عاجل:

في القاهرة مرّة أخرى، في "الحُسين" ملاذ الروح

الأحد ١٣ أغسطس ٢٠١٧
٠٨:٠٤ بتوقيت غرينتش
في القاهرة مرّة أخرى، في في العاشرة أو نحوها، تبدأ تشعر أن الليل سقط على القاهرة إلى الأبد، وأنك مع سقوطه - كمُطلَق غريب – تحتاج إلى رفقة من نوع ما، تزيح كوابيسك العربية وتُغرقك في نعمة الرفقة الرضيّة، وتروح تستعذب ثانية، أنك هادىء كقلب طيّب، وأن إنسانيّتك المهدورة قد عاودتها الحياة، وأن زيارة "الحُسين" في القاهرة اختيار يُناسب قلقك في هذا الليل، يومضهُ ويُحيلهُ أُنساً خالصاً.

في القاهرة مرّة جديدة إذن. الفضاء مُضبّبٌ بالدخان في الحُسين، وتشّع هالة عطرة كلما توغّلت أو نظرت.
أصغي بكلّي إلى الصديق الذي اصطحبني، وأعبّ في "الفيشاوي" جرعات عميقة من الهواء الأسمر الغنيّ بالبخور. الرائحة شقيقة الحُسين وتتغلغل في صميم الأجساد، تدخلها بكل مساماتها.
بروحه الثملة وهناءة باله، جلس صديقي في أقصى المكان وجلست قبالته. ملامح وجهه مرتاحة ولم ألمح في عينيه وميض قلق، فتساءلت في سريّ عن ماهيّة ومبلغ رضاه.  كان يبتسم أبداً، ووجهه بريء براءة إنسان سعيد، وطمأنينته باردة مُنعشة، كالتي يتولّدها الوعي بالقوة الذاتية، وعي التسليم والرضى ووعي مَن ينتمي إلى المكان، تاريخه وراهنه. إنسان سعيد أجل، ولن أتكلّم هنا عن بؤس وفقر وإهانة بالغة وسوى ذلك، فالسياسة لن تعنيني في هذا المكان، والأمر أنني وهو في "الحُسين" وكل الخيبات الباهظة للحياة المصرية، العربية عموماً، تختفي هنا، تتراجع لمصلحة السهر إلى أن يطلع الصبح.
أُصبتُ بسكينته وسرَتْ بي وفاح حبي لمصر حتى منتهاه. أعارني صديقي المصري سكينته وصبره ورغبتهُ البليغة إلى الحياة رغم كل شيء.
إن الحُسين ليس مقاماً فقط أو مزاراً أو شارعاً حقيقياً، إنه على الدوام عاطفة، ولأني كنت بحاجة مهُلكة إلى عاطفة، غلبتني رغبة الاسترخاء والشعور القوّي بالاحتماء من أمور صعبة تُشنّج كل عرق فيّ. جعلني المكان أتنفّس بهدوء، أصغي بهدوء، أتأمّل ما حولي بحبّ وقد تحوّلت رغبتي بالسلام إلى حمى على شكل شرود جميل.
لا أذكر تماماً ما قالهُ لي صديقي عن المكان وناسه. لكنني أعرف، كما أعرف إسمي أنه لم يقل سوى الغامض والمُثير، وأقول لنفسي الآن أنني أشبه ماقالهُ لي للتوّ.
لصقنا كراس وطاولات تحتشد بالبشر، وتُظلّلنا جميعاً سحُب دخان داكنة هي التمثيل الدقيق للدخان الكوني الشامل .
ابتسامات السيّاح الأجانب كثيرة استعداداً لالتقاط الصوَر . ظننتني لبرهة ملكة ليلية وقد قارب سهري ساعة الفجر . تساررنا كثيراً إلى أن بدأتُ أتعب وبدأت تُضجرني أصوات الساهرين ومماحكاتهم وحكايات صديقي التي لم تنقطع . أردتُ شيئاً آخر ، كلمات أخرى لم تُستهلك تخضنّي وتُباغت صمتي الذي طال .
