ونقلا عن صحيفة "الوفد " المصرية الجمعة ، فان الاتهامات الموجهة لـمبارك لم تكن وليدة الظروف الحالية لكنها قديمة، وجرى التعتيم عليها كثيراً، وعلم بها الرئيس السادات قبل اغتياله بتسعة أشهر كاملة وتناولتها عدة تقارير رسمية من السفارة المصرية بواشنطن.. وسربت بعض معلوماتها وتفاصيلها مصادر مخابراتية، لعل أبرزها تلك التي خرجت على السطح، ووجدت طريقها إلى النور التي كشف عنها "وليد أبوظهر" من مجلة "الوطن العربي" قبل 30 سنة من الآن.. في العدد 206 بتاريخ 23 يناير 1981، وتأتي أهمية ما جاء فيه من معلومات من ارتباطها بأهمية الشخص الذي روى التفاصيل باعتباره قريباً من أجهزة الاستخبارات الدولية، وصاحب علاقات واسعة في دوائر صناعة القرار، في مقرات الحكم الأميركية والمصرية على حد سواء، وهو الأمر الذي كان له صدى واسع في جميع الأوساط.
التقرير رصد المعلومات الدقيقة، وتناول بالأسماء ما كان يجري من صراعات بين مراكز القوى في القاهرة، وتوتر العلاقة بين السادات ونائبه حسني مبارك، وعلاقة الأخير بالمخابرات الأميركية، وتفاصيل الانقلاب الأبيض، الذي كان يعد له مبارك للإطاحة بالسادات وكيف خطط السادات للتخلص من نائبه، بالاعتماد على منصور حسن وسيد مرعي.
أما التفاصيل التي تسربت من المخابرات الأميركية، تقول إن حسني مبارك، حزم حقائبه واستعد للسفر إلى واشنطن في يناير 1981، وقبل مغادرته للقاهرة، عقد اجتماعاً مع الرئيس، ليعرف التوجيهات منه، فيما يتعلق بالمباحثات مع الإدارة الأميركية، وفي واشنطن حرص مبارك أشد الحرص، على عقد اجتماع مع ريتشارد آلن الذي كان يستعد لمنصب مستشار الأمن القومي في الإدارة الجديدة التي سيتولاها رونالد ريغان، بالإضافة إلى اتصالات مكثفة مع عدد من رجال الأعمال الأميركيين والعرب، وكانت هذه الاجتماعات تدور على مستويين، أحدهما رسمي بحضور الوفد المرافق له في الزيارة وأشرف غربال سفير مصر في واشنطن، والثاني كان شخصاً، وينفرد فيه مبارك مع رجال الأعمال ورجال المخابرات.
المثير في الأمر، أن أشرف غربال رغم علمه بجميع اللقاءات إلا أنه أرسل للسادات تقريراً يتضمن ما جرى في الاجتماعات الرسمية.. ولم يتطرق من بعيد أو قريب للقاءات الشخصية التي أجراها مبارك مع بعض الشخصيات النافذة في واشنطن، وهذا يمثل لغزاً محيراً في الأمر، ويدفع لطرح تساؤل مشروع، لماذا تجاهل غربال المعلومات المحيطة بهذه اللقاءات؟. لكن المعلومات التي لم تتضمنها تقارير السفير المصري، سرعان ما عرفت وانكشف أمرها ومن بينها أن نائب الرئيس حرص على أن يبلغ ريتشارد آلن بأن أوضاع الجيش غير مطمئنة، وأنه شخصياً "أي مبارك" يتولى بصفة شخصية، الإشراف على تنظيم خاص وهو الحزب الحاكم، بهدف المحافظة على النظام، سواء رحل السادات أو اعتزل أو تخلى.مبارك كان يبعث برسائل مهمة عبر أقواله بغرض توصيل أنه يعد نفسه رئيساً للبلاد، وكان يقصد رسائله بمعلومات عن مرض السادات وعدم قدرته على تولي المسئولية، لأن أمراض القلب وقرحة المعدة والكلى يسببون له متاعب كثيرة.
