام الخميني «قدس»

فكر الإمام الخميني «قدس»
الجمعة ٠٣ يونيو ٢٠١١ - ٠٣:٢٨ بتوقيت غرينتش

بالرغم من أن شخصية الإمام الخميني رضوان الله تعالي عليه تركت بصمات لا تمحي علي جبين الزمن، فهي ماثلة وبشكل حي في ذاكرة الشعوب، إلا أن أبعاد هذه الشخصية فرضت نفسها هذا العام على دنيا المسلمين بشكل أشد وقعاً وأوسع نطاقاً وأعمق احساساً مقارنة بالأعوام الماضية.

إن الإحساس بحضور شخصية الإمام الخميني (قدس) في هذه المرحلة الحساسة يعود الى حضور خطابه السياسي والفكري والإجتماعي وبكثافة بسبب الجذر الذي ضرب ويضرب الخطاب الإسلامي الأصيل وتراجعه امام خطابات التطرف والإنحراف المحسوب على الإسلام واتساع نطاق هذه الخطابات التكفيرية والإنغلاقية والإنعزالية والإقصائية والطائفية والإنبطاحية وارتفاع حدة نبرتها يسبب عنفها وتطرفها وعدم وقوفها عند اي خطوط حمراء حتى لوكانت باهتة، متسترة بمسوح، يفضح اكثر مما يستر، الإعتدال والعداء لأميركا الذي وجدت فيها الأخيرة ضالتها بعد أن اوجدتها، فعممت حالة التشنج والحقد الأعمى والقصور في الرؤية الى حد العمى وكذلك الإنحلال والإنحراف في الخطابات المشوهة، على كل المسلمين للنيل من رموزهم وصحوتهم وحصرهم بين لامتناهيين، الجهل والتعصب. يقفز الخطاب الخميني (قدس) دون استئذان الى عقل وفكر الإنسان المسلم اذا ما استحضر حتى في عملية سريعة بعض المفردات التي تدور حولها الخطابات المتطرفة والتفسيرات الشوهاء والممسوخة التي تطرحها بشأن اهم القضايا التي تواجه المجتمعات الإسلامية مثل الديمقراطية والإنتخابات والإستكبار والإستعمار والوحدة الإسلامية والطائفية والأقليات الدينية والقومية وحرمة المؤمن ودور العبادة والجهاد والإستشهاد. الخطاب المتطرف والتكفيري يرى في الديمقراطية آفة يجب استئصالها بشتى الطرق ولا حق للشعوب في ابداء رأيها فيما يخص اوضاعها فضلاً عن الحديث عن تقرير المصير، اما خطاب الإنحلال رافع لواء (الإعتدال) الذي يمنح الشرعية للأنظمة التي تدعي الإعتدال فيرى في الديمقراطية باباً من ابواب جهنم ومكيدة من مكائد الشيطان يمنح الرعاع والمنحرفين الحق في الإعتداء على القيم والأخلاق السائدة في المجتمع . كما أن الإنتخابات كفر وإلحاد وأنها عملية كفرية وأن كل مسلم يشارك فيها يعتبر خارجاً من الملة والدين يستحق الموت حتى لو بلغ من شارك فيها عشرات الملايين.

في المقابل يرى الخطاب الخميني (قدس) في الإنتخابات على أنها امتحان الهي وفيها يتم الفصل بين المنتصرين للضوابط والمنتصرين للجماعات وبالإنتخابات يمكن تقويم الذات وأن البرلمان على رأس جميع المؤسسات. وأن الديمقراطيه مندرجة في الإسلام والناس احرار في الإسلام في بيان عقائدهم حتى أن الماركسيين احرار في بيان عقائدهم في المجتمع، ويرى الخطاب الخميني (قدس) أيضاً أن من الحقوق الأولية لأي شعب أن يمتلك حق تقرير المصير وتعيين شكل الحكومة التي يريدها. اما فيما يخص الأقليات الدينية فلا يفرق الخطاب المتطرف والتكفيري بين اليهود والصهاينة وبين المسيحيين ودعاة الحرب من الصليبيين حيث يضع الجميع في سلة واحدة ويحكم عليهم بالكفر والقتل. وقد رأى العالم تطبيقات هذه الرؤية في العديد من مناطقه وخاصة في العالم الإسلامي والتي كلفت المسلمين والإسلام غالياً.

