وكانت قرابة خمس سنوات من عمر الأزمة السورية كفيلة بتشتيت القرار السياسي الغربي وضياعه وتخبطه حول سبل التعامل مع الأزمة وتداعياتها التي بدأت بضرب الاستقرار والأمن في مجمل المنطقة، واخرها ظاهرة الهجرة وتبعاتها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية على المجتمعات الأوروبية التي باتت شرائح لاتخفي خشيتها على هويتها الدينية والثقافية.
لهيب الأزمة السورية دفع ساسة أوروبيين إلى إعادة النظر بسياسات بلادهم تجاه دمشق، فوزير الخارجية الاسباني خوسيه مانويل غارسيا طالب خلال زيارته لطهران بالتفاوض مع الرئيس السوري بشار الأسد للتوصل إلى وقف اطلاق نار، وشاركه الموقف نظيره النمساوي سباستيان كورتز بدعوة الدول الغربية إلى إشراك الأسد في الحرب على جماعة داعش، فيما رفض رئيس الوزراء الايطالي ماثيو رينزي مشاركة بلاده في الغارات الجوية للتحالف الأمريكي، معتبرا أن الغارت تؤتي نتائج عكسية، مستشهدا بالآثار السلبية للتدخل العسكري الغربي في ليبيا وماآلت إليه الأوضاع هناك.
ورغم ذلك لاتزال فرنسا تبحث عن دور لتعلبه في الهوامش الأمريكية مستغلة أزمة اللاجئين لتبرير تدخلها عسكريا ومعاناة الأقليات للعمل على تقسيم الجغرافية السورية، حيث كشف وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس عن تعهدات مالية من بعض الدول خلال الأشهر المقبلة لمشاريع البنية الأساسية والخدمات الأساسية وتدريب الشرطة في ماأسماه بالمناطق المحررة من سيطرة داعش، متجاهلا الدولة السورية ودروها ومقتضيات القانون الدولي الذي يفرض التعامل مع دمشق فيما يخص أي شبر من التراب السوري.
فابيوس تناسى أن المناطق التي تحدث عنها خرجت منها داعش لتدخلها أخواتها التي لم تكن أفضل سيرة في تعاملها مع أقليات يدعي الوزيرالفرنسي قلقه عليها.
باريس التي أفقدتها العقود دورها الدولي واستقلالها السياسي لاتجد لها دورا في هذا العالم إلا باللعب على التناقض بين القوى الدولية الحقيقية، فعملت في الأونة الأخيرة على الالتحاق بركب التحالف الأمريكي عبر طلعات استطلاع مجهولة الأهداف، إلا أن التوقيت يثير الكثير من الارتياب، فهو يأتي في وقت تشهد العلاقات الروسية الأمريكية توترا استخدمت فيه لغة الصدام المباشر للمرة الأولى منذ انتهاء الحرب الباردة قبل ربع قرن، على خلفية أنباء عن مشاركة روسية ميدانية إلى جانب الدولة السورية في مواجهة الإرهاب، فضلا عن الامدادات والمعدات العسكرية التي تشمل أسلحة نوعية من شأنه قلب التوازنات لصالح دمشق في مواجهتها للإرهاب.
وبإصرار يقوم الغرب بتضخيم الأزمة والسعي لدى الدول لإعاقة أي مساعدات روسية حتى الإنسانية، رغم أن التعاون العسكري بين دمشق وموسكو يتجاوز عمره الستة عقود على أقل تقدير لم يتوقف ولم ينقطع، ما يكشف نوايا الغرب بتوسيع التدخل وتغيير الخرائط اعتمادا على ذرائع يختلقها لتعويم سياساته.
MKH-10-07:42