أظن أن ليس هناك من هنّ أكثر ترويعاً من حاملات حياتهن الخاصة على أكتافهن. أنا أحملها. أحملها معي أنى وأينما رحلت. شعرتُ فجأة أنني مُريعة ودأبتُ بسكون في البحث عن مخرج عبر الضحك بين نوبة صمت وأخرى.
ألحظُ، وقد ألِفتُ أخيراً الزحام وناس الطاولات اللصيقة، أن صمتي الذي لا بدّ يقتلني يوماً، غالباً ما يفعل العكس، ويتحوّل إلى مصدر لطاقة مُضحِكة، غير متبصرّة، فحكيتُ لصديقي "خبريات" عن أصدقاء مشتركين لنا، واسترسلتُ في الحكي طويلاً درءاً للصمت، غير أن متانتي الداخلية بدأت بالنفاذ والتراجع فسكتّ فجأة، ابتلع حكيي طاقتي كلها.
أنا لست من تكلّمت – حدّثتُ نفسي – وأفلت منها الزمان والمكان .. والمزاج بسبب من الصوت المتّقد لصبيّ القهوة الذي لا يني يروح ويجيء مردّداً طلبات الزبائن، الصوت الذي أعادني من غيبوبتي المؤقّتة.
السيّدة الفرنسية – على ما حسبت من لغتها ومن شحّ حضورها البارد – الجالسة لصقنا إلى حدّ، بقيت طوال سهرنا تحاول أن تكون أحداً منّا، فالحياة لا تهبها غير فرصة واحدة لتكون في الحُسين، حيث مزاج الليل متذبذب بين السخط والسخرية والرّقة. مزاج الليل في بلدها – فرنسا – لاعلاقة له بمثل هذه الأشياء. بقيت الفرنسية كما لو تُقشّر بياض بشرتها، في رغبتها بجوارحها كافة، إلى أن تُشبهنا، تكون أحدنا، سوى أنها بقفطانها الفيروزي من خان الخليلي، وعقدها النيلي، وطريقتها في احتساء الشاي بالنعناع وفي بسط يديها والدوران الزائغ لعينيها، منحت مشهدها ظلاً تابعاً ومُقلدّاً، كاريكاتورياً بالنسبة لي في اجتهاده إلى ليل الآخرين الشرقيين، ومكان الآخرين، ولغة الآخرين. ظلّت ثلجية وظللنا غُرباء.
إنها تنظر لك بوّد بالغ – قال صديقي -، قلت فلتنظر ،لا طاقة لي على الودّ باللغة الفرنسية في هذا الليل الشرقي بامتياز.
شعرتُ بإنهاك جمّ أوشك أن يقصم غبطتي من منتصفها، ويحطّم السهر الحُلمي في الفيشاوي. انغلقت روحي في الزاوية التي ضيّقتها كثرة طلبات الساهرين، كما سدّت الطريق في عبورنا إلى الزقاق خارجين، سيّدة عربية مُمتلئة ومُحمّلة ساعداها ورقبتها، بحُلى ذهبية ثقيلة، وتساءلتُ بلؤم كيف لجسدي الذي لا يكاد يُلحظ أن يتأتى له حمل كل هذه الغنائم؟ كل هذا الذهب الذي يجرح سواد الليل والعين؟
ثمة حزن خاص في مغادرة مُطلق مكان. لكننا في اللون الليلي وأخذ ينوص الآن، ويتثاءب أغلب القاعدين من دون الرغبة بمجرّد زحزحة أجسادهم، غادرنا صديقي وأنا، وقد ألقيت نظرة أخيرة مُعتقدةً أنني ربما أغنم قصيدة جديدة من هذا السهر وتتشكّل في رأسي الآن.
حين أيقنت في سريري في الفندق أن ما من قصيدة أكتبها، دخلت في نومي أبحث عنها، فيما النيل يمارس حياته خارج غرفتي وقد شرع الفجر بالانبلاج، ويتدبّر حيلة ما لمعاودة حياته النهارية، وأساه من أشياء تدور حوله .. وعليه.

