كان تعاطي السعوديين مع ملفات الديكتاتوريين الذين تم خلعهم في تونس ومصر وليبيا بالطريقة نفسها التي تتعاطى فيها مع الأحداث الدائرة في البحرين، هذه المرة السعوديون منهمكون في لعب دوريين وعلى مستويين، الأول في تضخيم الخطر الشيعي في إطار عداوتها لإيران والثاني من أجل إظهار نفسها متفوقة ومتقدمة على منافستها وجارتها الصغيرة قطر وهي منافسة مستمرة منذ الماضي وحتى الآن. ظهرت في هذه الآونة إعلان السعودية لمعارضتها بشكل واضح لسياسات طهران، لكن المنافسة مع قطر تجري تحت الرماد بشكل مخفي وصغير لكنها عميقة جداً.
ستكون خطيئة كبرى في حال تم جرّ طهران إلى المخطط الذي ترسمه السعودية وتدخل في هذا الصراع المصطنع الذي تحاول السعودية بكل السبل إقحام طهران فيه. الاتحاد مع البحرين أو اتحاد الدول العربية على نطاق واسع في المنطقة الجنوبية للخليج الفارسي غير ممكن والدول العربية في الخليج غير مستعدة بدورها أن تضع نفسها في موضع المنقاد والتابع، البنية السياسية لدول الخليج الفارسي لن تسمح بقيام هكذا اتحاد أبداً، إذا تخوفت الحكومات العربية من تهديد إيران فإنها بالمستوى نفسه بل أكثر تتخوف من العلاقات الوثيقة مع السعودية والتي ستفرض بدورها إرادتها عليهم.
أمواج التغيير تطرق بوابات المملكة وماتزال حكومات المنطقة تسبقها بمسافات بعيدة لذلك يعرفون جيداً أن السبب الذي يدفع السعودية لمعارضة إيران وتضخيم الخطر الشيعي سيشعل نار الصراع وسوف تقوم الحكومات التي لا ترى من ضيّر في معاداة إيران إلى دفع نفقات هذا الصراع، فقد أدركت الحكومات العربية في الخليج الفارسي جيداً خلال تجربتها وعلاقاتها مع طهران على مر العقود الثلاثة الماضية ومن خلال نتائج الصحوة العربية، أن تضخيم الخطر الإيراني لا يمكن أن يخفض من سقف مطالب شعوب المنطقة، المنطق السائد اليوم في العالم لا يساعد مشيخات الخليج على عدم سماع مطالبات الشعوب بحقوقهم، فلابد من إصلاح البنى السياسية الحاكمة في دول الشرق الأوسط، المنطق السائد في عالم اليوم هو منطق حقوق الانسان، حتى لو لم يقبل أعتى الزعماء السياسيين في المنطقة والمدعوم بأدوات القمع بهذا المنطق.
قوبلت الحركة الشعبية التي تطالب بالإصلاح في البحرين بأشد أدوات القمع وحشيةً وعنف لكن ليس فقط لم تهدأ ولم تتعب هذه الحركة بل استطاعت أن تلفت أنظار المجتمع الدولي بصفتها واقع لا يمكن إنكاره. كما أن سورية تحولت اليوم إلى أحد القضايا الدولية، لذلك سيكون من الحكمة أن تلجئ الحكومات العربية في الخليج الفارسي إلى إصلاح أنظمتها وهيكليتها السياسية بدل الرضوخ لسياسيات السعودية الداعية إلى الفرقة وايجاد الفتن بين المسلمين.
نتائج اجتماع مجلس التعاون في الرياض يظهر أنه يمكن أن يكون للحكومات العربية في المنطقة ردة فعل تجاه تصريحات ايرانية ، لكن هذه الحكومات لم تصل إلى حد تنفعل فيه لتتحد مع السعودية. أنهم يسعون وراء مصالحهم ويتعاملون على أساسها ومن الأفضل لطهران أن تركز على المفاوضات التي تستطيع أن تعيدها إلى المجتمع الدولي ، كما يجب أن ينصب الاهتمام على الموضوع الأمني لكي لا يخاف جيرانها الجنوبيين منها، من الأفضل أن تعزز طهران علاقات الصداقة مع جيرانها أكثر من أي وقت مضى ويجب زيادة طمأنة دول الخليج الفارسي والدفاع عن هويتها وسيادتها، فهذا يهيئ المناخ المناسب لإقامة علاقات سياسية على أساس الاحترام والثقة المتبادلة.
تبدو السعودية وحيدة تواجه مشكلاتها الداخلية لأن هيكليتها ونظامها السياسي قد تحلل وتعفن، ويجب تركها وحيدة تصارع رياح التغيير ، يجب الالتفات إلى المستجدات التي ستنتج بعد بدأ المحادثات مع مجموعة 5+1.
دعوة إيران للانضمام إلى المجتمع الدولي سيحل الكثير من مشاكلها، على طهران أن تبعد نفسها عن مركز الضغوطات. من جهة أخرى المتربصون لا يؤيدون حل سلمي لخلافات طهران مع المجتمع الدولي .
الرياح العاتية عاجلاً أم أجلاً ستأخذ كل شيء في طريقها. لذا لن يفيد اختباء آل سعود وآل خليفة وراء أزماتهم . الشعب البحريني المنتفض يطالب بشكل مباشر وواضح بالتغيير الجذري ولتداول السلطة وفق أصول قانونية ودستور مكتوب، هذه المطالب لا تعرف سنة ولا شيعة بل تشمل كل الشعب البحريني وبالطبع تشمل السعودية ودول المنطقة الأخرى .
استطاع السعوديون بحنكة خلال العاميين الماضيين أن يكسبوا الوقت، لكن لا يتوجب على إيران دفع تكاليف هذا الأمر. في هذا الوقت يعتبر الحذر من مكائد آل سعود أعلى فنون الدبلوماسية.
*موقع الدبلوماسي الفارسي