/news/3806746/الوضع-الراهن-في-تونس---أزمة-السياسة-وتداعياتها-الاقتصادية|/news/3806746

الوضع الراهن في تونس.. أزمة السياسة وتداعياتها الاقتصادية

الوضع الراهن في تونس.. أزمة السياسة وتداعياتها الاقتصادية
السبت ٢٩ سبتمبر ٢٠١٨ - ٠٥:٥٣ بتوقيت غرينتش

تستمر الأزمات السياسية والإقتصادية في تونس، بعد نحو 4 سنوات من الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي شهدتها البلاد.

العالم - تونس

ولا يزال الاقتصاد التونسي يدفع ثمن تواتر الحكومات وعدم الاستقرار السياسي الذي لم يتسنّ لأي منها ضبط وإتمام برنامج اقتصادي يحقق الحد الأدنى من المطالب الشعبية للتونسيين الذين أطاحوا بحكم الرئيس زين العابدين بن علي في العام 2011.

بعد نحو 8 سنوات من الثورة الشعبية العارمة التي أطاحت بحكم بن علي في العام 2011، لا تزال تعاني تونس من البطالة والتضخم وترزح تحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة أدت إلى ارتفاع أسعار السلع وتراجع قيمة العملة المحلية، ما فاقم الأزمات المعيشية للمواطنين. ولم ينجح 5 رؤساء حكومات من مختلف الانتماءات السياسية والمشارب الأيديولوجية في إخراج البلاد من أزماتها غير المسبوقة، بقدر ما زادوا من مشاكلها على جميع الأصعدة.

خلال العامين الأخيرين الذين شهدا وصول القيادي بنداء تونس يوسف الشاهد إلى رأس الحكومة، ظنّ كثيرون ممن صفّقوا كثيرا ووقفوا تبجيلا له أثناء إلقاء خطابه تنصيب حكومته أمام البرلمان أواخر العام 2016، أن البلاد ستخرج من أزماتها وستنقلب المحن إلى منح بعد الترحيب الدولي بنجاح الانتقال الديمقراطي في البلاد ووعود المانحين والمقرضين والمستثمرين الدوليين بمساعدة تونس، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث، بل زادت الأوضاع سوءا.

وأعلن المعهد التونسي للإحصاء (معهد حكومي) مؤخراً عن ارتفاع التضخم السنوي في البلاد إلى حدود 7.1 في المائة خلال شهر فبراير (شباط) الماضي، لأول مرة في تونس منذ عقدين من الزمن. فيما توقع البنك المركزي التونسي أن يكون معدل التضخم خلال السنة الحالية في حدود 7.2 في المائة، على أن تتراجع هذه النسبة خلال السنة المقبلة إلى ما بين 5 و6 في المائة.

تأثیر الأزمة السياسية على الاقتصاد

وأثرت الأزمة السياسية في تونس على الأوضاع الإقتصادية حيث بات التغيير المتعاقب للحكومات واحدا من أبرز المخاطر التي تهدد الاقتصاد التونسي، الذي يسلك طريقا وعرة نحو التعافي تحت الأضواء الكاشفة للمؤسسات المالية العالمية التي تربط مواصلة دعم تونس وتمويلها بالاستقرار السياسي للبلاد.

وتحولت الأزمة الاقتصادية التي يرزح تحتها التونسيون إلى سلاح مشترك في المعركة التي اندلعت أخيراً بين رئيس الدولة الباجي قائد السبسي ورئيس الحكومة يوسف الشاهد.

وتفاقمت الأزمة السياسية بعد أن أعلن الرئيس الباجي قائد السبسي انهاء التوافق مع حركة النهضة الإسلامية بسبب دعمها لرئيس الحكومة يوسف الشاهد. السبسي دعا الشاهد مجددا للمثول أمام البرلمان لتصويت جديد على الثقة، ووضع حد للأزمة السياسية في البلاد.

قال الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي يوم الاثنين الماضی (24 أيلول/ سبتمبر 2018) إن علاقة التوافق التي تجمعه بحركة النهضة الإسلامية انتهت بعد أن فضلت الأخيرة تكوين ائتلاف مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد. وأضاف "التوافق حقق لتونس استقرارا نسبيا والآن دخلنا في مغامرة جديدة".

وقال السبسی بخصوص الخلاف السياسي بين نجله حافظ قائد السبسي ويوسف الشاهد رئيس الحكومة إن تونس لن تتضرر برحيلهما الاثنين. وقال إنه يتعين تغيير الدستور والنظام الانتخابي. وأضاف أنه يريد تحسين الدستور ولكن الأمر ليس بيده.

