لقد كان قرار استقالة السيد عنان مقرر سلفا والسبب الحقيقي لها بأن الدول التي باركت مهمته قد انقلبت عليه وقفزت فوق مهمته وتقدمت بعدة مشاريع لقرارات، متجاهلة مهمته وجهوده. وقد جاء مؤتمر جينيف ردا مباشرا على تهديده بالاستقالة وكانت الغاية من هذا المؤتمر هو إنقاذ مهمته، ولكن الغرب لم يلتزم بالمهمة وقفز فوق المقررات الدولية، ومقررات مؤتمر جنيف، وعقد مؤتمر ما يسمى "أصدقاء سورية" في باريس، ومن ثم تقدم بأكثر من مشروع قرار لمجلس الأمن وآخرها مشروع القرار الفرنسي لمجلس الأمن، ومشروع قرار سعودي للجمعية العامة للأمم المتحدة.
إن السيد عنان تمسّك بالمهمة على أمل أن يراجع الغرب مواقفه ويدعم الخطة التي أقرها أصلاً مجلس الأمن، ولكن حين سقط آخر مشروع قرار غربي بالفيتو الروسي الصيني، كانت روسيا بصدد تقديم مشروع قرار ولكن سحبته كنوع من التحذير للغرب، وبهذه اللحظة بادرت باكستان بطرح مشروع قرار بديل للقرار الروسي بطلب أمريكي، حينها أدرك كوفي عنان أن مهمته انتهت، لأن البند الأول منها لن يطبّق، وتأكد هذا الأمر تماماً حين حاولت عصابات مسلحة احتلال أحياء مدنية جنوب العاصمة دمشق وتسبّبت بالصراع في مناطق كانت آمنة تماماً.
لقد ارتبطت مهمة كوفي عنان باسمه والتي جاءت بتوافق روسي أمريكي، سقطت مع إعلان كلينتون عمّا سمّته الهجوم الكبير الذي سمّي "زلزال دمشق"، وبالتالي انتقل الصراع من التفاوض السياسي إلى التفاوض بالسلاح على الميدان بسبب تعنت واشنطن وحلفائها في المنطقة، بحيث لم تلتزم تركيا وقطر والسعودية بوقف تسليح المعارضة رغم تقديمها ضمانات لكوفي عنان بهذا الشأن.
إن استقالة كوفي عنان شكلت إحراجاً للأمريكي الذي يعرقل هذه المهمة ويقدم القرار تلو القرار لمجلس الأمن متجاهلاً هذه المهمة، ومع استقالة كوفي عنان سيكون الأمريكي ملزماً بالحفاظ على هذه المبادرة، لأن أي مبادرة جديدة لن تكون إلا بعد الحسم في الميدان، وبالتالي ستكون شروطها جديدة تماماً تفرضها موازين القوى.
وعلى ما يبدو فإن استقالة كوفي عنان سيتلوها ما ينتظره العالم، وهو معركة حلب الحاسمة، وهي التي ستقرّر شروط التفاوض مع التعنت الغربي العربي.
*مي حميدوش -دام برس