إن (الغياب) الإسرائيلي عن برامج المرشحين للرئاسة ، يستدعى تأملاً عميقاً وتحذيراً أكثر عمقاً ، ودعونا نسجل ما يلي بشأن هذا الغياب عله يفيد :
أولاً : من المؤكد أن قضايا مصر الداخلية ، تأتي – اراد المرشحون للرئاسة أو لم يردوا – على رأس الأولويات لديهم إلا أن فهم طبيعة العلاقات التي كانت تربط رأس النظام السابق بالكيان الصهيوني ، وتداخلها مع شئون مصر الداخلية تؤكد أن ثمة تواصلاً وتأثيراً متبادلاً بين الأمرين ويخطىء من يحاول تصور أنهما منفصلان وأن ما يسمى بالأولوية لقضايا الداخل منفصلة عن قضايا الخارج الطامع أو الغاضب من هذه الثورة ، هو من قبيل الأوهام ؛ وتل أبيب ، ومعها واشنطن ، هي أول من يدرك هذا ، ولذلك هي تعمل بكل أدواتها السياسية والمخابراتية والاقتصادية على اختراق مصر واستمرار تركيعها تحت ذلك الخيار البائس عديم الفائدة المسمى بخيار (كامب ديفيد) .
إنها – أي إسرائيل – تتدخل في كل شئون مصر بعد الثورة ، فلماذا لا يفهم المرشحين للرئاسة هذا الأمر ويتجاهلونه وكأن لا وجود أو تأثير لإسرائيل فى قضايا الوطن ، رغم أنه التأثير الأكبر والأخطر منذ 25 يناير 2011 وحتى يومنا هذا كان من تل أبيب وواشنطن ؟! (ويكفي أن نعلم أنه قد تم ضبط 7 شبكات تجسس إسرائيلية في العام الماضي وحده وأن اغلب صراعاتنا الداخلية والفتن المتأججة سببها الأصابع الأمريكية والإسرائيلية والشواهد عديدة !!).
ثانياً : فى تقديرنا أن ما يسمى بالنفاق السياسي ، أو البراجماتية السياسية هي السبب الرئيسي في ابتعاد برامج اغلب المرشحين عن ذكر إسرائيل وخطرها المدعوم امريكياً ، بل والإصرار منهم على إعلان – بدون لزمة !! - تمسكهم بكامب ديفيد ، رغم أحقية مصر في تعديلها بل وإلغائها وفقاً للقوانين والمواثيق الدولية خاصة في البلاد التي تحدث بها ثورات .
إن إرسال رسائل الطمأنينة لأمريكا التي مفتاحها (تل أبيب) ظل هو الهاجس الأول لأغلب المرشحين للرئاسة ، وليس مصلحة الشعب ، وأمن مصر والتزاماتها الدولية كما يدعون .
ثالثاً : في ظني – وليس كل الظن إثم – أن الواجب الأخلاقي قبل الوطني للمرشحين الذين قدموا أنفسهم باعتبارهم مرشحين لمصر ما بعد الثورة عليهم أن يعلنوا وبوضوح ، وبلغة حازمة ، أنهم (مع أو ضد) استمرار هذه العلاقات مع إسرائيل كما كانت في عهد حسنى مبارك، حتى يعلم الناس مواقفهم ويبني الرأي العام تصوراً واضحاً عن مستقبل بلاده ، وهل هو مستقبل بإرادة وطنية مستقلة وقرار سياسي حر ، أم هو مكبل بذات القيود والاتفاقات التى تؤثر على التنمية والحريات في الداخل بأكثر مما تؤثر على قضايا الخارج .
ومن حق الشعب المصري الذي قام بثورة نبيلة ورائعة أن يجني ثمار ثورته فى حماية صحيحة لأمنه القومي بعيداً عن القيود المذلة للمعونة الأمريكية المرتبطة شرطاً باتفاقات كامب ديفيد ومعاهدة السلام مع إسرائيل .. ترى متى ينطقون ؟ ومتى يكون (المبدأ) وليس البراجماتية السياسية هو الأساس الأخلاقي لمن يتصدى للعمل العام ؟ .
إن هذا جميعه يستلزم من المرشحين للرئاسة أن يقولوا لنا الآن وليس غداً ، اين هم من قضية الصراع العربي الصهيوني ؟ هل هم مع المقاومة أم مع ذلك الوهم الكبير المسمى بالسلام الذي لم يجني العرب – وفي القلب مصر – منه شيئاً ؟ .
إن القضية غاية في الأهمية ، خاصة إذا ما فهمت جيداً على أساس أنها قضية (أمن قومي) ، والأمن القومي يتداخل فيه الداخل بالخارج في منظومة واحدة من التحديات والتهديدات ، إن مصر مقبلة على مرحلة خطيرة للغاية ، ومن الصواب أن نعلم كيف يفكر الرئيس القادم ، في تلك المرحلة والتى لدينا يقين كامل أن المواجهة مع الكيان الصهيوني وواشنطن ستكون أبرز عناوينها .. فهل أعد الرئيس القادم إجاباته على تحدياتها تلك ؟!.
بقلم د . رفعت سيد أحمد