عاجل:

هندسة تركيا لأمير سوريا

الثلاثاء ٢٢ أبريل ٢٠٢٥
٠٩:٠٠ بتوقيت غرينتش
هندسة تركيا لأمير سوريا من خُطَب التجييش الجهادية إلى المقابلات الإعلامية المصقولة، ومن العمل تحت راية القاعدة إلى تصدُّر المشهد، لا يمكن فهم الصعود اللافت لأبي محمد الجولاني دون التوقف عند دور أنقرة الحاسم في تمكينه وتعويمه.  

العالم - سوریا

في منطقة تتقاطع فيها المصالح الدولية والإقليمية، برزت تركيا كلاعب مركزي في إعادة تشكيل الخارطة السورية عبر أدواتها المسلحة، وكان الجولاني هو الورقة الأهم التي وضعتها على الطاولة.

ما بدأ كعلاقة تساهل أمني وتحالف ظرفي، تحوّل إلى مشروع استثماري طويل الأمد: مشروع تحويل الجولاني من قائد لتنظيم إرهابي إلى "حاكم دمشق"، ومن أمير حرب إلى شريك يمكن التفاوض معه.

خطبةٌ مشبوهة

أبو محمد الجولاني، واسمه الحقيقي أحمد حسين الشرع، شقّ طريقه من صفوف الجهاد في العراق إلى قيادة فرع القاعدة في سوريا، ليؤسس "جبهة النصرة" عام 2012. لأعوام، تصدّر قوائم الإرهاب العالمية، وتورطت جماعته في مجازر، اغتيالات، وفرض أنظمة قمعية على السكان في المناطق التي سيطروا عليها.

لكن بعد عام 2016، بدأ الجولاني "عملية غسيل سياسي" ممنهجة، غيّر فيها اسم تنظيمه إلى "هيئة تحرير الشام"، وفكّ ظاهرياً ارتباطه بالقاعدة، وبدأ يرتدي البدلة بدل الزي الأفغاني. اللافت أن هذا التحوّل جاء متزامناً مع الانخراط العسكري التركي في الشمال السوري، وتحديداً في إدلب، حيث قامت تركيا بترسيخ وجودها العسكري عبر نقاط مراقبة، ثم بتحويل إدلب إلى ما يشبه "المنطقة المحمية" للجولاني.

إمارة برعايةٍ تركية

منذ 2018، هيمنت "هيئة تحرير الشام" على الحياة السياسية والعسكرية والاقتصادية في إدلب، وفرضت سلطتها عبر "حكومة الإنقاذ"، جهاز إداري تابع للهيئة يدير المعابر، الأسواق، التعليم، والقضاء. وبحسب تقارير موثقة من هيومن رايتس ووتش ولجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، فإن الهيئة مارست الاعتقال التعسفي، التعذيب، وتقييد الحريات الدينية والسياسية، في ظل صمت تركي مطبق.

تركيا التي تمتلك عشرات النقاط العسكرية في الشمال، والتي أدّعت أنها "تراقب خفض التصعيد"، لم تفعل شيئاً لمواجهة سيطرة الجولاني، بل ساعدته عملياً على ترسيخ سلطته عبر إغلاق الطرق أمام الفصائل المنافسة، ومنع أي هجوم محتمل عليه من قوات النظام السابق أو روسيا.

وبدل أن تكون إدلب منطقة نزاع معقد، تحوّلت إلى "حديقة خلفية" لتركيا، يسيّرها الجولاني كوكيل محلّي، ويديرها كسلطة أمر واقع، فيما تتدفّق البضائع من تركيا، وتُفتح المعابر تحت رقابة الهيئة، ويُسمح له بجني ملايين الدولارات عبر الضرائب والإتاوات.

المال والسلاح تحت العين التركية

أشارت تقارير ميدانية واستقصائية بوضوح إلى أن الدعم الذي تلقته الفصائل الموالية لأنقرة، من سلاح وتمويل، ينتهي جزء كبير منه في يد "هيئة تحرير الشام"، إما بشكل مباشر أو عبر صفقات مشبوهة مع "فيلق الشام" و"الجيش الوطني"، التابعين لتركيا.

المعابر الحدودية، مثل "باب الهوى"، خضعت بالكامل لهيئة الجولاني، وجنت منها عشرات الملايين من الدولارات سنوياً. ورغم أن هذه الأموال استخدمت في تمويل جهاز أمني أشبه بالمخابرات، ومؤسسات قمعية، لم تعترض أنقرة، بل حافظت على تدفّق الدعم بحجّة "الاستقرار".

ووفق تحقيق نشره Der Spiegel عام 2022، فإن “تركيا تستخدم باب الهوى كأداة ضغط سياسي، وتحافظ على دور الجولاني كوسيط موثوق للعبور الآمن، مقابل إخضاعه الكامل للمصالح التركية.

ولم تكتفِ تركيا بالدعم الضمني، بل قامت أجهزتها الإعلامية، وبعض منصّاتها الدينية والسياسية، بتقديم الجولاني كرجل عقلاني، "متخلٍّ عن التطرف"، في محاولة لإعادة تأهيل صورته أمام المجتمع الدولي.

