عاجل:

آثار غارقة قرب البصرة منذ 165 سنة تحير العلماء والباحثين

الأحد ٠٩ أغسطس ٢٠٢٠
١١:١٤ بتوقيت غرينتش
آثار غارقة قرب البصرة منذ 165 سنة تحير العلماء والباحثين
كمية كبيرة من القطع الأثرية التي تنتمي إلى حضارات رافدينية غابرة نقلتها بعثة فرنسية عام 1855 بواسطة قوارب بدائية من الموصل إلى البصرة، تمهيداً لشحنها بحراً إلى باريس بغية عرضها في متحف اللوفر.

العالم - منوعات

لكن القوارب ما إن اقتربت من البصرة حتى غرقت مع حمولتها التي لا تُقدَّر بثمن في ظروف يكتنفها الغموض، ومنذ منتصف القرن الماضي تكرّرت بلا طائل محاولات العثور عليها.

تكفي لأربعة متاحف

في غياب الأدلّة القطعية، تعدّدت الروايات والتفسيرات بشأن أسباب وملابسات غرق القوارب، فهناك من يظنّ أن عاصفة شديدة أسفرت عن انقلابها وفقدان حمولتها.

وهناك من يرجّح استثارتها لطمع أشخاص هاجموها تحت جنح الظلام بدافع نهبها، ظناً بأنها محمّلة بمواد استهلاكية.

بينما يعتقد ميّالون إلى نظرية المؤامرة أن الإنجليز بسبب انزعاجهم آنذاك من الوجود الفرنسي في العراق حرّضوا سرّاً قبائل وعشائر على التصدّي لعمليات نهب الآثار، ما دفع بجماعة عشائرية إلى اعتراض وإغراق القوارب التي تُسمّى محلياً "أكلاك"، وهي طوافات مصنوعة من جذوع الأشجار وجلود الحيوانات.

وأفاد عالم الآثار البريطاني سيتون لويد في كتابه "آثار بلاد الرافدين" بأنّ "المنقّب عن الآثار والقنصل الفرنسي الفخري في الموصل بول إميل بوتا بعدما أكمل حملة تنقيب في مدينة خورساباد الأثرية (عاصمة الإمبراطورية الآشورية في عهد الملك سرجون الثاني)، نقل 235 صندوقاً من التماثيل مع آثار مختلفة على قارب وطوافات متّجهة إلى البصرة، وقرب منطقة القرنة.

حيث يلتقي نهر دجلة بفرع من نهر الفرات، هاجم رجال قبائل القافلة، وقلبوا محتويات الطوافات في الماء"، معتبراً أن "ما حصل يُعدُّ كارثة أثرية كبيرة".

وفي مذكراته التي نشرها تحت عنوان "أسس في التراب"، أشار لويد إلى أن "الآثار الغارقة قرب القرنة تكفي لافتتاح أربعة متاحف عالمية".

أما الكاتب والأديب إحسان وفيق السامرائي، فإنه ذكر في كتابه "لوحات من البصرة" أن "تقارير فرنسية تفيد بأنّ أسطول القوارب استثار طمع الأهالي الذين اعتقدوا أنها تحمل بضائع متنوعة، فهجموا عليها، وأغرقوا معظمها"، إلّا أنّ عالم الآثار والمستشرق البريطاني واليس بودج اعتبر في الجزء الأول من كتابه "رحلات إلى العراق" أن "القوارب المحمّلة بالآثار أصابتها رياح عاتية، وأدى تلاطم الأمواج إلى تصادمها مع بعضها بعضاً وغرقها، وبذلك غاصت التماثيل الأثرية في الوحل، وفُقدت إلى الأبد".

إبرة في كومة قش

عام 1956، خطّط فريق فرنسي لأول محاولة بحث ميدانية عن الآثار الغارقة، إلّا أنّ قرار العراق في تلك السنة بقطع العلاقات الدبلوماسية مع فرنسا على خلفية حرب السويس ضد مصر وأد هذه المحاولة في مهدها.

وعام 1971، أخذت جامعة طوكيو على عاتقها تنفيذ محاولة جديدة، وأوفدت إلى العراق فريقاً يضمّ خبراء في التنقيب عن الآثار وغواصين وجغرافيين ومصورين، وأجرى الفريق الياباني برئاسة الباحث نامو ايكامى مسوحات جيوفيزيائية انطلاقاً من ملتقى دجلة والفرات في منطقة القرنة، ولمسافة سبعة كيلومترات، مع التركيز على 24 موقعاً محتملاً.

