أولا: هل الحرب تغيّر المعادلة؟
الحرب الأخيرة كشفت حقيقة مهمة ألا و هي، أن دول مجلس التعاون قد تُدفع إلى صراع لم تختَرْه، بل إن بعض التحليلات ترى أن التصعيد يهدف إلى جرّ المنطقة إلى مواجهة أوسع قد تطال المصالح الغربية والخليجية معا حيث أظهرت أن لا فائدة من زيادة القناعة بخيار التهدئة لأن لا أحد بمنأى عن التصعيد و الحرب تهدد الجميع دون استثناء وهذا قد يدفع بعض الدول لإعادة تقييم موقفها.
ثانيا: مستقبل القواعد الأمريكية في المنطقة
السؤال الأكثر حساسية هو: هل ستعيد دول مجلس التعاون النظر في وجود القواعد الأمريكية؟
يتوقع بعض المحللين أن الحرب الحالية قد تدفع دول المنطقة لإعادة تقييم علاقتها الأمنية مع واشنطن، وهناك مؤشرات تدفع نحو التفكير في ذلك خاصة بعد استهداف القواعد الأمريكية مما يجعل الدول المضيفة عرضة للخطر، و الأهم من ذلك يرتبط أمن المنطقة بصراعات لا تتحكم بها، مما يدفع إلى إندلاع حرب فاتورتها الاقتصادية و الأمنية باهظة الثمن.
إن الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة لم يكن يوما منفصلا عن الاستراتيجية الأمريكية الكبرى في الشرق الأوسط، والتي تقوم على ركيزتين أساسيتين:
الأولى، حماية تدفق الطاقة والمصالح االقتصادية الغربية، والثانية، ضمان التفوق للكيان الإسرائيلي باعتباره الحليف الأوثق لواشنطن في المنطقة.
ولكن و رغم ذلك، يرى البعض إن الانسحاب و التخلي عن القواعد الأمريكية ليس قرارا سهلا بداعي عدم وجود بديل أمني فوري بنفس القوة ، و أن التوازن العسكري في المنطقة لا يسمح بهذا الفراغ و أن بعض الدول لا تزال ترى في واشنطن الضامن الرئيسي للاستقرار.
في الحقيقة هذه الرؤية متناقضة بالكامل مع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي فُسِّرت في الأوساط السياسية والحقوقية والإعلامية في المنطقة على أنها تعكس مقاربة براغماتية تضع مصالح الولايات المتحدة في المقام الأول، حتى في الحالات التي تعرضت فيها دول المنطقة لمخاطر تمس أمنها أو اقتصادها أو مواردها الحيوية مثل النفط والغاز...
ثالثا: النموذج العُماني… سياسة "الحياد النشط"
تتبنى سلطنة عمان سياسة خارجية مختلفة عن بقية دول في الخليج الفارسي، حيث تقوم على الحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف مع لعب دور الوسيط بين الخصوم، وفي الوقت ذاته تتجنب الانخراط في المحاور والصراعات. و على هذا الأساس نجحت مسقط في أن تكون قناة تواصل بين واشنطن وطهران لسنوات، حتى في ذروة التوتر. لكن هذه السياسة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج قراءة استراتيجية تعتبر أن الاستقرار أهم من الاصطفاف.
رابعا: لماذا لا تطبق بقية دول مجلس التعاون هذا النموذج؟
طرح فكرة تحالف دول مجلس التعاون مع إيران بدل اعتبارها تهديدا يبدو منطقيا من زاوية "تقليل الصراعات"، لكنه في الواقع يصطدم بتعقيدات تجعل هذا الخيار صعبا، وإن لم يكن مستحيلا بالكامل. حيث تعتمد هذه الدول على التحالفات الدولية، خصوصا مع الولايات المتحدة الأمريكية و قوى غربية أخرى، كما أن البعض منهم سارع في المشاركة مع الكيان الإسرائيلي عبر "اتفاقيات إبراهيم"، ووقعت اتفاقيات لتطبيع العلاقات دبلوماسيا واقتصاديا معه برعاية أمريكية، كما أنها ترى الأمن في التوازن والردع.
في المقابل، إيران على خلاف مع هذه القوى، ما يجعل أي تحالف معها معقدا دبلوماسيا و محفوفا بتكاليف سياسية واقتصادية.
الاعتماد على المظلة الأمريكية
منذ عقود نرى دول مجلس التعاون تحت المظلة الأمريكية و تعتمد بشكل أساسي على الوجود العسكري الأمريكي لضمان أمنها، وهو ما يشمل القواعد العسكرية و أنظمة دفاع جوي اضافة إلى شراكات أمنية. و هذا الاعتماد يجعل من الصعب تبني سياسة حياد كامل، لأن الأمن مرتبط بالتحالف مع واشنطن و أي تقارب مع إيران قد يُفهم كإعادة تموضع استراتيجي.
في المقابل تتمتع سلطنة عُمان بخصوصية موقعها الجغرافي كونها تقع خارج مركز التوتر المباشر في الخليج الفارسي و حدودها المفتوحة مع إيران، ناهيك عن تاريخ طويل من العلاقات المستقرة بين البلدين. بينما دول أخرى تقع في قلب المواجهة، ما يجعل خياراتها أكثر حساسية.
خامسا: هل تقترب دول المنطقة من النموذج العُماني؟
ربما ليس بالكامل، لكن المؤشرات تقول إن هناك إدراك متزايد لأهمية الحوار مع إيران. بمعنى آخر، قد لا تتحول دول مجلس التعاون إلى "نسخة من عُمان"، لكنها قد تقترب من بعض عناصر سياستها، خاصة في إدارة الأزمات و فتح قنوات الاتصال التي أثبتت التجربة أن قنوات الحوار ليست رفاهية، بل ضرورة لتجنب الانفجار.
بات من الواضح أن الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة والذي كان يُنظر إليه تاريخيا باعتباره عنصرا داعما لمنظومة الردع والحماية الوقائية، لم يؤدِّ الدور المتوقع منه ، و هذه المعطيات تمثل درسا استراتيجيا مهما لدول مجلس التعاون، يؤكد ضرورة تعزيز الاعتماد على الذات، وبناء توازنات دولية متعددة بما يحفظ الاستقرار ويحمي المصالح العليا لشعوب المنطقة و يبرز الأهمية لبناء علاقات مع دول الجوار وليس عداوات و أن تستوعب هذه الدول المخاطر الحقيقة و الحلفاء الحقيقيين ومن يرغب في التحالف و من لديه مطامع توسعية وايدلوجية معها ومن يرغب في إستنزاف دول مجلس التعاون وتدميرها او تحريضها لتدخل في فخ ومستنقع الحرب مع إيران لكي تكون دول المنطقة ضعيفة وفاقدة للإستقرار و السيادة و القرار السياسي.
بقلم : حيدر زيبرم