عاجل:

الحرب قيادة.. والحكم قيادة..

الإثنين ٠٥ سبتمبر ٢٠٢٢
٠٣:٥٠ بتوقيت غرينتش
الحرب قيادة.. والحكم قيادة.. يكثر المسؤولون الغربيون من استخدام مثل شائع في الإنكليزية ألا وهو: «الأفعال تتحدث بصوت أعلى من الأقوال»، أو كما قالت المرشحة لقيادة حزب العمال البريطاني ليز توس مؤخراً عن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: «سأحكم على أفعاله وليس على أقواله»، وأعتقد أنه من الحكمة أن نطبق هذا المثل على منشئيه ورعاته؛ أي على المسؤولين الغربيين وأن نحكم على أفعالهم وليس على أقوالهم أو على ما يروجون له في إعلام أصبح له مساره الخاص به بعيداً عن مجريات الواقع وحقيقة الأمور.

العالم -- مقالات وتحليلات

وإذا أخذنا على سبيل المثال لا الحصر الحرب الدائرة اليوم في أوكرانيا وهي حرب انخرط بها الغرب حتى الثمالة من خلال تحويل غير مسبوق للأسلحة إلى أوكرانيا ورفدها بالمرتزقة من كل أصقاع الأرض، نجد أولاً أن مقولة «الإعلام الحرّ» لا أساس لها من الصحة، وأن أي إعلامي يتجرأ أو يحاول أن يشير إلى جزء من حقيقة ما يجري على الأرض في أوكرانيا، ينال أقسى العقوبات، إذ من غير المسموح أبداً أن يتمّ حتى التفكير بمسببات هذه الحرب والمسؤولية المحتملة لجميع الأطراف أو بعضها، في نشوبها. فالسردية الوحيدة المقبولة، بل والمسموح بها أن تظهر في الإعلام الغربي، هي أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو المسؤول، وأنه يجب إنزال أشد العقوبات بالرئيس بوتين وبروسيا الاتحادية وأن هذه قضية وطنية وأخلاقية غربية لا يجوز التشكيك فيها أو طرح أي سؤال بشأنها.

لقد لاحظنا من قبل أن الحرب الغربية الإرهابية على سورية أُعطيت صورة في الإعلام الغربي لا علاقة لها بما يجري على أرض الواقع، وتمت تسميتها وتوصيفها من قبل جميع الدارسين الغربيين بأنها «حرب أهلية» في حين الواقع يشهد أن تضامن الشعب السوري وتراحمه مع بعضه البعض وتعاضد جميع أبنائه عبر الطوائف والأقاليم، كان السبب الأساس في صمود سورية ودحرها لأعتى حرب إرهابية شنها الغرب على أي بلد في الماضي أو الحاضر، ولكن الحرب الدائرة في أوكرانيا والعقوبات غير المسبوقة التي فرضها الغرب على روسيا بهدف إضعافها وتلقين رئيسها بوتين درساً لا يُنسى، قد ارتدت على فارضي هذه العقوبات تضخماً وغلاء وإفقاراً، في حين قفز الروبل ليصبح من أهم العملات العالمية وتطورت العلاقات بين روسيا والصين وإيران بما يعد بمستقبل سياسي واقتصادي مختلف للعالم برمته.

السؤال الجوهري الذي يجب طرحه هنا هو: أوَليس الغرب هو الذي يشنّ الحروب ويغيّر الأنظمة بحجة نشر الديمقراطية والتي من المفروض أن تضمن حرية الشعوب بأن تعبّر عن ذاتها ليس في صناديق الاقتراع فقط وإنما في أي مفصل قد يلحق الضرر بحريتها وكرامتها أو لقمة عيشها واستقرارها المادي والنفسي؟ أين هي الحرية التي عبرت عنها مراكز الأبحاث أو الجامعات أو الكتاب الغربيون في انتقاد سياسات تلحق بالغ الضرر بشعوبهم ذاتهم؟ وأين هي الأهداف التي تحدث عنها قادة هذه الدول لتبرير ما لحق بشعوبهم من تضخم وغلاء أسعار وفقر وفقدان للوظائف وتراجع عام في مستوى الحياة؟ وما هو المأمول بالنسبة لهذه الشعوب وما هو الانتصار الذي يتمّ التعويل عليه أو انتظاره؟.

