بعد صدور قرار سجن مبارك ووزير داخليته حبيب العادلي مدى الحياة وتبرئة مساعدي الأخير، نزلت نهال سعد (26 عاماً) مع أربع من صديقاتها للانضمام إلى الآلاف في ميدان التحرير الرافضين للحكم. وفي الساعة 8:30 مساء، تعرضت المتواجدات في الميدان لاعتداء من قبل مجموعة من الرجال الذي بدا أن أعدادهم كانت تتضاعف مع مرور الوقت.
وتقول سعد إن الحشود كانت كبيرة جداً حتى أنها لم تكن قادرة على رفع يديها، وحين بدأ الاعتداء، شعرت وكأن أحداً يلمسها في كل مكان، فيما كانت واحدة من صديقاتها هدفاً أكبر للمعتدين إذ جرى تمزيق ثيابها.
وخلال الأسبوع الماضي، وقبل أن يتوجه الناخبون إلى صناديق اقتراع الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في 16 و17 حزيران الحالي، وبعد تجدد التظاهرات في ميدان التحرير، عمدت مجموعات كبيرة من الرجال إلى الاعتداء جنسياً على النساء المتواجدات في الميدان. ورداً منهن على هذه الاعتداءات الجنسية المتكررة، نظمت سعد وصديقاتها مسيرة للمطالبة بالمساواة بين الجنسين والحق بالتجمع من دون خوف. وشاركت حوالي 30 امرأة يوم الجمعة الماضي في تظاهرة استمرت حوالي ساعة، إلى أن احتشدت مجموعات من الرجال الذين كسروا الدرع البشري المحيط بالمتظاهرات، واعتدوا عليهنّ من جديد. بدأ الرجال الذين ظهروا من العدم بتمزيق ملابس الفتيات ولمسهن وسرقة الهواتف والأموال.
ويعتبر التحرش الجنسي ظاهرة مرضية مزمنة في مصر، ولكن الجديد هو أن تقوم به مجموعات من عشرات أو مئات الرجال قي الوقت ذاته.
وتقول سعد «ما حصل لا يشبه المضايقات التي تتعرض لها النساء يومياً، بل بدا أن الأمر كان منظماً». أما صديقتها المخرجة ليل زهرا مرتضى، التي شاركت في المسيرة، فأشارت إلى أن «ما جعلنا نشتبه في الأمر هو المجموعات الكبيرة التي قامت بالهجوم»، متسائلة «هل اجتمع كافة المتحرشين في القاهرة أمام مطعم هارديز في وقت واحد؟».
ويرى عدد من الناشطين أن الهدف وراء الاعتداءات المنظمة هو ردع المرأة عن المشاركة في الحياة السياسية، فيما يرى آخرون أنه أمر متجذر في مصر، ولكن هناك إجماعاً واسعاً على أن هدف الاعتداءات هو الإضرار بالحركة الثورية، وعدم تشجيع المرأة على توسيع مشاركتها في العمل السياسي. وتعتبر المديرة التنفيذية في مركز «ابن خلدون للدراسات» داليا زيادة أن ما حصل من شأنه أن يؤثر سلباً على الثورة، إذ «لم نشهد خلال 18 يوماً السابقة لسقوط مبارك تقريراً عن تحرش جنسي واحد»، مضيفة أنه حين تصبح الثورة غير جامعة، فإن النساء سيجلسن في بيوتهن ما سيضعف التظاهرات وأهدافها.
وتشير الدراسة التي نشرها «المركز المصري لحقوق المرأة» في العام 2008، إلى أن 83 في المئة من المصريات و98 في المئة من السائحات تعرضن لأنواع من التحرش الجنسي في الشارع.
ولعل التحرش الجنسي تحول إلى أداة لتخويف المتظاهرين منذ تسلم المجلس العسكري الحكم بعد سقوط مبارك، ويعتبر البعض أنه تكتيكاً ورثه العسكر عن النظام القديم.
وتقول الناشطة ندين وهاب، العضو في حركة «حقنا»، إن «ما يحصل هو جزء من الثورة المضادة التي يقودها المجلس العسكري والجيش وبقايا النظام السابق، بالإضافة إلى الأحزاب والأشخاص الذين لديهم مصلحة في عودة النظام القديم».
وتعتبر وهاب أن استهداف المرأة هو محاولة متعمدة لضخ المزيد من العنف في الشارع، وإضعاف الحركة الثورية، مضيفة « أنه لن يكون بإمكاننا خلق عقد اجتماعي جديد إذا غاب نصف المجتمع».
وبالرغم من مشاركتها في الثورة، لم تستطع المرأة الوصول إلى طليعة المؤسسات الحكومية، فلم يصل إلى مجلس الشعب سوى تسع نساء من أصل 498 مقعداً، ويناقش المجلس، الذي يسيطر عليه الإسلاميون والرجال، تعديل قوانين متعلقة بالمرأة ومن بينها حضانة الأطفال بعد الطلاق والختان. ومن شأن عدم قدرة المرأة على التظاهر أن يحد من قدرتها على تشكيل قوة سياسية منظمة.
وتعتبر مديرة البرامج في مجموعة «نظرة للدراسات النسوية» في القاهرة يارا سلام «إن كانت أصغر وسائل العملية السياسية غير آمنة، فإن المشاركة فيها بمستويات أعلى سيكون أيضاً غير آمن».
بدورها، تتهم زيادة الأحزاب الإسلامية والليبرالية باستغلال المرأة لتحقيق أهدافها، «فإن كانوا يريدون أن يعكسوا صورة انفتاحهم وزيادة أعدادهم يلجأون إلى المرأة»، مشيرة إلى أن الوسيلة الوحيدة لتغيير الوضع الحالي هي سن قانون يمنع التحرش الجنسي.
وتعتبر كل من مرتضى وسعد أن على النساء البقاء في الشارع للمطالبة بحقوقهن، ولكن يبدو أن الضرر قد وقع فعلاً، فوهاب على سبيل المثال من الفتيات اللواتي وقفن في الصفوف الأمامية خلال الثورة، لكنها الآن تتحقق من سلامة الوضع مع صديقاتها قبل النزول إلى الميدان.