عاجل:

نسبة الحضور الأمريكي في المنطقة وأمن العرب - بقلم محمد مهدي عمادي مقدم

الخميس ١٩ مارس ٢٠٢٦
٠٣:٠٧ بتوقيت غرينتش
نسبة الحضور الأمريكي في المنطقة وأمن العرب - بقلم محمد مهدي عمادي مقدم عندما تتعرض دولة لهجوم عسكري، فإنه يحق لها، وفقاً للمنطق المعترف به في قواعد العلاقات الدولية، أن تقوم بالدفاع عن نفسها ليس فقط عبر استهداف القوات المهاجمة، بل أيضاً عبر استهداف كافة البنى التحتية ومراكز الدعم العملياتي التابعة لها[1].

في هذا الإطار، فإن أي قاعدة أو منشأة يستخدمها العدو لتجميع قواته أو توفير الدعم اللوجستي أو المعلوماتي، وتكون عنصراً فاعلاً في تصميم أو تنفيذ العمليات العسكرية ضد الدولة المُدافعة، تُعتَبر في منطق الحرب هدفاً عسكرياً مشروعاً، حتى لو كانت هذه المنشآت تقع خارج حدود الدولة المعتدية[2]. وبناءً على ذلك، عندما تتحول القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في بعض الدول العربية إلى منصات انطلاق لشن هجمات ضد إيران، فإن استهدافها يصبح قابلاً للتفسير والتبني في إطار منطق الدفاع الشرعي عن النفس.

امتداد حرب رمضان إلى الدول المضيفة للقوات الأمريكية

التحولات الناتجة عن حرب رمضان تُعدّ إحدى النقاط المفصلية المهمة في تشكّل أنماط الأمن في غرب آسيا. خلال العقود الأخيرة توصل حكّام الدول العربية في هذه المنطقة إلى قناعة مفادها أنه من أجل الحفاظ على الاستقرار الداخلي وأمن أنظمتهم السياسية، وخصوصًا في مواجهة إيران، ينبغي لهم الاعتماد على قوة من خارج المنطقة.

وبناءً على ذلك، أصبح الوجود العسكري للولايات المتحدة، بشكل قواعد عسكرية ومنشآت لوجستية ومظلّة أمنية، يتحول تدريجيًا إلى أحد الركائز الاستراتيجية في سياساتهم الأمنية[3]. وقد ترسّخ هذا النمط بشكل خاص بعد الثورة الإسلامية في إيران، ثم بعد الحرب العراقية الإيرانية، من خلال إقامة العديد من القواعد العسكرية الأمريكية في الدول العربية المطلة على الخليج الفارسي.

في الوقت الراهن، يميل جزء ملحوظ من حكّام هذه الدول إلى إقرار نوع من التماثل الضمني بين أمنهم وأمن القوات والقواعد الأمريكية الموجودة على أراضيهم؛ بمعنى أنهم ينظرون إلى أي تهديد يستهدف هذه القواعد على أنه تهديد مباشر لاستقرارهم وأمنهم. ولهذا السبب، عندما تقوم إيران في سياق الحرب الأخيرة باستهداف هذه القواعد بوصفها مراكز عمليات للقوات الأمريكية، فإن ردود الفعل الرسمية لهذه الدول غالبًا ما تقترن بالاحتجاج وإبداء القلق؛ إذ إن بقاء هذه البنى التحتية العسكرية الأجنبية يُعدّ، في منطقهم الأمني، جزءًا من آلية الحفاظ على الأمن[4]. ومع ذلك، فإن هذا التصور ينطوي من منظور استراتيجي على خطأ حسابي جوهري، تعود جذوره إلى فهم غير دقيق لطبيعة حضور القوى من خارج المنطقة، ولا سيما الولايات المتحدة، في غرب آسيا. ففي الواقع، يعتقد كثير من العرب أن الوجود الأمريكي على أراضيهم لا يشكّل فقط حاجزًا أمام التهديدات المحتملة، بل يوفر لهم أيضًا نوعًا من الضمانة الأمنية المستدامة. غير أن تجربة الحرب الحالية تُظهر أن القوى الكبرى عادة ما تعرّف أمن حلفائها ليس بوصفه هدفًا مستقلاً، بل ضمن إطار مصالحها الجيوسياسية والاستراتيجية[5]. ولذلك، وعلى المدى الطويل، لا يُلاحظ التزام أو حضور فعّال من جانب واشنطن تجاه هواجس دول المنطقة.