* عناية جابر - الميادين

205

0% ...

آخرالاخبار

المصدر العسكري لـ "تسنيم": الأميركيون فشلوا في منع إيران من معاقبة السفن المخالفة وتعرضت قواعدهم في المنطقة للقصف


المصدر العسكري لـ "تسنيم": الأميركيون كانوا يسعون الليلة الماضية إلى منع إيران من معاقبة السفن المخالفة


مصدر عسكري لوكالة "تسنيم": مزاعم الولايات المتحدة بشأن اشتباكات الليلة الماضية تلفيقٌ ولا علاقة لها عملياً بزرع الألغام


وكالة "تسنيم" عن مصدر عسكري: مزاعم الولايات المتحدة بأن عدوانها كان يهدف إلى منع إيران من زرع الألغام هي محض أوهام


إيجئي: ليعلم العدو أن أبناء إيران سيثأرون للدماء الأبرياء في إيران وسائر أراضي المقاومة، ولن نتخلى أبداً عن راية الثأر لدماء الشهداء


إيجئي: عدونا غادر ومجرم؛ فهو يرتكب الجرائم يومياً في لبنان، ولا يمر يوم دون استشهاد أبناء جنوب لبنان ومقاتلي حزب الله البواسل


إيجئي: لقد اعتدوا الليلة الماضية على أراضي بلادنا، فردّ حرس الثورة عليهم بقوة بعد دقائق قليلةً، ودمر قاعدتهم في الأردن. ونحن أكثر استعداداً من أي وقت مضى


إيجئي: تعزيز الأمن والتصدي بحزم للعناصر المناهضة للأمن، من القضايا التي يتفق عليها جميع أبناء الشعب والمسؤولين


رئيس السلطة القضائية محسني إيجئي: السلطة القضائية أكثر حزماً من أي وقت مضى في معاقبة العناصر التي تسعى إلى المساس بأمن البلاد


رئيس السلطة القضائية الإيرانية محسني إيجئي: خلافًا لأكاذيب العدو، فإن جميع مسؤولي النظام، كالشعب، متحدون في مواجهة العدو ولن يتراجعوا أمام أمريكا


الأكثر مشاهدة

وعود الدولة تصطدم بنار الإحتلال في جنوب لبنان!


مولد النبي يوحّد القلوب.. احتفالات شعبية واسعة في إيران


إنهيار الجيش الذي لا يُقهر: جنوده ينهارون تحت وطأة الحرب!


بلومبرغ: الجمهوريون الذين أوصلوا ترامب إلى البيت الأبيض بوعودٍ بكبح التضخم وإبعاد الولايات المتحدة عن الصراعات الخارجية، يخشون الآن من تراجع شعبيته مع ارتفاع أسعار الوقود ومعدلات التضخم


إصابة شاب برصاص جيش الاحتلال في منطقة التوام شمال غربي مدينة غزة


قناة "كان" العبرية: السعودية حاولت إقناع الولايات المتحدة بقيادة حملة عسكرية ضد أنصار الله في اليمن إلا أن واشنطن رفضت الطلب السعودي


"برس تي في" عن مصدر إيراني أمني: واشنطن تحاول تصوير المسار الجنوبي في هرمز على أنه يعمل بصورة طبيعية وسلسة


"برس تي في" عن مصدر إيراني أمني: عمليات إيران الرامية إلى إبقاء مضيق هرمز مغلقاً حقيقية خلافاً للروايات الأميركية الكاذبة


"برس تي في" عن مصدر إيراني أمني: من استهداف السفن التي تنتهك الترتيبات ومن تغيير ناقلات النفط مساراتها يتضح استجابة للتحذيرات


رئيس لجنة الأمن القومي بالبرلمان الايراني إبراهيم عزيزي: أمريكا وقعت في مستنقع من صنعها بسبب حساباتها الخاطئة


إبراهيم عزيزي: إن قوة إيران كسرت هيمنة أمريكا في العالم