أما الوكالة الرسمية السورية، فقد نفت تلك التقارير وأكدت أن الجثث تعود لضحايا قد خطفهم مسلحون يطلقون على أنفسهم الجيش الحر خلال الايام الماضية، وسط صمت وسائل الاعلام التي دخلت سوريا لتغطية أحداثها.
بين هذه الرواية وتلك، أي الروايتين أصح؟ هل علينا قبول ما نقلته وسائل الاعلام العالمية وقبلها المعارضة أو تأييد ما أفادته وكالة الانباء الرسمية السورية؟
وفقا للصورة النمطية المترسخة لدى الرأي العام بشأن تفوق الانظمة السياسية على المعارضة - في العديد من دول العالم وليس فقط في سوريا – فإن القارئ وفي الوهلة الأولى، يميل إلى رواية المعارضة وبالتالي يرفض الرواية الرسمية ، ليتعاطف بعد ذلك مع المعارضة، إذ أنها ووفقا للصورة النمطية المكونة لديه ، قليلة الامكانيات، في حين يتمتع النظام الحاكم بالتفوق العسكري. وعلى ذلك، يقف القارئ أو المشاهد إلى جانب المعارضة ويصب جام غضبه على النظام الحاكم في سوريا.
إذن ما الحل وسط هذه الحملة الاعلامية والحملة الاعلامية المضادة؟
لمعرفة مدى صحة أنباء كلا الطرفين بشأن ما جرى ويجري في مدينة حمص والمذابح التي تم ارتكابها هناك، على القارئ أولا وقبل كل شئ ، مطابقة النبأ مع ما جاء في شريط الفيديو الذي تناقلته وسائل الاعلام الاقليمية والدولية تحت مسمى قتل المواطنين العزل بنيران الجيش السوري. يظهر الشريط جثث ضحايا عراة، كلهم رجال في متوسط العمر أو قد بلغوا أشدهم، دون وجود أطفال ونساء بينهم. الأهم من ذلك، فإن الجثث نظيفة كلها دون وجود أي علائم عليها، تدل على تمزق ناتج عن انتشالهم من تحت الركام أو ناجم عن القصف العشوائي، لا وبل أن الجثث مصابة من ناحية الرأس أو عليها علائم الرصاص فقط، خلافا لما أفادته وسائل الاعلام بشأن هدم المنازل عبر القصف العشوائي.
كما أن التوقيت جاء ذكيا. فهل يمكن أن يرتكب الجيش السوري مثل هذه المجرزة عشية جهود عربية وغربية بغية تمرير مشروع قرار ضد بلاده، ليدان مسبقا ومن ثم ليبرر الجهود من أجل إقرار هذا المشروع؟ دون أدني شك، فإن هذا الأمر يعني انتحارا قبل كل شيء.
بالتوازي مع عرض شريط الفيديو، هاجم من سموا أنفسهم بالمعارضين سفارات سوريا في دول محددة وهي الكويت ومصر وألمانيا واستراليا وبريطانيا لإظهار أن الاحتجاجات ضد النظام الحاكم في سوريا تتعدى جغرافيا سوريا وتمتد على العالم كله ليتمكنوا عبر ذلك من تأليب الرأي العالمي ضد النظام السوري.
إذن وعلى هذا الاساس، فإن عرض هذا الشريط عشية الجهود الاقليمية والدولية للاصطفاف العالمي في مجلس الامن أمام سوريه، إن دل فإنما يدل على استمرار الضغوط النفسية والاعلامية التي لا تزال مستمرة ضد هذا البلاد، لا سيما وأن وزير الخارجية البريطاني ويليام هيغ خرج بعد فشل التصويت على المشروع، وقال بكل اطمئنان، تفاديا لأي إحباط وتشاؤم قد يصيب معسكره والمصطفين معه، إن الجهود ضد سوريا سوف تتواصل.
لقد استغل الاعلام الغربي والعربي وبكل ذكاء الصورة النمطية المكونة لدى الرأي العام بشأن التفوق العسكري للنظام الحاكم مقابل المعارضة الفقيرة الامكانيات، ليوحي ما يريد إيحاءه للمتلقي، دون أن يشعر بذلك.
أما جثث الضحايا التي عرضتها وسائل الاعلام فهي تعود إلى مواطنين أبرياء خطفهم المسلحون خلال الايام الماضية في مدينة حمص وسط صمت إعلامي عالمي واستغلوهم مع شديد الأسف كورقة ضغط على النظام السوري في التوقيت المحدد.
هنا يتضح مدى مصداقية الاعلام وكيف يمكن أن يكون أداة لتمرير أهداف وغايات بعينها ضد جهة معينة أو دولة ما، وبهذا الصدد فإن معرفة أسباب الهجمة الاعلامية الشرسة ضد سوريا في المرحلة الراهنة ومعرفة الانباء المتداولة ضد نظامها، كفيلان بمساعدة الرأي العام والمشاهد والقارئ على تمييز الحق من الباطل.
*عبد الله آل بوغبيش