في المقابل يرى خطاب الإمام الخميني (قدس) أن جميع الأقليات الدينية في ظل الحكومة الإسلامية يمكنها القيام بجميع طقوسها الدينية وبحرية كاملة وأن الحكومة الإسلامية مكلفة بحماية حقوقهم على افضل وجه، ويرى هذا الخطاب، لا فرق بين الشعوب المختلفة، وأن جميع حقوق الشعوب مكفولة في الإسلام، كما يعتبر هذا الخطاب، (أن جميع افراد العالم بشراً متساوين في الإنسانية) وينظر الى جميع الناس بمنظار المحبة كي (يصبح العالم باجمعه روحانياً ويقترب من عالم القدس)، ويرى أيضاً (أن الإسلام جاء لإنقاذ البشرية من العلائق الجسمانية وإيصالها الى الروحيات).

اما الحديث عن الوحدة الإسلامية والموقف من التقريب بين المذاهب الإسلامية، نرى فضائيات ومواقع انترنيت تتكاثر عرضياً وتحتكر الإسلام وتسبح بحمد الجماعات المتطرفة التي ترفع رايات الجهاد ولكن ضد المسلمين وتفتي بقتلهم وإستباحة دمائهم وتحريض بعضهم على بعض وتعمل على إشعال الفتنة الطائفية في ديار المسلمين في تواطؤ واضح فاضح مع المستكبرين والصهاينة بعد أن قسموا خلق الله الى فسطاطين فسطاط الإيمان وهو حكر لهم وفسطاط الكفر وهو للمسلمين جميعاً. اما توأم هذا الخطاب في النهش والحز بجسد الأمة، خطاب الإنحلال والإنبطاح، فهو يعلن وعلى رؤوس الأشهاد ودون مواربة أن الوحدة الإسلامية التي ينشدها تنتهي حتما بتجاهل جميع المسلمين اذا لم نقل باقصائهم وفقاً للتفسير الجامد والمتخلف للإسلام.

في المقابل نذر الإمام الخميني (قدس)، وهو من كبار مراجع الدين على مر العصور، كل حياته المباركة من اجل تحقيق الوحدة الإسلامية. فكان قدس سره يعتقد اعتقاداً جازماً بوحدة الأمة الإسلامية وبمصيرها المشترك دون الإلتفاف الى المذاهب التي تنتمي اليها، وقد رافقت هذه الفكرة سماحته في كل لحظة من لحظات حياته. ويمكن تلمس ذلك وبوضوح في كل خطاباته ومؤلفاته ومواقفه دون استثناء وكذلك في نداءاته لضيوف الرحمن في كل عام ومن اعلانه آخر جمعة من شهر رمضان المبارك يوماً عالمياً للقدس. أما بشأن المرأة وحقوقها فإن من الخطأ الحديث عن موقف خطابي التطرف والإنعزال من المرأة وحقوقها، فالمرأة لاوجود لها كإنسانة في اطار هذين الخطابين ليكون لها بالتالي حقوقاً يمكن الحديث عنها وأن الذي حدث للمرأة في بعض ديار المسلمين التي تمكن فيها هذان الخطابان من أن يجدا فيها موضع قدم هناك، يكفي ويغني عن الحديث في هذا الموضوع فهو خزي وعار من ألفه الى يائه.