وإعلان السبسي ينهي فترة توافق بينه وبين وزعيم حزب النهضة راشد الغنوشي قبل خمس سنوات وجنبت تونس السقوط في أتون العنف إذ اتفقا على حكومة تكنوقراط وصياغة دستور حداثي. ويأتي إعلانه هذا بعد أن رفضت النهضة مطلب حزب نداء تونس الحاكم إقالة رئيس الحكومة يوسف الشاهد. النهضة بررت موقفها بالمحافظة على الاستقرار السياسي.

كما جدد السبسي دعوته لرئيس الحكومة یوسف الشاهد للمثول أمام البرلمان لتصويت جديد على الثقة، ووضع حد للأزمة السياسية في البلاد. وقال السبسي إن رئيس الحكومة يوسف الشاهد مطالب بتصحيح موقفه والذهاب إلى البرلمان لكسب "الشرعية".

وتعصف الأزمة السياسية بتونس في ظل انشقاقات يشهدها الحزب الحاكم حركة نداء تونس، الذي أسسه السبسي عام 2012، وصراع علني بين الشاهد ونجل الرئيس حافظ قايد السبسي الذي يتولى منصب المدير التنفيذي للنداء.

هذا وتدعم حركة النهضة بقاء الشاهد في منصبه حتى انتخابات 2019، على خلاف حزب نداء تونس الذي جمد عضوية الشاهد في الحزب، بجانب الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي دعا إلى رحيل الحكومة الحالية.

أعلن حزب "نداء تونس" في بيان له تجميد عضوية رئيس الوزراء يوسف الشاهد، في ما يعتبر تصعيداً جديداً للخلاف بين الشاهد ونجل الرئيس التونسي، حافظ قائد السبسي.

وقال الحزب في بيانه الذي نشره الجمعة (14 أيلول/سبتمبر): "بخصوص السيد يوسف الشاهد، وبعد الاطلاع على ردّه على الاستجواب الموجّه إليه، قررت الهيئة السياسية تجميد عضويته وإحالة ملفّه على لجنة النظام".

وكان الحزب قد استدعى الشاهد لاستجوابه. لكن رئيس الوزراء ردّ على سؤال بشأن هذه الدعوة أنه منشغل بقضايا أخرى ذات أولوية.

وقال الشاهد يوم الجمعة: "رغم الضجيج السياسي في البلاد الذي يشوش على عمل الحكومة ورغم ضعف الدعم السياسي للحكومة، فإن الحكومة ماضية قدماً في الإصلاحات الاقتصادية خلال العام المقبل ومن بينها إصلاح الصناديق الاجتماعية".

ويساند الاتحاد العام التونسي للشغل مطلب إقالة حكومة الشاهد، بينما ترفضه حركة النهضة الإسلامية التي تعتبر أن مثل هذا الخيار سيقوض مسار الإصلاحات الاقتصادية التي يتعين الإسراع في تنفيذها.

وسجل الشاهد، رئيس الوزراء السابع منذ ثورة 2011 التي أنهت سنوات من الحكم الديكتاتوري، رقماً قياسياً في مدة بقائه في الحكم منذ تعيينه في آب/اغسطس 2016. وهو يلقى تقدير الجهات المانحة الدولية ودعم حزب النهضة الاسلامي الذي أصبح أكبر حزب سياسي في البرلمان.

لكن المدير التنفيذي في الحزب حافظ قائد السبسي، والذي هو بنفس الوقت نجل رئيس الجمهورية، يطالب الشاهد بالاستقالة وفتح الطريق أمام تشكيل حكومة جديدة بدعوى ضعف مؤشرات الاقتصاد خلال عامين من الحكم.

واعتبر رئيس الحكومة في حوار أدلى به، لوكالة الأنباء التونسية "وات" مؤخراً أن الحديث عن تغيير الحكومة فيه مخاطر على الاقتصاد التونسي وعلى الوضع العام ككل.

وجاءت تصريحات الشاهد في طيات رده على الرئيس التونسي الذي دعا في وقت سابق رئيس الوزراء للاستقالة من منصبه إذا استمرت الأزمة السياسية والاقتصادية التي تعصف بالبلاد.

وقال الشاهد إن تغيير الحكومة سيكون له مخاطر على اقتصاد البلاد المنهك ويهز ثقة شركاء تونس ومقرضيها، رافضا دعوة من رئيس البلاد للتنحي وسط أزمة اقتصادية خانقة.

لكنه شدد على أنه منفتح على الخروج من الأزمة، بما في ذلك الذهاب إلى البرلمان لنيل الثقة. وأضاف أن تغيير الحكومة سيهز ثقة شركاء تونس الدوليين.

