"لا ندين لأحد" .. مصر تبارز أكبر مانحيها

الثلاثاء ٠١ نوفمبر ٢٠١٦ - ٠٤:١٣ بتوقيت غرينتش

خلال عامين من الاضطرابات منذ وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى قمة السلطة في مصر، كان حليف وحيد هو من أبقى أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان بعيدة عن الدمار الاقتصادي: ضخت السعودية أكثر من 25 مليار دولار في الاقتصاد المصري المترنح، لتقزّم مساعدات الولايات المتحدة.

ربما اعتقد السعوديون أنهم يشترون الولاء. لكن تصويت مصر خلال الشهر الماضي لصالح قرار روسي في سوريا هدد بتفكيك علاقة السيسي بأهم مانح لمصر.

وبعد التصويت بوقت قصير، غادر السفير السعودي بالقاهرة في زيارة  لثلاثة أيام إلى الرياض. وأرجأت شركة أرامكو للنفط الحكومية إرسال 700 ألف طن من المواد البترولية كان من المفترض تسليمها في أكتوبر، وقال المتحدث باسم وزارة البترول المصرية إن مصير شحنات شهر نوفمبر يبقى غير معلوم.

وفي الأسبوع الماضي، سخر رئيس منظمة التعاون الإسلامي، سعودي الجنسية وقدم استقالته، من السيسي بشكل علني مما كشف الشرخ الموجود بطريقة أخرى.

أما مقدم البرامج المصري أحمد موسى، الداعم الكبير للسيسي، فكان من بين كثير المذيعين المصريين الذين جاءت ردة فعلهم غاضبة.

وقال موسى عن السعوديين: “يريدون تركيع مصر،” ثم أدلى  بمخاوفه الشخصية. وأضاف “لا تتخيلوا أنه من الممكن الضغط على مصر من أجل التراجع. قراراتنا سيادية. لسنا مديونين لأحد. بل نحن من يدين لنا الآخرين.”

الاهتراء في التحالف بين أكبر دولتين سنيتين تمتلكان نفوذا، يتصاعد وسط التوترات المتزايدة في المنطقة. والخسارة المحتملة للدعم السعودي قد تأتي في أسوأ لحظة تمر بها مصر، التي يعاني اقتصادها وسط انخفاض قيمة عملتها المحلية، وتراجع الصادرات وانهيار السياحة.

وصل معدل التضخم إلى 14.6%، أي حوالي ضعف ما كان عليه العام الماضي، وتنتظر الحكومة الموافقة على قرض قيمته 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، والذي من المحتمل أن يكون مشروطًا بتخفيض دعم الطاقة مما قد يسبب عدم استقرار سياسي.

في الوقت ذاته تصارع السعودية مع التراجع العالمي في أسعار النفط، والكثير من الممارسات السياسية التي استمرت طويلًا جاء محمد بن سلمان لينهيها، ولي ولي العهد ووزير الدفاع ورئيس مجلس جديد وقوي يشرف على شركة النفط الحكومية بالبلاد.

وتحت قيادة الأمير محمد، تمر السعودية بفترة تقوى فيها النزعة القومية وتحاول التأكيد على وزنها كقوة سنية إقليمية، وخصوصًا في محاولتها لمواجهة إيران الشيعية.

خلق ذلك نوع من جرح الكبرياء بين المصريين، الذين طالما آمنوا أن دولتهم هي قائدة العالم العربي. ظهروا وكأنهم لا يشعرون بالراحة لاعتمادهم اقتصاديًا على السعودية وفي بعض الأحيان نبذوا السعوديين باعتبارهم حديثوا الغنى بسبب النفط.

مع ذلك، الاعتماد بارز: قارت بين 25 مليار دولار خلال سنتين من المملكة مع 1.3 مليار دولار كمساعدة عسكرية منم واشنطن والتي تحصل عليها القاهرة منذ سنوات، كجزء من معاهدة "السلام" منذ توقيعها مع "إسرائيل" عام 1979.