وعلى النقيض من ذلك تماماً يقف الخطاب الخميني (قدس) شامخاً يصدح بصوت الإسلام الذي كرم وبجل وعمل المرأة ودورها في الحياة، فهذا الخطاب يرى كما يرى الإسلام الأصيل أن (للمرأة في النظام الإسلامي الحقوق ذاتها التي للرجل بما في ذلك التعليم والدراسة وحق العمل وحق التملك وحق التصويت وحق الترشيح. فلا (يوجد فرق بين الرجل والمراة من ناحية الحقوق الإنسانية وذلك لأن كليهما انسان) وللمرأة الحق في تقرير مصيرها كالرجل تماماً و(المرأة كالرجل حرة في اختيار مصيرها ونوع نشاطها).

اما موقف خطاب التطرف ازاء مفاهيم الجهاد والإستشهاد فهو حديث يعتصر قلب كل مسلم ومؤمن وكل انسان حتى لو تجرد من اي قيم سماوية، وهو يرى كيف اساء هذا الخطاب الى مفاهيم الجهاد والإستشهاد وأنزلها من عليائها الى درك الإرهاب والجريمة، وكيف نصب اصحاب هذا الخطاب انفسهم انصاف اله عندما اخذوا يشرعنون قتل النفس التي حرم الله قتلها الا بالحق ويدخلون من يشاؤون الجنة ويرسلون آخرين الى النار، وكيف تدنت مكانة وحرمة الإنسان المسلم وحرمة الجوامع والمساجد والحسينيات والكنائس ودور العبادة الى مستويات لاحرمة لها ولا كرامة، بعد أن فجروها خربوها على رؤوس المؤمنين وهم يزفون منفذيها شهداء على طريق الإسلام.

في المقابل اعطى الخطاب الخميني (قدس) مفاهيم مقدسة كالجهاد والإستشهاد، فهما اعمق وزرعها في نفوس الشعب الإيراني المسلم وتجسدت عملياً في انتصار الثورة الإسلامية وفي مرحلة الدفاع المقدس وفي جميع مراحل مسيرة تطور وتقدم الجمهورية الإسلامية الإيرانية وعلى شتى الصعد الإجتماعية والسياسية والإقتصادية والعلمية والعسكرية، فلا يجد الجهاد والإستشهاد لهما اي معنى الا في سوح منازلة الإستكبار والإستعمار والصهيونية لتحرير الأرض والإنسان وبناء نهضة علمية ترفع المسلمين الى المكانة التي تليق بهم بين الأمم.

اما بشأن الموقف من الإستكبار والإستعمار فإن كل ما فعله الخطاب المتطرف منذ اعلن عن وجوده، صب في مصلحة الإستكبار والصهيونية بالكامل وأضر وأساء للمسلمين الى درجة لاتوصف، الأمر الذي دفع العديد من الباحثين والمراقبين لأداء المجموعات المتطرفة والتكفيرية يتحدث عن وجود تواطؤ واضح بين الجانبين لايمكن أن يختفي وراء بعض الشعارات الرنانة الجوفاء، فيما يعتبر خطاب الإنحلال والإنبطاح مطية لتمرير مشاريع الإستكبار في المنطقة، فمن دون وجود هذا الخطاب ما امكن تمرير هذه المشاريع بهذه السهولة، وذلك بفضل التعاون الى درجة التحالف الإستراتيجي مع الغرب ومنح التسهيلات لمئات الآلاف من الجنود الأميركيين وحلف الناتو فوق اراضي المنطقة العربية الإسلامية لغزو اراضي العرب والمسلمين.

في الجانب الآخر يفتخر الخطاب الخميني (قدس) بأنه اسس منذ البداية على مناهضة الإستكبار والإستعمار وأن الثورة الإسلامية كانت قبل كل شيء ثورة على التبعية للغرب وعلى رأسه الإستكبار الأميركي، فهذه التبعية ووفقاً للخطاب الخميني (قدس) هو السبب الأول والأخير لتخلف المسلمين عن ركب الحضارة والتقدم، ومازال الشعب الإيراني في نزال لايرحم مع هذا الإستكبار الذي يريد اعادة ايران الى بيت الطاعة الأميركي.