وقال الشاهد إن حكومته لها أولويات من بينها مفاوضات اجتماعية مع النقابات ومفاوضات مع صندوق النقد الدولي، بالإضافة إلى الذهاب إلى السوق الدولية وإعداد قانون المالية للعام 2019. ومضى قائلا إن الحكومة تخطط لخفض العجز في ميزانيتها العام القادم إلى 3.9 % من 4.9 % هذا العام، مع توقعات بتحسن نسبي في المالية العامة بفضل زيادة في إيرادات السياحة.

الغموض يحيط بمصير حكومة الشاهد

وتزيد حالة الغموض حول مصير رئيس الحكومة قلق الأوساط الاقتصادية التي تبحث عن الحد الأدنى من الضمانات لبذل الجهد من أجل ضخ استثمارات جديدة، فيما يواصل كل من الاتحاد العام التونسي للشغل وحركة نداء تونس الدفع نحو تغيير الحكومة رغم إصرار حركة النهضة وأطراف أخرى على ضرورة الإبقاء على الشاهد مع القيام بتعديل وزاري محدود.

وأکد الخبير الاقتصادي أشرف العيادي، أن بلوغ المؤشرات التي تتحدث عنها الحكومة يحتاج إلى استقرار تام وتماهٍ بين سياسة الدولة الاقتصادية والنقدية فضلا عن الإيفاء بالتعهدات الخارجية.

وفي السياق ذاته، قال الخبير الاقتصادي إن المؤسسات المالية الدولية والجهات المانحة، من ذلك الاتحاد الأوروبي، لا تزال تحول بمواصلة صرفها شرائح القروض دون انزلاق المالية العمومية في منعرج خطير، مؤكدا ضرورة الإسراع في إصلاحات توفر لموازنة الدولة عائدات تقلص من نسبة العجز وتساعد على استعادة الدينار عافيته.

ويؤكد الخبير الاقتصادي حاجة تونس إلى إنهاء حالة التشنج السياسي والتجاذبات الحزبية التي تتسبب في تعطيل دواليب الدولة، معتبرا أن الاقتصاد المحلي دفع باهظا كلفة عدم النضج السياسي وتغليب المصلحة الذاتية لبعض الأطراف على المصلحة العامة.

ومنذ سنة 2011، لم تعتمد الحكومات المتعاقبة على سياسة اقتصادية ذات معالم واضحة، إذ اقتصر العمل الحكومي على سياسات وبرامج اجتماعية لم يكن لها تأثيرات إيجابية في النمو الاقتصادي بقدر ما مثَّلت عبئًا إضافيًّا على ميزانية الدولة، بحسب خبراء الاقتصاد.

تشير معظم الأرقام والمؤشرات الاقتصادية والسياسية إلى أن السنوات العجاف مازالت ستطول في تونس، فانهيار العملة المحلية أمام الیورو والدولار والعجز الكبير في الميزان التجاري وتراجع احتياطي البلاد من العملة الصعبة وتغلغل الفساد في كل أجهزة الدولة، قد لا تأتي بنتائج يحبّذها السياسيون المتلاعبون بأمن بلادهم، كما أنها لن تعجب "أصدقاء" تونس الداعمين للانتقال الديمقراطي في هذا البلد الذي يخطو خطوات عرجاء نحو تطبيق فعلي للديمقراطية على الأرض.

من المؤكد أن العام المقبل لن يكون مختلفا كثيرا عن الأعوام السابقة المليئة بالمصاعب والأزمات، بل سيكون حارقا وملتهبا فيما يتعلّق بالساحة السياسية والتحركات الاجتماعية والتهديدات النقابية التي بدأت بإعلان الإضراب العام في البلاد أواخر شهر أكتوبر المقبل، إضافة إلى العواصف المدمّرة التي قصمت العمود الفقري لحزب نداء تونس والتي أعادت تشكيل الخاطرة السياسية برمّتها في البلاد قبل عام من تنظيم الانتخابات التشريعية والرئاسية نهاية 2019.

وسط كلّ هذه الألغام القابلة للانفجار، تسير البلاد في نفق مظلم ومخيف، يعجز فيه المصطفّ وراء الأحزاب والشخصيات دون الوطن عن تحديد الطريق الآمن للخروج منه سالما، فهل سيشهد العام المقبل تحسّن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في تونس أم أنّ حسابات الانتخابات قد تزيد من تعكيرها؟

خريطة للاقتصاد حتى 2020

وفيما يبدو أن تونس في أكبر اختبار وأصعب ظرف على منعرج سنة 2019. كشفت الحكومة التونسية فی أواخر مارس الماضی عن برنامج اقتصادي واجتماعي جديد حددت من خلاله مجموعة من الإجراءات والآليات التي ستمثل خلال المرحلة المقبلة «خارطة طريق» لعملها حتى 2020.