من هذا المنظور، فإن القواعد العسكرية الأمريكية في هذه الدول تُعدّ في الواقع جزءًا من شبكة القوة العسكرية للولايات المتحدة لإدارة الصراعات الإقليمية، وممارسة الضغط على إيران، والحفاظ على التفوق الجيوسياسي في واحدة من أهم مناطق الطاقة في العالم، أكثر مما هي أدوات دفاعية لحماية هذه الدول. لذلك، عندما تتحول هذه القواعد إلى مراكز عمليات في سياق التوترات والصراعات الإقليمية، تجد الدول المضيفة نفسها، بشكل غير مباشر، جزءًا من معادلة الحرب.[6]

ومن هنا، فإن أحد أبرز نتائج التطورات العسكرية الأخيرة، ولا سيما المواجهات المرتبطة بالتوتر بين إيران والغرب، قد يتمثل في نشوء نوع من إعادة التفكير في الذهنية الأمنية لدى الدول العربية؛ إعادة تفكير قد تدفعها إلى إدراك حقيقة مفادها أنه لا يمكن في الوقت نفسه توفير منصات عملياتية لأعمال عسكرية موجهة ضد إيران، وفي المقابل توقّع البقاء بمنأى عن التداعيات الأمنية لمثل هذا التصعيد.

ضرورة إعادة النظر الأمنية لدى حكّام الدول العربية في المنطقة

في هذا الإطار، يمكن اعتبار أحد الإنجازات السياسية المحتملة لإيران في سياق التحولات العسكرية والأمنية الجارية هو إحداث تغيير تدريجي في هذه المعادلة الذهنية لدى الحكّام العرب. إذ ينبغي ملاحظة أنه إذا كانت دائرة انعدام الأمن قد امتدت في بعض الأزمات الإقليمية إلى دول الخليج الفارسي أو حتى إلى دول مثل الأردن[7]، فإن ذلك كان في جانب منه نتيجة وجود القوات العسكرية والاستخباراتية الأمريكية وحلفائها على أراضي هذه الدول، واستخدام قواعدها لتنفيذ عمليات ضد إيران. وفي مثل هذه الظروف، بشکل طبیعی أن تكتسب أي مواجهة بين إيران والغرب قابلية للامتداد إلى جغرافية هذه الدول؛ لأن البنية التحتية العملياتية للحرب موجودة على أراضيها[8]. وهنا تبرز النقطة الاستراتيجية المتمثلة في أن الأمن الإقليمي المستدام لا يمكن أن يتشكل إلا عندما تدرك دول المنطقة أن «الأمن الحقيقي ينبع من التعاون الإقليمي وعلاقات حسن الجوار، لا من الاعتماد على الوجود العسكري للقوى من خارج المنطقة».

وبعبارة أخرى، إذا كان من المقرر أن يتشكل نظام أمني جديد في منطقة الخليج الفارسي، فإن أحد شروطه الأساسية يتمثل في تغيير هذه الرؤية السائدة لدى بعض الحكّام العرب، وهي الرؤية التي تعتبر الوجود العسكري الأمريكي عامل استقرار، في حين أن هذا الوجود قد تحول في كثير من الحالات إلى أحد عوامل إنتاج عدم الاستقرار وتصعيد المنافسات الجيوسياسية.

ينبغي نهتم بأن إيران تسعى إلى إيصال رسالة استراتيجية إلى الدول المجاورة مفادها أن علاقاتها معها يمكن أن تقوم على أساس مبدأ حسن الجوار، والتعاون الاقتصادي، والأمن الجماعي الإقليمي. إلا أن استخدام أراضي هذه الدول لأي أعمال عسكرية ضد إيران سيقود، بطبيعة الحال، إلى ردٍّ مقابل. وعليه، إذا توصلت الدول العربية في المنطقة إلى قناعة بأن أمنها الحقيقي لا يتحقق عبر استضافة قواعد عسكرية أجنبية، بل من خلال خفض التوترات الإقليمية وتعزيز الترتيبات الأمنية المحلية، فإن ذلك قد يمهّد الطريق لظهور نظام أمني مختلف في المنطقة؛ نظام تُعرَّف فيه أمنيات الدول على أساس التعاون بينها، بدل الاعتماد على القوى الخارجية، بما يقلّل إلى الحد الأدنى من احتمال انتقال الحروب ذات الطابع الخارجي إلى جغرافيتها. أما في حال استمرار الوجود النشط للقوات العسكرية والاستخباراتية الأمريكية وحلفائها على أراضي هذه الدول، واستخدام بنيتها التحتية لتنفيذ عمليات ضد إيران، فإن أي تصعيد في التوتر بين إيران والغرب قد يمتدّ نطاقه إلى هذه الدول أيضًا؛ إذ إن منطق الحرب ومبدأ الدفاع المشروع يقتضيان استهداف مراكز العمليات والدعم التابعة للطرف المقابل بوصفها أهدافًا مشروعة، بغضّ النظر عن موقعها الجغرافي.

