عاجل:

في بيت رضا الغسرة.. كان مهشّم الرأس

الإثنين ١٣ فبراير ٢٠١٧
٠٨:٤١ بتوقيت غرينتش
في بيت رضا الغسرة.. كان مهشّم الرأس عصر الأحد 12 فبراير 2017، بيت الشهيد رضا الغسرة. بعد وقت قصير من الانتهاء من دفن الشهداء في لوعة المكان والأهل. لم يرجع أخ رضا غير الشقيق "ياسين" من المقبرة بعد، سُمح له هو وعمّه فقط بالتواجد في مراسم الدفن، إخوة رضا الأشقاء جميعهم في السجن.

العالم - البحرين

البيت صغير مكتظّ بالنسوة، لا تكاد تجد مكاناً تجلس فيه. مدخل البيت ممتلئ، الغرف الصغيرة ممتلئة، والممر المؤدي إلى الغرف كذلك. لا تسمع إلا صوت الحسرة وآهاتها، تتجرعها النسوة كما يتجرّع المسموم كأسه الذي يعرف أنه يحمل أجله.

تجلس أمّ رضا مستندة على جدار صالة البيت الصغيرة، وجهها مسحوب إلى كتفها، تدور بعينيها كمن تنتظر دخول شيء آخر عليها غير ثياب الحداد، كأنها تبحث عن شيء يصلها برضا، شيء يريها إياه، تحرّك رأسها للأعلى والأسفل وتضرب بيدها على رجلها. لا كلمة يمكن أن تصف حال وجهها الملتاع بالحسرة: لم ألقِ عليه نظرة وداع واحدة.. لم ألمسه.. لم أحضنه.. لم أقبل بين عينيه.. عيناها الشاخصتان تبحثان عن كلام يمكن أن يُخرج ما فيها.. لا تجد.. ترفع رأسها: "الله على الظالم.. الله على الظالم..."

تنطق امرأة من أقرباء رضا: "قلت لهم دعونا نُلقي النظرة الأخيرة عليه، نريد أن نودّعه فقط، رجوتهم، قالوا لي: من زماااان دفنّاه.. ثم أداروا ظهورهم وساروا هازئين"..

ترفع أم رضا عينيها وتضيف: "قلت لهم وهم يمنعوني من الدخول لتوديع ابني: نحن اليوم نبكي وأنتم تضحكون، غداً نحن سنضحك وأنتم ستبكون".

تصمت قليلاً ثم تقول بصدمة من لا يصدّق ما رآه: "جاؤوا لنا بجيوووش.. جيوووش.."، تعلّق إحدى الحاضرات وكأنها تكمل ببلاغة: "جيوش من خوف"..

تعلو أصوات النسوة الضاجات بالبكاء.. تدور أم رضا برأسها.. تسنده على الجدار.. تحدّق في الحسرة.. تطلق شهقة تصل حرارة جمرتها إلى كل من في المكان..

على باب إحدى الغرف، ربما هي غرفة رضا، لصقت صورة له، كان يطالعنا بابتسامته المرحة التي تميّز معظم صوره التي تصلنا إليه بينما هو في زنزانة هنا أو مخبأ هناك، يطالعنا بشعره الكثيف وخصلته المتدلية في منتصف جبينه، وتغوص عيناه في عمق ابتسامته،  كأنه يقول لنا: لقد نلتها أخيراً.. نلت حريتي.. فأنا لست مخلوق لكي أبقى في هذا الجحيم.. أنا طائر حرّ.. ومكاني ليس هذه الزنزانة الكبيرة، ليس هذه الأرض..

تعود والدة رضا وكأنها قد سمعته: تقول للنسوة اللاتي يحتضنّها.. لقد نال رضا ما أراده دائماً.. لقد فاز بالخلود.. الشهيد لا يموت.. البطل لا يموت..

في الغرفة الثانية تجلس أخوات رضا وزوجات أخوته، تخبر إحداهن: "قلنا لهم، لتدخل فقط والدته كي ترى ابنها وتودّعه.. هددونا بجيوشهم الجرارة التي اصطفت تقابل فاجعتنا، لا يوجد هنا شيء لكن، اذهبن إلى بيوتكن وإلا ضربناكن"

تكمل: " في المقبرة، وجد الأهالي حفر القبور مناف للتقاليد الدينية، ورفضوا دفن الشهداء فيها، فقال لهم رجال الأمن، إذاً احفروها أنتم لوحدكم. اضطر أخ رضا وعمّه القيام بحفر القبر وحدهم رغم أن الحالة الصحية لكليهما لا تتحمّل هذه المشقة الجسدية والنفسية".

ليس ثمة قارئة في بيت رضا، لكن كل الحاضرات تحولن إلى قارئات، تصرخ إحداهن منشدة أبيات الواقعة: "يا مجهز حسيييين.. قل لي القبر وين؟".. تضج النسوة بالبكاء ويلطمن صدورهن ويضربن على أفخاذهن ويصرخن يا حسييين يا حسيييين يا حسييين.. تصيح أخرى: "هَذا حُسينٌ بِلا غُسْلٍ ولا كَفَنٍ عَارٍ تَجولُ عليهِ الخَيلُ مَيْدانا".. يرتفع صوت النحيب ويختلط الصراخ بالبكاء.. تستحضر ثالثة أبيات شعر تنعي فيها جنازة جثمان الإمام موسى الكاظم الذي شيّع مكبّلاً بالحديد.. تتعالى الصرخات أكثر.. تنسج رابعة أبياتاً تنعى فيها شهداء الحرية الذين منع أهلهم من تغسيلهم ودفنهم والصلاة عليهم.. يصير المجلس زلزال بكاء.