لكن الأميركان بطبيعتهم لا يفوتون فرصة تمر دون تحقيق مكاسب، خاصة أنهم شعروا بعد أحاديث مبارك أن الوضع خطير في مصر، لكنهم طلبوا منه، توضيح مدى العلاقة التي تربطه بأبوغزالة، الذي كان يتولى مهمة الملحق العسكري في السفارة المصرية، ومدى التوافق بينهما، ولم يتوان مبارك في إثبات الجدية.. فتوجه في اليوم التالي مباشرة للقائهم ومعه أبوغزالة، الذي كان يقوم بزيارة لواشنطن في ذلك الوقت، وأكد الاثنان انهما متفقان تماماً.. ونتيجة لهذه اللقاءات جرت اتصالات بين الإدارة الأميركية ورجال أعمال عرب، ومؤسسة "باكتل الأميركية"، وأسفر ذلك عن قبول التعاون مع مبارك شريطة إبعاد السادات عن المشهد، لأن دوره نفد، وعلاقاته ساءت مع العرب، وجرى الحديث عن انقلاب أبيض على السلطة. بعد عودة مبارك طلب السادات من أسامة الباز تقريراً عن الاتصالات الهامشية التي جرت، فيما أشار إليه بأنه لم يحضر سوى الرسمية منها.. فاستدعى مدير المخابرات الفريق محمد الماحي، وطلب أدق التفاصيل من اتصالات ولقاءات مبارك، خاصة فيما يتعلق بالتنظيم العسكري الذي كلف السادات نائبه بالإشراف عليه مع التنظيم الحزبي، وعندما تسلم السادات تقرير "الماحي" أصيب بصدمة صعقته، وكأنه لا يصدق ما يقرأ.. فقد تضمن أن تجمعاً مدنياً وعسكرياً، يمسك بخيوطه "مبارك".. أما المفاجأة الأكثر درامية في ذلك، ولم يتوقعها السادات أن النبوي إسماعيل وزير الداخلية، ساعد مبارك بأجهزته البوليسية للوصول إلى التنسيق العسكري الحزبي، ولم يكن أمام السادات إلا استدعاء نائبه لإفهامه بأن مؤامراته في واشنطن معلومة، وقال له: أنا صنعتك وأنت من دوني لا تساوي شيئاً.. لأنك مخلوق بلا وفاء، فأنا اعتبرتك ابني.. وكنت أعدك لمتابعة المسيرة من بعدي، فإذا بك تتصرف هذا التصرف.. أنا الآن أستطيع أن أطيح برأسك.. لكن سأعطيك فرصة أخرى وسأختبر ولاءك من جديد«! وواصل السادات »لقد تبين لي أن التقارير التي كان يرفعها لي منصور حسن صحيحة.. وإن كنت أثق فيك أكثر منه والآن عليك التخلي عن مسئولياتك ما جاء بهذا التقرير يشير إلى أن منصور حسن يعلم الكثير، فقد كانت لديه تقارير عن مبارك، وكان يرفعها للسادات، فلماذا لم يتحدث، ومثل هذه الأمور أمانة تاريخية ستكشف النقاب عن الكثير من الأسرار التي ظلت غائبة.
وبالعودة مرة أخرى للصراع بين السادات ونائبه.. نجد أن الأول أحبط محاولة الانقلاب الأبيض الذي كان يعد له مبارك، بإبعاده تماماً على أن يتولي الشؤون الحزبية "التنظيم الخاص" منصور حسن، والتنظيم العسكري للفريق الماحي، لكن سرعان ما تلاشى نفوذ منصور حسن لدى السادات بعد تقديمه تقريراً عن فضائح عثمان أحمد عثمان صهر "الرئيس" وفي تلك الأثناء تقدم 60 ضابطاً من الجيش بعريضة للسادات يعترضون فيها على وجود تنظيم داخل الجيش يعمل تحت إشراف مبارك، وطالبوا بحله بالإضافة إلى عدم الاعتماد الكامل في التسليح على الولايات المتحدة الأميركية.. فتحفظ عليهم السادات إلا أن زملاءهم أجبروا السادات على الإفراج عنهم، ما جاء في تقرير المعلومات المسربة، يشير بوضوح إلى أن مبارك عرف مبكراً المؤامرات ومغازلة أجهزة الاستخبارات في سبيل البقاء على الكرسي، خاصة أن تلك الأجهزة هي التي أدارت علاقاته مع رجال البيزنس من العرب والأجانب.