الأدهى من ذلك أن قيادات هذه الدول لا تتوقف عن الإعلان بين الفينة والفينة عن مليارات الدولارات المخصصة «لمساعدة أوكرانيا» أي لإرسال السلاح الغربي إلى أوكرانيا لقتل وتهجير شعبها ومراكمة الديون الهائلة على مستقبل أبنائها، في حين تبقى مصانع السلاح الأميركية هي المستفيد الأوحد من استمرار الحرب، فقد أعلنت الولايات المتحدة منذ أيام أنها خصصت 3 مليارات دولار لأوكرانيا، وكانت قد خصصت مليار دولار قبل فترة وجيزة، وكذلك تفعل بريطانيا وفرنسا وألمانيا على حساب قوت شعوبها وقدرة هذه الشعوب على العيش الكريم المحترم. إذا كانت هذه البلدان قد درجت على اتهام الدول الأخرى التي لا تتبع مسارها بـ«الديكتاتورية» وعدم الإنصات لأصوات شعوبها فماذا يمكن أن يقولوا اليوم وهم يلحقون بالغ الأذى بشعوبهم في حرب عبثية لا طائل منها ولن يكتب لهم الانتصار فيها ولا للشعب الأوكراني؟ لأن الانتصار في الحروب هو دائماً للموت والتهجير والنزوح والفقر. لقد نشر سايمون جينكز مقالاً مهماً في جريدة «الغارديان» البريطانية في 29 تموز 2022 يقول فيه: «إن التلميح فقط بموضوع الشك أو العقوبات على روسيا كفيلة بأن يتم تصنيفك بأنك مؤيد لبوتين وضد أوكرانيا»، وأضاف: «العقوبات هي صرخة الحرب وصريخ الغرب اليوم».

وبما أن كثيراً من الكتاب الغربيين يدّعون في مقالاتهم أن الرئيس بوتين يفعل ما يريد لأنه ليس قلقاً على انتخاباته المقبلة يحق لنا أن نسأل: أولا يفعل القادة الغربيون ما يريدون في هذه الحرب ويسرفون في ضمان استمرارها ورفدها بالمال والسلاح والمرتزقة؟ والمشين في الأمر أن هذه الدول الغربية التي تدّعي الحرص على الإنسان وحقوقه وحريته لا تخجل من التصريح أن «العقوبات طالما أنها توجع فهي فاعلة، وأنها نوع مقبول من العدوان»، والسؤال هو: من توجع هذه العقوبات؟ إنها توجع الشعوب التي تعمل وتطمح وتجاهد من أجل حياة حرة وكريمة. وقد درجنا نحن في دولنا ومنطقتنا على مشاهدة الغرب يعبث بحياة البشر في آسيا وإفريقيا بطريقة تبرهن على عدم احترام حياة وحقوق الإنسان بل وإلحاق أكبر الضرر والأذى بها، ولكن الجديد في الموضوع اليوم هو أن حكام الدول الغربية لا يأبهون أيضاً بمعاناة شعوبهم وليسوا مستعدين أن يعيدوا النظر بحماقات ارتكبوها بحق شعوبهم وشعوب استهدفوها وأخرى تذرعوا بمحاولة حمايتها.

يشير المؤرخ الاقتصادي نيكولاس مودلر أن ثلاثين حرب عقوبات شنها الغرب خلال الخمسين سنة الماضية أتت بنتائج عكسية: من كوبا إلى كوريا وميانمار وإيران وفنزويلا وروسيا، وأن الأنظمة التي استهدفتها العقوبات الغربية قد خرجت دائماً أقوى من هذه العقوبات. ما هي القصة إذاً في الغرب وهل يمكن أن يكون الإرهاب الإعلامي بعدم السماح لأحد بالتساؤل عن جدوى الموقف الغربي من هذه الحرب أن يكون سببه الإدراك العميق بأن لا جدل ولا سردية ولا منطق يمكن أن يبرّر ما يتم ارتكابه بحق هذه الشعوب ولذلك فالأفضل نشر الرهاب والخوف حتى من التساؤل؟ أم إن الأزمة في الغرب أعمق بكثير ألا وهي أزمة حكام ليسوا قادة ولا يحسنون تقدير ما يجري ولا ما يجب أن يكون ولا يعلمون أنهم لا يحسنون ذلك فيستمروا في طغيانهم يعمهون. هل الحرب على أوكرانيا هي نتاج أزمة قيادة عميقة في الغرب تؤشر إلى مسار سيزداد صعوبة وتعقيداً إلى أن تتمكن الشعوب من إيجاد صيغ وآليات جديرة بتغيير هذا الواقع لمصلحتها ولمصلحة الإنسانية برمتها؟

