ماذا قال عبد الناصر للمشير طنطاوي؟!

ماذا قال عبد الناصر للمشير طنطاوي؟!
الأربعاء ٢٢ يونيو ٢٠١١ - ٠٢:٣٤ بتوقيت غرينتش

21/6/2011 بقلم: محمد عبد العزيز* mohammedaziz2010@gmail.com

هدوء يسبغ الأجواء، آذان الفجر انتهى منذ قليل، نسمة هواء لطيفة دخلت من النافذة الكبيرة خلف المكتب، وظهر أثرها على الأوراق، فاهتزت برفق، جلس المشير طنطاوي على مكتبه، يتفحص الأوراق الكثيرة أمامه، ويرشف فنجان القهوة من حين لآخر، دون أن يحول نظره عن ما بيده من ملفات، كان قد تعود الاستيقاظ فجرا منذ أن تخرج من الكلية الحربية عام 1956م، ملتزما بالتقاليد العسكرية المصرية، وفجأة .. سمع صوتا غريبا، لم يتبين مصدره، يصاحبه رائحة زكية جدا، تشبه خليطا من المسك والعنبر، دخان كثيف حجب الرؤية لثوان معدودة، ثم ظهر الضيف، في البداية لم يصدق المشير طنطاوي ما يرى، هب واقفا، اقترب ليشاهد بوضوح .. لا يمكن أن تخطأه عيناه .. أجل إنه هو .. الرئيس جمال عبد الناصر!

بدا الرئيس جمال عبد الناصر شديد الشباب، في حلته العسكرية، تعلو وجهه علامات الصحة والحيوية والنضارة، والمهابة أيضا، ونظرة عينيه الثاقبة المعهودة .. بدا شعره غاية في السواد، واختفى أي أثر للشعر الأبيض، .. نظر إلى المشير طنطاوي وقال :

- صباح الخير يا سيادة المشير.

- صباح الخير سيادة الرئيس .. إني سعيد لرؤيتك .. أرجوك نادني باسمي فقط، لقد  تخرجت من الكلية الحربية تحت قيادتكم .. وحاربت أيضا كذلك. 

- لا يا سيادة المشير .. للعسكرية المصرية تقاليد كما تعلم، وحكم بلد كمصر شرف ومكانة ..

ثم ابتسم الرئيس جمال عبد الناصر وواصل حديثه: المهم لم آت لأحدثك في هذا الأمر، الوقت ضيق، ولدي رسالة محددة إليك ...

- من أين أتيت سيادة الرئيس .. وما هي الرسالة؟! 

- جئت من مكان جميل، فيه أناس طيبون، لا يأذي أحد الأخر، متحابون دائما، ولا مكان بيننا لفاسد أو خائن، المهم الآن ما أردت إيصاله إليك وليس المكان.

ثم استأنف الرئيس جمال عبد الناصر حديثه، موجها نظرة عينيه إلى المشير طنطاوي، وقد بدا على الأخير علامات الاهتمام.

- بصراحة يا سيادة المشير، لست راضيا عن أداء المجلس الأعلى للقوات المسلحة، لقد سعدت حين انحزتم إلى الشعب ورفضتم إطلاق النار على صدور الثوار، كما هي عقيدتنا العسكرية الشريفة، فالجيش المصري عبر تاريخه، كان إما مشعلا لثورات، أو حاميا لثورات، وسعدت أيضا بمواجهتكم السريعة لجماعة جمال مبارك، الذين أرادوا الانقلاب على مبادئ الجمهورية التي أسسناها في ثورة 1952م، لكنكم تتباطؤون فيما يخص مبارك نفسه ورجاله ...

- سيادة الرئيس .. الأمر بيد القضاء

- أرجوك سيادة المشير لا تقاطعني .. واعذر حدتي .. أنت تعلم خطورة الموقف

- العفو .. سيادة الرئيس .. تفضل

- ما هذا التراخي الذي تتعاملون به مع مبارك؟!، وما الذي يبقيه في شرم الشيخ؟! .. إذا كان مريضا فليعالج في مستشفى السجن كأي مسجون آخر، انت تعلم أن مبارك خان شرفه العسكري، عقيدتنا العسكرية التي تعتبر إسرائيل العدو الاستراتيجي، كان مبارك كنزها الاستراتيجي، ...

- إنه محبوس يا سيادة الرئيس ...

- سيادة المشير، لا يجب أن يعامل مبارك كأنه فوق القانون، فليعامل مثل أي مسجون آخر، ثم لماذا أعدتم تصدير الغاز لإسرائيل، أليست إسرائيل تلك يا سيادة المشير أشد أعداءنا، والتي حاربتها بنفسك مع جيشنا العظيم في 1956م و 1967م و حرب الاستنزاف ثم حرب أكتوبر المجيدة في 1973م، ...

- موضوع الغاز معقد جدا، وسنعمل على حل هذه المشكلة قريبا ...

- الشعب المصري يثق في الجيش ثقة كبيرة، أرجوكم لا تسببوا لهذا الشعب العظيم إحباطا من تباطئكم، حققوا العدالة الاجتماعية فورا، انحازوا لأغلبية الشعب، انحازوا للفقراء، للعمال والفلاحين، افرضوا ضرائب تصاعدية، وحدا أقصى للأجور، واستعيدوا ثرواتنا المنهوبة.

- الحمل ثقيل سيادة الرئيس .. والموقف داخليا وخارجيا غاية في الصعوبة.

- أعلم هذا يا سيادة المشير، وأعلم أيضا قدرات هذا الشعب، ويده في يد جيشه الوطني، انحازوا للثوار بشكل كامل، اقتربوا منهم بكل وجدانكم، طهروا البلد من بقايا الفساد، حلوا المحليات، وأقيلوا كل القيادات الفاسدة في كل مكان، طهروا وزارة الداخلية من القتلة، وامنعوا مشاركة قيادات الحزب المنحل في الانتخابات، واعزلوهم إعلاميا، صارحوا الشعب بكل شئ، فالشعب وحده هو المعلم، وهو القائد، وهو الخالد أبد الآبدين، لا تخافوا من أي قوة مهما كانت، فالخائفون لا يصنعون الحرية، والمترددون لن تقوى أيديهم المرتعشة على البناء.

ثم ابتسم الرئيس عبدالناصر، وقال : الآن علي أن أذهب، لا وقت أكثر من ذلك ..

- ابق معنا .. ابق معنا سيادة الرئيس .. مصر تحتاجك في هذا الظرف الصعب.

- لا يا سيادة المشير، مصر أكبر من جمال عبد الناصر، أكبر من أي شخص مهما كان .. السلام عليكم.


ثم ظهر الدخان الأبيض ليحجب الرؤية من جديد، وحين عادت الرؤية بوضوح، كان الرئيس عبد الناصر قد اختفى، مشى المشير طنطاوي بهدوء، حتى جلس خلف مكتبه، ونظر نظرة إلى الأوراق التي أمامه، ثم أسند ظهره للخلف، وأخذ يحلق بنظره في الفضاء! 
----------------------------------------------------------------------------
* مدون، المنسق المساعد ومنسق لجنة الشباب لحركة كفاية 

كلمات دليلية :

آخر الأخبار

الأکثر مشاهدة