فحكومات الغرب التي رعت الأنظمة العربية التي انقلبت شعوبها عليها والتي ما تزال ترعى الأنظمة العربية الحالية بدرجة أو بأخرى ما كان لها أن تُبديَ دعمها الكلامي والفعلي كما حدث في ليبيا مثلاً إلا بعد أن ثارت الشعوب العربية في إطار من العقل والإحساس الجمعي بالظلم والقمع وانعدام العدالة والحرية والحد الأدنى أحيانا من حقوقهم الإنسانية.
فالغرب لعقود وعقود كان على علم بكل ذلك وأكثر من ممارسات الحكومات العربية الشمولية التي دعمها ويدعمها بَيْدَ أنه تجاهلها لضمان تدفق مصالحه وحماية تلك الأنظمة لأمن إسرائيل بشكل أو بآخر وهي نظرة مكيافيلية واضحة ولم يكترث الغرب بسبب أن أصحاب الشأن المباشرين لم يصلوا إلى درجة الإنفجار جماعيا وعندما بلغوا تلك المرحلة تغير الإتجاه الغربي ولكنْ باستمراء واضح.
ولا شك في أن مجموعات الضغط الشعبية والمجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان في المجتمعات الغربية كان لها وما يزال الدور الرئيس في إجبار حكوماتهم على الوقوف مع الشعوب العربية الثائرة لأسباب صحيحة لكي لا تبدوَ الحكومات الغربية تناقض نفسها من حيث إيمانها بالديمقراطية و الحرية وحماية حقوق الإنسان. ولعل أحد أهم مصادر إرتياب الشارع العربي والإسلامي بشكل عام من الدور الغربي الرسمي خاصة المساند للإنتفاضات العربية الشعبية هو الإنحياز الغربي المطلق (لإسرائيل) في كل ممارساتها ضد الشعب الفلسطيني. (فإسرائيل) منذ أكثر من ستين عاما تحتل أرض فلسطين وتقتل وتنكل بالفلسطينيين وتدمر بيوتهم فوق رؤوسهم وتصادر أراضيهم وأملاكهم وتحرمهم من الماء والهواء والدواء.
وعلى الرغم من ذلك لم نسمع من الغرب ولا نسمع حاليا ولن نسمع في المستقبل كما يظهر لنا كلمة تنديد واحدة ضد (إسرائيل) ولم نسمع وهذه مفارقة غريبة نوعاً ما كما تبدو للكثيرين عن أن الجامعة العربية قد رفعت أي شيء إلى مجلس الأمن الدولي بشأن الفلسطينيين كما فعلت بخصوص أخذ الملف السوري إلى مجلس الأمن الدولي مثلاً وهو توافق معلن بين دول الغرب والجامعة وأمر يثير بدوره الكثير من الإرتياب والشك.
ويتساءل الكثير من العرب والمسلمين وغيرهم عن أن هل قتل السوريين وغيرهم من العرب مختلف عن قتل الفلسطينيين؟ مع أن الفلسطينيين (إسرائيل) تحتل أرضهم وتستأصلهم لإحلال يهود صهاينة يرفضون حتى أن يعيش الفلسطينيون وهم أصحاب الأرض الشرعيون إلى جوارهم ويعتاشون من زيتونهم الذي ما يفتأ المستوطنون يقلعون أشجاره؟ أليس من باب أولى أن يتم دعم الفلسطينيين المحتلة أرضهم والمنكَل بهم لا سيما أن القانون الدولي أفتى بعدم جواز الإحتلال، وأن تتحد الجهود العربية الإسلامية والغربية في إنصاف الفلسطينيين في الحد الأدنى لتنتهي إشكالية الغرب في دعم الثورات الشعبية العربية؟
يكاد المرء يُصاب بالصداع كلما تذكر كل تلك المتناقضات. وصحيح أن المجتمع المدني الغربي يهب بين الفينة والأخرى مطالبا بموقف غربي عادل إزاء الفلسطينيين غير أن الحكومات الغربية تصم آذانها عن ذلك في حالة الفلسطينيين بينما تتجاوب إلى حد كبير مع رأيها العام وشعوبها فيما يتعلق بالثورات الشعبية العربية.
هنا إذن تكمن الإشكالية: العرب والمسلمون لا يثقون في الغرب مهما قال وفعل لصالح الشعوب العربية قد طالما أن الغرب يعطي (إسرائيل) الضوء الأخضر الدائم تحت دعوى 'الدفاع عن النفس' وهي دعوى باطلة أبطلتها حتى كثير من الشعوب الغربية ومفكري الغرب ومنهم يهود معادون للصهيونية لإطلاق يد (إسرائيل) للإمعان أكثر وأكثر في قتل الفلسطينيين كما يحدث حاليا وتقريبا بصورة يومية في قطاع غزة وكما يجري في داخل فلسطين - الخط الأخضر من تمييز عنصري ضد فلسطينيي الداخل وما هو جارٍ على الحواجز الأمنية التي تُقطِّع أوصال الأرض الفلسطينية وتؤخر التلميذ عن مدرسته والعامل عن معمله والفلاح عن حقله.
وإذا أراد الغرب فعلا أن يكسب عقولنا وقلوبنا كما يعلن في خطاباته السياسية فعليه الإقلاع عن سياسة 'الكيل بمكيالين والمعايير المزدوجة' وسن قانونين واحد إنتقائي خاص بالعرب وآخر منزَّه عن كل نقص ونقيصة خاص (بإسرائيل). وإلى أن يتم ذلك فإننا سنظل نرتاب في تأييد الغرب للثورات الشعبية العربية.
علي الهيل/كاتب قطري