ولاثبات هذه الحقيقة دعونا نستعرض بعض الحقائق. وفي هذا الاطار لن نتكلم عن التلامذة الذين يتوجهون الى مدارسهم لريتبكوا مجازر بحق زملائهم، بل سنتحدث عن الارهاب الدولي. بداية ينبغي القول ان الارهاب الدولي حقيقة لا يمكن انكارها وافضل دليل على ذلك التصريحات التي يطلقها زعماء العالم في هذا الخصوص. اذن الارهاب موجود، وهو ظاهرة دولية، فان كانت كذلك فينبغي ان يكون هناك تنسيق بين التنظيمات الارهابية، والتنسيق هنا يعني التحكم بالامور. وهنا نطرح سؤالا، من الذي يتحكم بالتنظيمات الارهابية على الصعيد الدولي؟ الجواب هو، من يمول هذه المنظمات ويدعمها بالسلاح واخيرا والاهم من يوفر لها غطاء سياسيا. وعود على بدء نقول انه شتان ما بين الاقوال والافعال، فكما ان الشيوعيين تسنموا سدة الحكم تحت يافطة الطبقة العاملة، ولكنهم فيما بعد استعبدوا الطبقة العمالية، الحال هو كذلك بالنسبة لاعلان الرئيس الامريكي الحرب على الارهاب. وهذا الامر هو الذي حدا بالخبير السياسي الامريكي الشهير "نعوم تشومسكي" الى القول بضرورة تقديم اوباما للمحاكمة بسبب تأجيج اتون مثل هذه الحرب التي تخفي وراءها مآرب اخرى. اذن ما هي الحقيقية؟ .
السيناتور الامريكي ليندسي غراهام اعترف بان الطائرات الامريكية من دون طيار قتلت حوالي خمسة الاف شخص في اليمن وباكستان ودول اخرى. اي انه تم تصفية هذا العدد بدم بارد دون صدور اي مذكرة توقيف بحقهم او تقديمهم للمحاكمة، بذريعة مكافحة الارهاب؟!. طبعا جميع هذه العمليات تتسم بالسرية بخلاف ما هو الحال في افغانستان. ولكن ما علاقة باکستان بکلّ هذا؟ الإجابة بسیطة. ان باکستان معنية بهذا الامر كما هو الحال بالنسبة لأفغانستان لسبب بسيط وهو، ان القسم الاعظم من هیروین العالم ینتج في المنطقة. اذن فالموضوع له علاقة بالسیطرة علی تجارة المخدّرات. فقبل غزو الأمریکان لأفغانستان، کان إنتاج الأفیون والهیروین يخضع لسیطرة جماعة طالبان. وفجأة، ( ربّما إختلفوا علی الأسعار ) قرّرت الجماعة حظر إنتاج المخدّرات، الامر الذي ارغم الجیش الأمریکي على غزو أفغانستان، بهدف اعادة إنتاج المخدرات تحت يافطة مكافحة الارهاب. حرکة طالبان التي ارغمت على نقل قواعدها إلی باکستان حاولت عرقلة عمليات امداد القوات الأمریکیة بما تملكه من قدرات. وهنا تنكشف حقيقة اخرى وهي ان هناك ارهاب جيد وآخر سيء، فما دام الارهاب يضمن مصالح امريكا فهو ارهاب جيد، وان عرض مصالحها للخطر فانه ارهاب سيء. وخير دليل على ذلك ان البيت الابيض لم يصدر اي بيان او تلميح لادانة الميليشيات المتطرفة في الشيشان، ولم يطالب باجتثاث بؤر الارهاب في جورجيا. اذن ما هي المشكلة؟ المشکلة هي ان الجیش الباکستاني عاجز اجتثاث جذور جماعة طالبان على اراضيه. إذاً ما العمل؟ هل ستخوض امريكا حربا اخرى مثل حرب فيتنام في باكستان؟ الجميع يعرف ان القيام بمثل هذه الخطوة لن تتمخض سوى عن عودة تحميل الادارة الامريكية تكلفة باهظة لا قبل لها بها، فضلا عن مقتل العديد من الجنود الامريكيين. لذلك قررت القیادة العسکریة الأمریکیة الإعتماد علی الطائرات بدون طیّارین لعملياتها السرية. فمن يهتم ان قتل خلال الغارات بعض الفلاحين والفقراء الابرياء. ونستنتج من هذه المقدمة ان هذه الخطوات لیست حرباً علی الإرهاب اولا، بل صراع بین مجموعتین من المافیا، احداهما تتخذ من واشنطن مقرا لها. ثانیاً، إنّه إرهاب، وعنف من أجل ترهيب وترويع الناس.
ولكن ما هو مدى تاثير وفعالية مثل هذا الترويع والترهيب؟
تشير وكالة انباء "رويترز" الى حساسية هذه القضية وتأثيرها على العلاقات الباكستانية الامريكية من منطلق ان امريكا تشن غارات عدة بطائرات من دون طيار لا تفرق بين من تسميهم الارهابيين والمدنيين وحتى قوات الشرطة. الهاجس الاكبر هنا لا يتمثل في إنتهاك السیادة الوطنیة لدولة باکستان وسحق حقوق رعاياها، بل يكمن في مكان آخر وهو ان امريكا قامت باعداد جيش من الجنود الاليين وبدات باختباره على الدول النامية، بذريعة مکافحة الإرهاب.
والادهى من ذلك انه انكشف خلال الاونة الاخيرة بان جهاز الأمن القومي الأمریکي یتنصت على المواطنيين الامريكيين فضلا عن الرقابة المفروضة عبر طریق الأقمار الإصطناعیة والتي تزوّد المعنيين بکمّ هائل من المعلومات.
ويختم الكاتب بالتساؤل، هل یعتقد الأمریکیون باستحالة إستخدام الطائرات بدون طیّار، أو الجنود الآلیین، ضدهم لمجرد تشدق مسؤولي البلاد بانهم يعيشون في ظل مجتمع دیمقراطي؟ ألا یشعرون بالحرج حيال أنّ عصابات الکوکلوکس کلان کانت تشنق الأمریکیین من أصل أفریقي حتّی فترة زمنیة قصیرة؟
فلو ألغیتت سلطة القانون في باکستان، هل یمکنكم أن تلغوها بالنسبة اليكم أیضاً. ففي البدایة، ستکون الذريعة هي التحدّیات، ومن ثم التهدیدات وبعدها حمایة المبادئ الدیمقراطیة ... واخيرا ستحلق الطائرات بدون طيار في شوارع امريكا. هذا هو مکانکم في العالم الجدید.
يتبع ...
بقلم: کنستانتین بینزیف
ترجمة: محمود عسکر