بقلم: أ. د. بثينة شعبان

0% ...

آخرالاخبار

لجنة الانتخابات المركزية في كيان العدو: معسكر نتنياهو يحصل على 54 مقعداً مقابل 47 لمعسكر آيزنكوت و19 للأحزاب العربية بعد فرز 70.7% من الأصوات


وزارة الصحة في غزة: ارتفاع حصيلة العدوان "الإسرائيلي" على غزة إلى 74564 شهيدا و175770 جريحا


الخارجية الإيرانية: على قطر الالتزام بمتطلبات الوساطة


الالتزام بالأمن الجماعي، ضامن الأمن المستدام في المنطقة


طهران تؤکد أهمية الحوار الإقليمي لضمان الأمن والاستقرار


عراقجي: لايزال التأثير المدمر على الأسواق الدولية لأي مغامرة عسكرية إسرائيلية مصدر قلق كبير لكل من موردي الغاز ومستهلكيه


ترامب أهدر 47 مليار دولار في حربه علی ايران


تعثر مفاوضات الائتلافات وسط صراع علی الأغلبية


أخر نتائج الانتخابات الاسرائيلية بعد فرز نصف الأصوات


الخارجية الايرانية: الاجتماع الرباعي دليل على نهج إيران المسؤول تجاه مصالح دول المنطقة المشتركة


الأكثر مشاهدة

حركة المقاومة الإسلامية حماس: التقرير الذي أصدرته اليوم لجنة تحقيق دولية مستقلة تابعة للأمم المتحدة يُعد دليلا أمميا جديدا على حجم الجرائم والانتهاكات المروعة التي يتعرض لها شعبنا


وزير الخارجية العُماني: لا أمن في الخليج الفارسي من دون مشاركة إيران


وزير الخارجية العُماني: لابد من مشاركة طهران في أي ترتيبات إقليمية تهدف إلى تعزيز الأمن الجماعي في المنطقة


وسائل إعلام سورية: سقوط ضحايا مدنيين من جراء غارات جوية أردنية جنوبي قرية المسمية في ريف درعا


الهلال الأحمر الفلسطيني: 3 إصابات إثر اقتحام قوات الاحتـلال مدينة قلقيلية شمالي الضفة الغربية


وسائل إعلام لبنانية: قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف وادي زبقين وبلدتي المنصوري ومجدل زون جنوبي البلاد


عضو المجلس السياسي الأعلى في اليمن محمد علي الحوثي: تصريحات الخارجية السعودية بشأن خفض التصعيد في المنطقة تتناقض مع استمرار عدوانها وحصارها وتصعيدها ضد اليمن


محمد علي الحوثي: نحذّر من استدراج القوات المصرية إلى حرب جديدة تستنزف قدراتها وتخدم مخططات العدو "الإسرائيلي" للانقضاض على سيناء


محمد علي الحوثي: ندعو أعضاء ما يُسمّى "تحالف الدفاع عن مكة" إلى الخروج منه وعدم الانخراط في تحالفات عدوانية ضد بلدنا


الحكومة السورية المؤقتة: نؤكد أن العملية العسكرية الأردنية لم يجر أي تنسيق بشأنها مع الجانب السوري مسبقا


مديرية الصحة في درعا جنوب سوريا: استقبلت مشافي محافظة درعا حتى الآن 8 ضحايا من بينها رجل مسن و3 أطفال و4 مصابين بجروح متفاوتة نتيجة القصف الجوي الأردني