الثورات العربية.. قيادة جديدة للمجتمعات

الثورات العربية.. قيادة جديدة للمجتمعات
الأحد ٠٥ يونيو ٢٠١١ - ٠٥:٢٦ بتوقيت غرينتش

وهكذا فقد استطاعت الثورات العربية الجديدة، والتي قادها الشباب، تغيير معادلة تشكيل الحركات الاجتماعية، حيث همشت دورها بعدما تمكنت الأنظمة العربية من بسط الهيمنة ـ إلى حد ما ـ على مسارها، بحيث يتلاءم مع مصالحها واحتوائها في كثير من البلدان العربية، ليقلب الشباب المعادلة وينتزعون زمام المبادرة..

استطاعت الثورات العربية الجديدة إعادة إنتاج أنموذج متقدم للحركات الاجتماعية التي نشأت بداية القرن العشرين على أسس إيديولوجية (كالحركة الشيوعية والحركات الدينية كحركة الإخوان المسلمين وحزب التحرير ..الخ)، قادها مفكرون ومنظرون، استغرقوا مدة طويلة في عملية البناء "المؤدلج" لأفكارهم، ثم اعتمدوا على مجموعة أخرى قادرة على التأثير والتنظيم للجماعات والأفراد.

غير أن القدرة الكبيرة على التعبئة والحشد للثورات العربية الجديدة، ثم الانتقال السريع بالأفراد للتحرر من القيود التقليدية في العمل المجتمعي والاتفاق على أهداف مشتركة ومحددة، رغم الاختلاف في الدوافع والأفكار لكل منهم، مكنها من إسقاط الأنظمة القمعية، وهو ما يفرض على المحللين دراسة هذه الحالة الشعبية المتقدمة من العمل المجتمعي المؤثر داخل الدول.

يعرف عالم الاجتماع "ريمون بودون" الحركة الاجتماعية، بأنها "تلك الجهود المنظمة التي يبذلها مجموعة من المواطنين بهدف تغيير الأوضاع أو السياسات أو الهياكل القائمة واستبدالها بأخرى توائم القيم والمبادئ العليا التي تؤمن بها الحركة"، وهكذا فقد كانت الحركات حتى عقدين سابقين ذات جنس واحد بسبب انطلاقها من ايدولوجيا، فالحركة الشيوعية الثورية التي استندت على الفكر الثوري الماركسي جاءت في فترة متقاربة مع حركة غاندي السلمية البحتة، فالأول طريقته الوحيدة للوصول لأهدافه هو العنف الثوري، بينما الثاني على النقيض تماما، فغاندي أسلوبه التنكر للعنف بشكل مطلق .

أما الثورات العربية الشبابية الشعبية الجديدة، والتي بدأت ملامحها تتشكل في تونس، لتأخذ الحالة المثالية في مصر وعلى خطاها تسير اليمن، فقد صاغت حركة اجتماعية جديدة كليا، ربما ستغير النظريات المطروحة، وقد تدرس في الجامعات والأكاديميات فارضة إيقاعها وبريقها (بحيث أصبحت مجموع المواطنين وليس مجموعة من المواطنين حسب تعريف بودون).

وقد اتسعت لتشمل في طياتها كل المسارات وتحوي في جنباتها كل الأفكار والإيديولوجيات بل والتنظيمات في مرحلة ما من عملها، لتنهي زمنا طويلا من الخطاب الإيديولوجي، الذي طغى واكتسح الخطاب العام لفترة طويلة، مستخدمة وبشكل مثالي المساحات المفتوحة لتكنولوجيا الاتصال في عملية الحشد والتعبئة.

الخطوة الأولى كانت عملية التعبئة والحشد، حيث استخدمت أسرع وسيلة توصيل للأفكار بين المجموعات والأفراد، وهي (الفيس بوك) على الشبكة العنكبوتية، وبشكل كثيف ومرافقا للصورة الصادمة التي تجعل الأفراد يتحررون من القيود التقليدية التي تحول دون خروجهم أو إعلان موقفهم (كصورة البوعزيزي وهو يحرق نفسه وصور القمع والقتل بعد ذلك).

وفي هذه المرحلة، كان الهم الأول هو خروج الأفراد، فاتسمت الجموع بالتلقائية وعدم التنظيم وعدم معرفة أي شخص لدوره أو عمله وكانت الأهداف متضاربة كذلك.

وجاءت الخطوة التالية سريعا، بأن اندفع هؤلاء الأفراد يحددون أهدافهم أولا ويتفقون عليها ثم يضعون إمكاناتهم وأدواتهم في خدمة هذا الهدف وبشكل منسق، لتبدأ مرحلة تبلور تنظيم عام، ربما ليس( هيراركيا) بالمعنى المعروف في الفكر السياسي، محدد بضوابط تحفظه من التبديد غير المجدي، إلا أنه كان مبنيا على دوافع وطنية وتراكمات من ظلم الأنظمة التي لم يسلم منها أي مواطن، جعلت هذا التحرر مترافقا مع تصميم على التضحية في سبيل القضاء على هذا الظلم، وليبقى استخدام المساحات المتاحة والممكنة في المرحلة بنفس الأهمية التي احتاجها الأفراد في المرحلة الأولى .

وهكذا فقد استطاعت الثورات العربية الجديدة، والتي قادها الشباب، تغيير معادلة تشكيل الحركات الاجتماعية، حيث همشت دورها بعدما تمكنت الأنظمة العربية من بسط الهيمنة ـ إلى حد ما ـ على مسارها، بحيث يتلاءم مع مصالحها واحتوائها في كثير من البلدان العربية، ليقلب الشباب المعادلة وينتزعون زمام المبادرة.

*محمد فلاح الزعبي / مجلة العصر

كلمات دليلية :

آخر الأخبار

الأکثر مشاهدة