يدخل "ياسين" أخ رضا للتو عائداً من المقبرة، وجهه مثل شحوب الموتى الذين عاد منهم للتو، ترفع كل النسوة أعينهن إليه متطلعات، وكأنهن يردن منه أن يخبرهن عن حال رضا: "كيف رأيت البطل رضا يا ياسين؟" يتعالى الصراخ، تتراكض أخواته إلى حضنه مولولات، يلمّهن بذراعيه ويغوص برأسه في حجورهن، ويختضّ الجميع في نوبة بكاء طويلة، تعمّ الهستيريا المكان. "يكفيه ما فيه إنه مريض بالقلب" تقول زوجة أخيه وهي تشهق بالبكاء.

يرفع ياسين رأسه ويقول محاولاً مواساة نفسه أو النسوة: طالما كان رضا مرتبطاً بفاطمة الزهراء في كثير من محطات حياته، ها هو يُدفن في يوم وفاتها. تعلو الصرخات والصياح. ثم يضيف: وسأزيدكنّ، في مثل هذا التاريخ تماماً، دُفن والدي قبل عام ولم يتمكن رضا من حضور مراسم تشييعه وعزائه. ينفجر المكان بالبكاء. ينسحب ياسين خارجاً..

لاحقاً، يخبر ياسين عائلته بما رآه مما لم يستطع قوله أمام النسوة: لقد رأيته مهشّم الرأس بثلاث رصاصات، لقد اضطررنا إلى تجبير رأسه كي نتمكن من غسله وتكفينه، وفي كتفه كانت تسكن رصاصة أخرى، وجسده مشرّح من أعلى الرقبة حتى أسفل الجسم..

لكن صورة رضا.. ما تزال تضحك، بذات الابتسامة المرحة، وبذاك الوجه الممتلئ بالحيوية والحياة، وبتلك الخصلة المتدلية من شعره في وسط جبينه، حتى وإن فجّره الرصاص.

المصدر: مرآة البحرين

2-4

 

 

0% ...

آخرالاخبار

شركة الطيران الوطنية لألمانيا "لوفتهانزا" تقرر تأجيل الاستئناف المخطط له للرحلات إلى دبي حتى 25 تشرين الثاني/نوفمبر


فصائل المقاومة الفلسطينية تنعى الشهيدين أحمد بسام الجعبة وحمودة وائل الجعبة، وتؤكد أن الحواجز والحصار وسياسات القمع لن تكسر إرادة الشعب الفلسطيني أو تنتزع حقوقه


مصادر يمنية: 4 غارات جوية سعودية تستهدف مديريتي الوازعية وذوباب جنوبي غرب محافظة تعز


القبانجي يعلن عن إنتهاك اسرائيلي لاجواء العراق ويطالب بفتح منفذ الشيب مع ايران


مقتل 7 أشخاص بعملية إطلاق النار على كنيسة في الأردن


مصدر رسمي أردني: ارتفاع عدد ضحايا الهجوم على كنيسة في الكرك إلى 19 بين قتيل وجريح


رابطة الدوري الفرنسي: إرجاء مباراة باريس سان جرمان وليون في الدوري الفرنسي بسبب الاحتجاجات


مصادر يمنية: الطيران السعودي يشن 3 غارات على المخا في محافظة تعز


جيش الاحتلال: مقتل جنديين وإصابة 3 بهجوم الخليل


استشهاد معتز محمود محمد النمر وعمر زيد محمد عوض الله، جراء استهداف طائرات الاحتلال مواطنين يستقلون دراجة نارية في منطقة النصر، بالقرب من دوار سويدي النصر، غرب مدينة غزة


الأكثر مشاهدة

آليات الاحتلال تطلق النار في المناطق الشمالية الغربية لقطاع غزة


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تداهم بناية سكنية خلال اقتحام بلدة السيلة الحارثية غرب جنين شمالي الضفة الغربية المحتلة


ترامب: نتفاوض مع روسيا حالياً بشأن أوكرانيا ونحن أقرب إلى التوصل لاتفاق من أي وقت مضى


بيان قطري فرنسي: نؤكد التزامنا بدعم استقرار لبنان وسيادته وانتهاء ولاية «اليونيفيل» يجب ألا يؤدي لفراغ أمني


شهيدان ومصابون جراء غارة من طائرة مسيّرة إسرائيلية استهدفت دراجة كهربائية قرب مفترق الصناعة جنوب غربي مدينة غزة


مسؤول أمني رفيع: تفترض إيران وقوع عدوان أمريكي وإسرائيلي وتعتبر الإيماءات الدبلوماسية الأمريكية فاقدة للمصداقية


مسؤول أمني رفيع: ترى إيران نفسها حالياً في حالة حرب مع الولايات المتحدة وتعتبر الحصار الاقتصادي والبحري والقيود الجوية الأمريكية استمراراً للعدوان العسكري


المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي: الولايات المتحدة تسعى إلى إملاء شروطها بدلاً من التفاوض


بقائي: لا يمكن إملاء المطالب وتجاهل المصالح المشروعة للطرف الآخر ثم توقّع التوصل إلى اتفاق مستدام


مصادر لبنانية: تفجير عنيف نفذه جيش الاحتلال الإسرائيلي في بلدة زوطر الشرقية جنوب لبنان


حماس: مجلس السلام وميلادنوف يبرران استمرار الحرب على غزة