وبعد أربعة أشهر من الجهود المضنية، وصلت أعمال البحث إلى طريق مسدودة، وتسرّب اليأس إلى نفوس أعضاء الفريق الذين كانوا كمَن يبحث عن إبرة في كومة قش هائلة، فغادر الفريق الياباني مطلع عام 1972، ووضع تقريراً يلخّص الجهود التي بذلها على أمل الانتفاع منه في محاولات مستقبلية، ومِمّا جاء في خلاصة التقرير أن "المقابلات مع السكان المحليين لم تساعدنا في التوصّل إلى موقع تقريبي لموضع الغرق".

وبحسب المدير السابق لهيئة الآثار والتراث في البصرة قحطان العبيد، فإنّ "فريقاً مشتركاً من باحثين في جامعات البصرة وبنسلفانيا وكارولاينا الجنوبية أجروا قبل أعوام قليلة مسوحات جديدة قرب منطقة الهارثة، وأيضاً لم يعثروا على شيء من الآثار الغارقة"، موضحاً أن "العثور عليها لو حصل في يوم ما، فسيكون هذا الإنجاز من أهم الاكتشافات الأثرية في العراق منذ عقود من الزمن".

مواقع أخرى محتملة

خلال عام 2012، تولّى هاشم العزام الذي كان مستشار محافظ البصرة لشؤون الآثار إعداد تقرير رسمي عن الآثار الغارقة، وخلص فيه إلى تخمين موقع جديد لحادثة الغرق، وقال لـ"اندبندنت عربية"، إن "القوارب أو الطوافات التي كانت محمّلة بالآثار غرقت على الأرجح قرب منطقة النخيلات الواقعة شمال القرنة.

حيث توجد هناك انعطافة في مسار نهر دجلة يكون تدفّق المياه فيها أسرع نسبياً"، مضيفاً أن "نسخاً من التقرير أرسلتُها إلى مجلس الوزراء ووزارة السياحة والآثار والحكومة المحلية في البصرة، فضلاً عن مديرية الاستخبارات لحماية الموقع، وبناء على التقرير كان من المؤمل إجراء مسوحات وتنقيبات في الموقع، لكن القضية طواها النسيان الحكومي".

بينما يتبنّى أستاذ التاريخ القديم في جامعة البصرة د. عادل هاشم وجهة نظر مختلفة بشأن موقع الحادث، والموقع الذي يرجّحه يبعد عشرات الكيلومترات إلى الجنوب عن الموقع الشائع في منطقة القرنة، إذ يرى أن "الآثار من المحتمل أن تكون غرقت قرب جزيرة السندباد، حيث ملتقى شط العرب"أروندرود" وشط الكرمة بني سعد"، معلّلا رأيه بأن "عدداً كبيراً من الرحّالة والمستشرقين الأجانب كانوا يظنون اشتباهاً أن التقاء شط العرب"أروندرود" وشط كرمة بني سعد في منطقة الهارثة هو موقع التقاء دجلة والفرات نتيجة تشابه معالم المنطقتين، ولذلك من المتوقع أن تكون الآثار قابعة في قاع شط العرب"أروندرود" بالقرب من منطقة الهارثة، خصوصاً أن جهود البحث التي بذلتها البعثة اليابانية في منطقة القرنة لم تتمخّض عن شيءٍ".

وأشار هاشم إلى أن "العثور على الآثار الغارقة عملية صعبة ومعقّدة للغاية"، موضحاً أن "تقنيات الاستشعار بالموجات الكهرومغناطيسية مصمّمة لاكتشاف المعادن، والآثار أكثرها قطع حجرية، كما أنها بعد مرور أكثر من قرن ونصف القرن على غرقها قد غارت بعمق بسبب تراكم الأطيان فوقها".

ثيران مجنّحة وألواح

لا تتوفّر معلومات تفصيلية عن الآثار الغارقة، لكن الرسام الفرنسي يوجين فلاندين الذي رافق المنقّب الفرنسي بول إميل بوتا خلال أعمال التنقيب في عدد من المواقع الأثرية في الموصل رسم بعض القطع قبل نقلها وغرقها، وتشير الرسومات إلى أن من بين المفقودات ثيران مجنّحة وألواح حجرية مأخوذة من قصر الملك آشوربانيبال (685-627 ق.م) الذي كان يلقّب "ملك العالم"، وفي عهده بلغت الإمبراطورية الآشورية أقصى امتداد في ضوء هيمنتها على مصر وفارس، علاوةً على قطع أخرى من قصر الملك الآشوري سرجون الثاني (722-705 ق.م)، الذي واجه في بداية حكمه ثورات وتمرّدات هزّت أركان الإمبراطورية الآشورية، ثم بدّدها وسحقها تباعاً.