ومن المفارقات العجيبة أن الأشخاص الذين يعرفون جميع التفاصيل، عن العلاقات الغامضة مع المخابرات وعلاقات البيزنس والعمولات، يقفون خارج دائرة الأحداث المشتعلة، والتاريخ لن يغفر لمن عرف والتزم الصمت فهل يتحدث كل من أشرف غربال ومنصور حسن.. أم ستموت الحقائق بالصمت؟ أم أن الأمر مرتبط بعلاقات خاصة بين مبارك والذين يعرفون الحقائق ويصمتون. اللافت للنظر، قبل غضب السادات وأسرته، عقب تناول منصور حسن لتقرير عن عدد من الفضائح، لم يسترد مبارك قوته مرة أخري، والصراع بين الرئيس ونائبه وصل لمنطقة ضبابية.. السادات لا يريد إحداث بلبلة بإخراج مبارك بشكل سريع.. والأخير يدير لعبته وفق اتفاقاته مع ريتشارد آلن.. لكن هذه الفترة الشهور التسعة الأخيرة من حكم السادات.. شهدت عودة قوية لسيد مرعي الذي نصح الرئيس السادات بالتروي قبل اتخاذ قرار بشأن نائبه.. وقرر السادات وفق نصائح صهره مرعي، تشكيل هيئة مستشاري الرئيس لتقليص سلطات مبارك، أما منصور حسين فتولى إلى جوار منصبه "وزير الثقافة" منصب وزير شؤون الرئاسة، وحصل على صلاحيات واسعة، بحيث لا تصل ورقة من الحزب أو الحكومة أو الجيش إلى الرئيس قبل وصولها لمنصور حسن، وفرض الرقابة على حسني مبارك، وهذا يساعد على التخلص منه وبالتالي المشير أبوغزالة وبدأت الكراهية تعرف طريقها من السادات وزوجته إلى النبوي إسماعيل، لكن كان التخلص من النبوي مشوباً بالمخاطر، لأن لديه قوات أمن مركزي، التي تشكلت للحفاظ على النظام وهي تأتمر بأمره.. لكن الأمر كان يحتاج لبعض الوقت، وزادت الكراهية نتيجة للرقابة الصارمة على تصرفات أسرة السادات من النبوي إسماعيل.. هذه التقارير المسربة من أجهزة الاستخبارات عرفت طريقها إلى النشر منذ 30 عاماً، وتناولت الكثير من المعلومات التي تخص الأمن القومي، تحتاج للنظر إليها والتحقق منها، فهي أخطر بكثير من تضخم الثروات أو تهريب المليارات، لأن الأمر يطرح تساؤلاً في غاية الأهمية.. هو كيف كانت تحكم مصر.. ومن الذي كان يحكمها.. خاصة إذا ما علمنا، أن الأمر لا يتعلق بمبارك نفسه، فقد امتدت أيادي الـC.I.A إلى آخرين في عهد مبارك، وهو ما كشف عنه الستار، بوب وود ورد في كتابه عن الحروب الخفية للمخابرات.. وأشار فيه إلى تجنيد أحد المقربين من دائرة الرئيس وفي مكتبه بمعرفة المخابرات المركزية الأميركية.. وكشف فيه قصة الابلاغ عن الطائرة التي أقلت المجموعة الفلسطينية "منفذي ضرب الباخرة إيفلي لاورو"، ولأن مبارك يعرف لغة المؤامرات، أوصى بأن من أبلغ المخابرات الأميركية هو أبوغزالة لحرقه!.
إذن القصة مرتبطة بالثروة والتخابر للوصول إلى السلطة وتحقيق الثروة من أجل ذلك استغل مبارك سوء العلاقات بين السادات والأنظمة العربية، وغضب واشنطن منه، فأراد تصعيد الصدام بطريقة غامضة.. خاصة أن بداية الانهيار في علاقات السادات داخلياً وصلت مداها.. لكن انهيار العلاقات في مؤسسة الرئاسة هو الذي كان مؤشراً خطراً على السادات، استثمره نائبه لصالحه.. فقد وصل مدى هذا الانهيار إلى الدوائر الأخري المحيطة بالرئاسة، وهو مجلس الشعب إذ تمرد 35 نائباً من حزب السادات "الموالين لتنظيم مبارك"، مع نواب المعارضة وإبراهيم شكري لمقاطعة إحدي جلسات البرلمان، التي قرر السادات أن يستضيف فيها "إسحاق فانون" رئيس الكيان الإسرائيلي أثناء زيارته للقاهرة، وأجبر السادات على إلغاء خطاب فانون من مجلس الشعب من برنامج الزيارة.
وكان تمرد نواب حزب السادات مرحلة أولى لنجاح مبارك في تكتيكه ضد الرئيس، كنوع من الاستفزاز والبدء في حملة اعتقالات لتأديب المعارضة، والخارجون عن طوعه من أعضاء حزبه.. وهو ما جرى لتلتف الدائرة حول عنق السادات، وينتهي الأمر بعدها بشهور قليلة، لأن يغتال.. ومبارك وأبوغزالة بجواره، هذا هو مبارك الذي حكم مصر 30 سنة، وقبل أن يحكمها تسربت تلك المعلومات.