معظم العداءات الأخيرة تركزت على الصراع الدامي في سوريا الذي دخل في عامه السادس. طالما ضغطت السعودية للإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد، المدعوم من إيران، بينما كان السيسي داعمًا بشكل غير رسمي للأسد.

قدم مشروع القرار الروسي ومنافسه الفرنسي صياغة مختلفة تهدف إلى إيقاف الأعمال العدائية في سوريا، وفشل كليهما في الوصول إلى العدد المطلوب من الأصوات. وتسبب دعم مصر للاقتراح الروسي في رد فعل غاضب من السعوديين.

ثم جاء التصريح الذي يشير إلى سخط المملكة، على لسان إياد مدني، السعودي الذي كان حتى الإثنين أمين عام منظمة التعاون الإسلامي، التي تعمل على تعزيز الوحدة بين 57 دولة إسلامية.

بعدما أخطا في اسم الرئيس التونسي، باجي قائد السبسي، وقال “باجي قايد السيسي،” سخر من الرئيس المصري بطريقة فهمها على الفور كل السياسيين المتواجدين.

وتحدث مدني للرئيس السبسي قائلًا “أعلم سيدي أن ثلاجتكم بها أكثر من المياه.”

كانت إشارة ساخرة إلى تعليق السيسي الذي قاله خلال مؤتمر الشباب وانتشر بشدة. وطالب خلاله الشباب المصريين بالصبر على البلاد التي تواجه صعوبات اقتصادية، قائلًا إنه عاش لعشر سنوات كاملة ولم يكن في ثلاجته سوى المياه فقط، ولم يشتكِ.

تسبب حديث السيسي في كمية كبيرة من السخرية على وسائل التواصل الاجتماعي المصرية، لأن السيسي عمل لسنوات في الجيش المعروف بمرتباته السخية، وتقلد المناصب المختلفة حتى وصل إلى رئيس المخابرات ثم رئيسًا للنظام بأكمله.

لذا عندما أعاد مدني استخدام السخرية، ردت الخارجية المصرية واصفة تصريحه بأنه “مؤسف” و”تجاوز خطير” وهددت بإعادة التفكير في شكل علاقتها بالمنظمة التي كان يرأسها مدني.

استقال مدني الإثنين “لأسباب صحية” وفقًا لبيان المنظمة الذي صدر بعدما أصدر أمينها العام السابق بنفسه اعتذارًا، وقال إن ما تفوه به كان مجرد مزحة.

ويقول المحللون إن الصدع بين الدولتين واسع وحقيقي. ويسأل إسكندر العمراني، رئيس مشروع شمال إفريقيا لمجموعة الأزمة الدولية: “إلى متى سيستمر كل هذا؟” وأضاف: “العلاقة تعتمد على نوع من إعادة التفاوض الدائم  العدواني لكن بطريقة سلبية وغير المتكافئ. ما تقوله مصر في الوقاع هو: أنا عميل غير جدير بالثقة لا يحترمك وأتعامل معك كأنك شيئ مضمون وساكون ضدك في كل منعطف ممكن، لكنني أعلم أنك ستعود مرة أخرى لأنك تخشى أكثر أن أكون في حالة ضعف وتحولي إلى مصدر أزمات، من احتمال أن أكون قويًا. إذًا ما الحركة القادمة المنتظرة؟”

لكن مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، قال إنه لم يتوقع أن تؤدي المناوشات الأخيرة إلى تبعات كبيرة.

وأضاف أن السعودية لن تتوقف عن تمويل حكومة السيسي لأنها تحتاج إلى منع مصر من الإنزلاق إلى الفوضى الموجودة على حدود المملكة. وأشار إلى أن السعوديون أودعوا 2 مليار دولار في البنك المركزي المصري بعد أيام قليلة من تعليق شحنات النفط الشهر الماضي.

وتابع: “سيستمرون في التعاون لأنهم مضطرون لذلك. كل ذلك من غير المحتمل أن يتسبب في قطيعة. فقط يضيف توترًا إلى العلاقة.”

* نيويورك تايمز – نور يوسف – ضياء حداد

ترجمة محمد الصباغ – موقع زحمة دوت كوم

114-4

آخر الأخبار

الأکثر مشاهدة