ويهدف البرنامج إلى الحفاظ على مستوى مستدام من عجز الموازنة والدين الخارجي، والتحكم في معدلات التضخم الجامحة، والإصلاح الهيكلي للمالية العمومية واستقرار الدين العمومي.

وتتطلع الحكومة للحد من عجز الموازنة خلال العام الحالي عند 4.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 6 في المائة مقدَّرة للعام الماضي.

وعد يوسف الشاهد رئيس الحكومة أمام أعضاء البرلمان التونسي، بالخروج من الأزمة الاقتصادية الحالية وتحقيق الانتعاش الاقتصادي، مطالباً مختلف الأطراف السياسية والنقابية بدعم خطط الحكومة الهادفة إلى استعادة عدد من التوازنات المالية العمومية.



وكان الشاهد صرَّح قبل أيام بأنه عازم على المضي في تنفيذ إصلاحات اقتصادية تشمل المؤسسات العمومية، «مهما كان الثمن السياسي»، مشيراً إلى أن «خسائر المؤسسات العمومية وصلت عام 2016 إلى حدود 6.5 مليار دينار (نحو 2.7 مليار دولار) والتفويت (بيعها) فيها يمكن أن يعطي للمالية العمومية إمكانيات كبيرة دون الالتجاء للقروض من الخارج».

ولاقت هذه التصريحات نقداً لاذعاً من اتحاد الشغل (النقابة العمالية) للبلاد، حيث صرَّح الاتحاد بأنه يتعهد بالتصدي لخطط حكومية لبيع شركات عامة واصفا هذه المنشآت بـ«الخط الأحمر» الذي لن يقبل بتجاوزه.

وفي مايو/ أيار الماضي، ناقش فريق من خبراء صندوق النقد الدولي خطط السلطات بشأن السياسات في ظل المراجعة الثالثة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي التونسي الذي يدعمه الصندوق باتفاق مدته 4 سنوات.

وأعربت السلطات التونسية حينها عن التزامها التام بالعمل بسرعة على تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية الملحة، تمهيدا للنظر في المراجعة الرابعة المقررة في شهر أغسطس/ آب القادم والحصول على قسط آخر من القرض المتفق عليه.

ومنذ بداية الحديث عن إمكان إطاحة حكومة الشاهد، تعرف وتيرة العمل في مؤسسات الدولة فتورا كبيرا في انتظار الحسم النهائي في مصير الشاهد وحكومته.

قرض من صندوق النقد الدولي لتونس 

وفي سياق متصل قال مصدر رسمي، إن صندوق النقد الدولي وافق، يوم الجمعة الماضي، على صرف 245 مليون دولار من قرض لتونس، هي الشريحة الخامسة بموجب برنامج إقراض وقعه مع البلد العربي الواقع في شمال أفريقيا.

وبرنامج القرض مرتبط بأن تواصل تونس إصلاحات اقتصادية تهدف إلى الإبقاء على عجز الميزانية تحت السيطرة. وستمهد موافقة صندوق النقد الطريق أمام تونس لبيع سندات بقيمة مليار دولار الشهر القادم.

ووفقا لـ"رويترز"، فإن بيع السندات سيكون أوائل الشهر القادم بعد موافقة صندوق النقد.

وقال مسؤولون إن تونس تتوقع أن يتسارع النمو الاقتصادي إلى ما بين 3.0 إلى 3.5 بالمئة العام القادم من 2.9 بالمئة متوقعة في 2018، مدفوعا بتعافي صناعة السياحة وتوسع القطاع الزراعي.

وتهدف الحكومة التونسیة إلى خفض العجز في ميزانيتها إلى 3.9 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي العام القادم من 4.9 بالمئة في العجز الذي تتوقعه للعام 2018.

وفي ظل الخطط الحكومية لانعاش الاقتصاد تبقى هذه الاسئلة مطروحة لدى الشارع التونسي.. هل سيتعافى الاقتصاد التونسي خلال الاعوام القليلة القادمة بفعل الاصلاحات الاقتصادية؟ وهل يستطيع ان يتجاوز العثرات التي رافقت معظم المؤشرات الاقتصادية بعد عام 2011؟ واخيرا هل ستصبح الحكومة قادرة على تجاوز التحديات السياسية ومواجهة المعوقات التي تعترض الازدهار والنمو الاقتصادي؟

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

تبقى لديك : (1000) حرف

آخر الأخبار

الأکثر مشاهدة