اما قضية الإسلام الأولى، قضية فلسطين السليبة، فلاتجد لها مكاناً في الخطاب المتطرف ولم يسجل لهذا الخطاب موقفاً جاداً وأصيلاً من القضية الفلسطينية، فبعيداً عن الشعارات الرنانة لهذا الخطاب الذي يلعن اليهود ليل نهار الا أنه لم يمس لحد الآن شعرة من جسد صهيوني حاقد على الإسلام والمسلمين.

اما الخطاب الذي يشرعن للإنبطاح والإستسلام تحت يافطة الإعتدل فهو من اهم الأسباب التي ادت الى ضياع فلسطين وتغول الصهاينة على المسلمين، فهذا الخطاب مازال يختلق الأعذار لإضاعة ماتبقى من فلسطين، كما ساهم ويساهم في فرض الحصار المفروض على اهالي غزة المظلومين.

اما الخطاب الخميني (قدس) فيعرف القاصي والداني سر عداء الإستكبار العالمي وأذنابه للإمام الخميني (قدس) هو نصرته الحقيقية والثابتة للقضية الفلسطينية، انطلاقاً من العقيدة الإسلامية الأصيلة. وإخراجه هذه القضية من دائرتها القومية الضيقة الى فضاء الإسلام الرحب وجعل منها القضية الأولى للمسلمين، وأن ايران دفعت ومازالت تدفع أثماناً باهظة لهذا الموقف الإسلامي المبدئي من القضية الفلسطينية.

الغريب أن خطابي التطرف والإنبطاح يكمل بعضه بعضاً، فبعد أن يقضي الخطاب الأول على كل امل في تلمس شباب الأمة الخلاص من المشاكل التي تعصف بالمجتمعات الإسلامية عبر الإسلام التطرف والصورة المشوهة عن الإسلام، فلا يجد طريقاً امامه الا خطاب الإنبطاح والإنحلال والخلاعة والميوعة والتسيب وتسويق الروح الإنهزامية والعدمية بين شباب الأمة، والذي ينشط، بذريعة مكافحة الخطاب المتطرف والمتخلف حيث تتوالى هذه المهمة مراكز تدعي العلمية والتبحر في الدين تساندها امبراطوريات اعلامية تتحرك بدولارات النفط. اما هدف الخطابين فواحد وهو تركيع الأمة امام اعدائها من المستكبرين والصهانية وتمرير مخططات هذا الثنائي غير المقدس والرامية الى شرذمة الأمة وتفكيكها ومن ثم الإنقضاض على خيراتها ونهب ثرواتها والإبقاء عليها خارج حركة التاريخ.

هذه الإطلالة السريعة على بعض مواقف الخطاب الخميني (قدس) من اهم قضايا الأمة والتي حاول هذا الخطاب أن يرسم أفقاً وضاءا امام المسلمين في كيفية التعامل معها، تسلط الضوء في ذات الوقت على الخطابات الشوهاء التي افسدت على المسلمين حياتهم وأذهبت ريحهم وجعلتهم لقمة سائغة لكل من هب ودب من الصهاينة الأفاقين والمستكبرين الطامعين، فمثل هذه الأوضاع تعتبر ناقوس خطر يشحذ همم علماء الأمة ونخبها، من الذين تجردوا من سحر الكتب الصفراء التي اخذت تهيمن على نفوس وعقول الكثيرين دون كتاب الله، ومن سحر دولارات النفط التي جردت العديد من انسانيتهم بعد أن باعوا انفسهم للشيطان، لدرء الخطر الداهم وإنقاذ الإسلام من عمليات التشويه التي تطاله وإنقاذ المسلمين المحاصرين بين سندان الجهل الأعمى ومطرقة الإستكبار والصهيونية.

ورحم الله الإمام الخميني (قدس) حين قال: (احرصوا من خلال البيان والقلم أن تضعوا السلاح جانباً. إن الساحة هي ساحة صراع بالأقلام والعلوم والفكر).

*الوفاق - ماجد حاتمي

كلمات دليلية :

آخر الأخبار

الأکثر مشاهدة