بقلم: محمد مهدي عمادي مقدم ، خبير العلاقات الدولية

المصادر:

[1] منظمة هيومن رايتس ووتش، **المعايير القانونية في النزاعات المسلحة وتعريف الهدف العسكري، 2001.

https://www.hrw.org/reports/2001/kosovo/undword2e.html

[2] مركز الدراسات الاستراتيجية بوزارة الدفاع الفرنسية، عريف الهدف العسكري في القانون الدولي الإنساني، 2022.

https://www.irsem.fr/strategic-brief-no-35-2022-translation.html

[3] مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، **الاتجاهات المتغيرة في القوات العسكرية والأمنية في الخليج: تقييم شامل**، 2023.

https://www.csis.org/analysis/changing-trends-gulf-military-and-security-forces-net-assessment

[4] موقع مركز الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بجامعة كامبريدج، تشكل النظام الأمني في الخليج الفارسی، 17 أغسطس 2022.

https://cmenaf.org/2022/08/the-shaping-of-the-persian-gulf-security-order

[5] موقع مجلس العلاقات الخارجية، كيف تُشكِّل القوى الكبرى أمن حلفائها، 27 يونيو 2024.

https://www.cfr.org/report/how-great-powers-shape-allies-security

[6] موقع فورين بوليسي (السياسة الخارجية الأمريكية) ،القواعد الأمريكية تحت النيران واختبار تحالف الخليج الفارسی، 9 مارس 2026.

https://usforeignpolicy.org/articles/gulf-alliances-iran-strikes-us-diplomacy-march-2026.html

[7] موقع تي بي إس نيوز (TBS News)، تضرر ما لا يقل عن 17 قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط جراء الهجمات، 12 مارس 2026.

https://www.tbsnews.net/worldbiz/middle-east/least-17-us-sites-damaged-middle-east-strikes-analysis-1384351

[8] موقع أسوشيتد برس (Associated Press)، الولايات المتحدة تقول إنها دمّرت زوارق إيرانية لزرع الألغام، 11 مارس 2026.

https://apnews.com/article/acf2af139d179fbef62927a8bf9bea55

0% ...

آخرالاخبار

متحدث مقر "خاتم الانبياء": سيتم استهداف جميع البنى التحتية المتعلقة باميركا والكيان الصهيوني


استهداف مقاتلة اميركية من طراز "اف 35"


تنفيذ الموجة 65 لعمليات "الوعد الصادق 4" باستخدام منظومة "نصرالله" لاول مرة


الخزانة الأمريكية: أصدرنا ترخيصا عاما يسمح ببيع النفط الخام الروسي والمنتجات البترولية المحملة على السفن


يسرائيل هيوم: دفعة صاروخية مزدوجة بين إيران وحزب الله تستهدف شمالي إسرائيل


مجلس الأمن الدولي يعقد جلسة مشاورات مغلقة وطارئة الليلة بشأن الأوضاع في الشرق الأوسط


السيد الحوثي يعزي إيران ويؤكد: نحن في ذروة الصراع مع أعداء الإسلام والمسلمين


بالتزامن مع كلمة نتنياهو.. إيران تُطلق موجة جديدة من هجماتها تجاه شمال فلسطين المحتلة


مستشار رئيس البرلمان الايراني: ستكون هناك المزيد من المفاجآت.. إيران اليوم هي مختلفة عن كل المراحل السابقة وهي اقوى ومستعدة لحرب طويلة


المقاومة اللبنانية: إستهدفنا شركة يوديفات للصناعات العسكرية شرق مدينة حيفا بصلية صاروخية


الأكثر مشاهدة

عراقجي: أي مساعدة للولايات المتحدة في مضيق هرمز تعني التواطؤ في الحرب


وسائل إعلام عبرية: سقوط رؤوس متفجرة وشظايا صاروخية في عدد من مناطق تل أبيب إثر هجوم إيراني


استهداف القواعد الاميركية والاحتلال الصهيوني في الموجة الـ63 من عمليات الوعد الصادق 4


حرس الثورة الاسلامية: أجبرنا ناقلة نفط عملاقة على الانسحاب بسرعة بعدما حاولت تجاهل القيود المعلنة في مضيق هرمز


إيران تحمل البحرين مسؤولية هجمات المعتدين وتطالب بتعويضات


الجيش الايراني: سنستخدم في الايام القادمة اسلحة اكثر تطورا


المقاومة الاسلامية في لبنان: استهدفنا 3 دبّابات ميركافا في بيدر الفقعاني في بلدة الطيبة


"أ ف ب": ارتفاع سعر خام "برنت" بأكثر من 5% وسط مخاوف جديدة تتعلق بالإمدادات من "الشرق الأوسط"


معاريف : صواريخ حزب الله تستطيع الوصول بسهولة إلى مفاعل ديمومة


"أ ف ب": ارتفاع سعر خام "برنت" بأكثر من 5% وسط مخاوف جديدة تتعلق بالإمدادات من "الشرق الأوسط"


حرس الثورة الاسلامية: تم استهداف 80 هدفًا عسكريًا في جنوب ووسط وعمق الأراضي المحتلة