في تقرير سرّي مسرّب من الاستخبارات الفرنسية نُشر عبر Le Monde Diplomatique عام 2023، جاء فيه أن "الاستخبارات التركية شجعت الجولاني على تقديم نفسه كخصم لداعش وبديل معتدل عن القاعدة، وأوصت قيادته بفتح قنوات حوار مع وسائل إعلام غربية".

التقرير نفسه يؤكد أن أنقرة قدمت تغطية لوجستية لتحركات قياديين في الهيئة داخل الأراضي التركية، بما في ذلك لقاءات مع وسطاء من أجهزة استخبارات أجنبية.

من جهة أخرى، وثّق مركز سينتوريون الأميركي للدراسات الأمنية أن ما لا يقل عن 30% من شحنات الذخائر التي سلمتها تركيا لفصائل "الجيش الوطني" انتهت في مخازن "تحرير الشام" عبر صفقات داخلية أو تسهيلات متعمّدة.

حاكم سوريا الجديد

بدت فكرة وصول الجولاني إلى سدة الحكم في سوريا ضرباً من الجنون، لكنه اليوم الحاكم الفعلي لشريط جغرافي واسع في البلاد، ساعده على ذلك ضعف المعارضة السياسية، وانهيار الدور العربي، وغياب مشروع سوري مستقل، لتصبح سوريا عبارة مناطق يحكمها وكلاء محليون، تحت النفوذ العسكري والسياسي التركي المباشر.
الجولاني، من وجهة نظر أنقرة، هو القائد "المنضبط"، الذي يمكن التحكّم فيه، والذي لا يشكّل تهديداً داخلياً، ويستطيع إخضاع السكان بقوة الأمر الواقع. أما تطرفه الماضي، فيمكن طمسه بالإعلام، وتسويقه عبر حملات "مكافحة الإرهاب" الكاذبة.

أحمد علي إبراهيم
صحفي ومحلل سياسي سوري

0% ...

آخرالاخبار

مخبر: الرابح الحقيقي في هذه المواجهة هو إيران، التي نجحت في نقل كلفة الحرب إلى داخل أمريكا


مستشار قائد الثورة محمد مخبر: بذل ترامب المجرم كل ما بوسعه لضمان فوز حزبه، لكنه تلقّى صفعة من شعبه


نيكزاد مخاطباً الولايات المتحدة: عودوا إلى أرضكم وإلا فسوف تضطرون إلى الفرار بذلّ وعار أشدّ


نائب رئيس مجلس الشورى الإيراني علي نيكزاد : هزيمة ترامب في الانتخابات الأميركية هي إحدى تداعيات فشله أمام الشعب الإيراني


قائد الثورة : نكران الجميل تجاه الانتصارات العظيمة التي حققها الشعب الإيراني هو خطأ


قائد الثورة : "الشيطان الأكبر" يسعى إلى فرض الاستسلام غير المشروط على إيران


قائد الثورة : أي ميل ولو ضئيل نحو الخضوع للعدو المهيمن سيبدد انتصارات شعبنا ويشجع العدو المتغطرس على المزيد من العدوان


السيد مجتبى خامنئي: الوضع في مضيق هرمز أثبت خيانة وعجز القوى العظمى في الدفاع عن أنظمتها العميلة


السيد مجتبى خامنئي: تعزيز السيادة ووحدة الساحات من فلسطين ولبنان والعراق واليمن بشارة لرفع راية الحق والاستعداد لنظام عالمي جديد


قيادي في حرس الثورة: استهداف قادتنا سيقابله استهداف قادة العدو


الأكثر مشاهدة

مصادر لبنانية: الاحتلال ينفذ تفجيراً في بلدة بني حيان جنوب لبنان


سماع دوي انفجارات من جانب البحر في مدينة لنگة جنوبي إيران


مصادر لبنانية: قصف مدفعي من جيش الاحتلال يستهدف وادي زبقين جنوب لبنان


وكالة «إرنا»: تقارير عن نشاط للدفاع الجوي في سماء جزيرة قشم جنوبي البلاد


وكالة الأنباء الإيرانية «إرنا»: سماع دوي خمسة انفجارات متتالية في جزيرة قشم ولم تعرف الأسباب حتى الآن


مصادر فلسطينية: جرحى برصاص قوات الاحتلال الاسرائيلي في منطقة الإقليمي جنوب مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة


العلاقات العامة لحرس الثورة: إسقاط مسيّرتين استطلاعيتين أمريكيتين من طراز MQM-170 في أجواء جنوب جزيرة قشم والاستيلاء عليهما


حرس الثورة: الدفاعات الجوفضائية تمكنت من اعتراض وتدمير الطائرة المسيرة المتقدمة رقم 55 من طراز MQ9 شرق مضيق هرمز


وكالة الأنباء المركزية الكورية (KCNA): كوريا الشمالية أعلنت أنها اختبرت صاروخ كروز استراتيجي يوم الاثنين


حرس الثورة: إصطياد طائرتين أمريكيتين من طراز (MQM-170) في جزيرة قشم


حرس الثورة يعلن عن تدمير طائرة مسيرة متطورة من طراز (MQ9)