وأكد مدير متحف الناصرية الحضاري عامر عبد الرزاق لـ"اندبندنت عربية"، أن "القطع الأثرية الغارقة عددها بالآلاف، وأكثرها عبارة عن قطع صغيرة"، مضيفاً أنها "من الآثار المهمة جداً، وذات قيمة تاريخية لا تُعوّض، والبحث عنها لاستعادتها مهمة وطنية تتطلّب اهتماماً حكومياً".

ومع أن العراق موطن الحضارات السومرية والأكدية والبابلية والآشورية، وفيه بدأت عجلة التاريخ الإنساني بالدوران عند اختراع الكتابة بأنامل سومرية، إلّا أنّ قطاع الآثار لا يحظى في الحاضر بالعناية والأهمية التي يستحقّها، ولعلّ الأسهل من البحث عن آثار غارقة مجهولة الموقع هو التنقيب في تلال أثرية شاخصة في مواقع معلومة، لكن البعض منها بدل أن تمتدّ إليها أيادي المنقّبين الآثاريين لتكتشف أسرارها وتستخرج كنوزها، طالتها بعد عام 2003 أيادي العابثين وسرّاق الآثار.

ولولا الدعم والتشجيع الدوليين في تأسيس جمعية في لندن لجمع التبرعات، عام 2019، لما افتتح متحف للحضارات القديمة في البصرة.

وفي خضمّ ذلك، من المستبعد العثور في المستقبل القريب على الآثار الغارقة، إذ يبقى موقعها لغزاً عصيّاً على الحلّ إلى أجل غير مسمّى.

0% ...

آخرالاخبار

الإعلام الحربي اليمني: ترقبوا الساعة الرابعة عصرا...مشاهد لضرب تحشيدات تابعة للعدو السعودي في جبهة الفليحة جنوب محافظة مأرب


الكرملين: الرئيس الروسي سيكون مستعدًا لإصدار أمر بعدم شن ضربات ضد أوكرانيا تحديدًا في يوم الانتخابات


الكرملين: كييف لا ترغب في إجراء انتخابات وهي تحتاج لهدنة تلتقط أنفاسها خلالها وتواصل الحرب


شتاء غزة.. معاناة النازحين تتجدد تحت المطر والبرد


مصادر سورية: قوة من جيش الاحتلال تتوغل في ريف درعا الغربي وإطلاق نار باتجاه أراضٍ زراعية في وادي الرقاد


بلبلة أوروبية بشأن مقولة ترامب حول زيلينسكي


بزشكيان: الجرائم المرتكبة بحق المدنيين وأبناء شعبنا العزيز دليل على الازدواجية الفاضحة لمدعي حقوق الإنسان والديمقراطية


مسعود بزشكيان: سنقف بقوة في وجه عدوان وبلطجة أميركا وحلفائها الساعين لتركيع البلاد ولن ننحني أبداً أمام غطرسة الأعداء


الكرملين: الأوروبيون لا ينتمون إلى معسكر السلام فيما يتعلق بالأزمة الأوكرانية بل يمثلون معسكر الحرب


الكرملين: روسيا لا تريد هدنة بشأن الأزمة الاوكرانية بل سلاماً طويل الأمد


الأكثر مشاهدة

العدوان يلوّث الأرض والماء.. طهران تطالب بتجريم الإبادة البيئية


قصف مدفعي مستمر يستهدف المنطقة الواقعة بين بلدة زوطر الشرقية وميفدون وبلدة المنصوري


السعودية.. اضطراب في حركة الملاحة الجوية فوق المنطقة الشرقية فوق الدمام-بقيق


6 غارات جوية سعودية على مديرية مجز في صعدة اليمنية


وزارة الصحة اليمنية: 91 شهيدا و168 جريحا معظمهم نساء وأطفال ضحايا العدوان السعودي منذ بداية تصعيده في الثالث من سبتمبر الماضي


التحالف السعودي: ‏سقوط مقذوف في محيط مطار الملك فهد الدولي بالدمام


بقائي: الحكومة الأمريكية تمثل التهديد الحقيقي للشعب الأمريكي


مصادر إعلامية: سماع دوي انفجار في جدة


تحليق لطيران العدو الحربي بشكل كثيف شمال ووسط فلسطين المحتلة


نيويورك تايمز: الهجوم اليمني على المطار الرئيسي في الرياض بالسعودية، أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 12 شخصا وإصابة 50 آخرين


وسائل إعلام عراقية: عودة طائرتين كانتا متجهتين من العراق إلى إيران، وهبوطهما في مطار النجف الدولي