وعن مؤشرات فشل ترامب يمكن الاشارة الى تآكيد الرئيس الامريكي على استمرار التعاون النفطي بين ايران والصين وايضا امتناع الجانب الصيني عن الإدلاء بأي تصريح بشأن أي موضوع له علاقة بإيران. كما يمكن الاشارة الى التآكيد الصيني على موقفها الرافض للحرب العدوانية الأمريكية ضد إيران وذلك بعد انتهاء زيارة ترامب، كما أكدت بكين على حق ايران في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، اضافة الى ذلك حذر الرئيس الصيني من خطر نشوب حرب في حال استمرار سياسات امريكا بشأن تايوان.
ترتكز إيران في ترسيخ قوتها على عواملها الداخلية. مع انطلاق الحرب العدوانية الثالثة، لم تصدر عن القوى العظمى كالصين وروسيا، أي مواقف قاطعة أو جدية ضد الولايات المتحدة. ولكن إيران وحدها فرضت الفشل على العدو، وذلك بصمود وقوة وشجاعة القوات المسلحة، والدعم الواسع من قبل الشعب. أظهرت إيران قوتها الميدانية والوطنية في مواجهة العدو الأمريكي الصهيوني، وأثبتت في الوقت نفسه للعالم بأسره -أصدقاء كانوا أم أعداء- أنهم أمام إيران مختلفة. يتمثل جوهر معادلة القوة على المستويين العالمي والإقليمي في إثبات إيران لقدرتها وهيبتها، مما يجعلها متغيرًا مستقلاً يؤثر في سياسات وقرارات جميع الدول والقوى الكبرى.
السيطرة الذكية والمدروسة على مضيق هرمز من قبل إيران هي أمر ثابت ومسألة محسومة. قرار إيران الذكي بالسماح لعديد من السفن الصينية، ومن بينها ناقلات نفط عملاقة، بعبور مضيق هرمز، إنما يدل على أن السيطرة الإيرانية على المضيق قد أصبحت أمراً واقعاً لا يقبل الجدل. بهذه الخطوة، أظهرت إيران للجميع، أنها تمتلك الخبرة في توظيف مضيق هرمز كأداة لرسم معادلات القوة على المستوى العالمي. فرض السيطرة على مضيق هرمز، بالإضافة إلى انطباقه مع المعايير القانونية والعقلانية، هو منطق القوة. وهو نفس المنطق الذي استخدمه الأعداء لسنوات كسلاح في مواجهة إيران.
لا يقتصر الارتباك الاستراتيجي الأمريكي على المواجهة مع إيران، بل تمتد أيضًا إلى التعامل مع الصين. حيث قام ترامب، بإعلان مواقف متضاربة وعصبية، وكشف للعالم ضعف الإمبراطورية الأمريكية المزعومة.
في زيارته للصين، عجز ترامب عن تحديد موقف دقيق وواضح تجاه ملف تايوان، مما كشف عن حالة الارتباك الاستراتيجي التي يعاني منها. ذلك أن العودة إلى المواقف السابقة، والتي تعني الاعتراف بفشل الزيارة وعدم جدواها، والقبول بالشروط الصينية بشأن تايوان، لاسيما قطع الدعم العسكري، مقابل مكاسب في الملف الإيراني، كان أمرًا مستحيلًا على المستوى الاستراتيجي بالنسبة لأمريكا (بالحزبين معًا) في مواجهة الصين كخصم منافس.
تدور حاليًا حرب الاستنزاف بين إيران والولايات المتحدة، والوقت يعمل بقوة ضد ترامب. التهديدات المتتالية بشن حرب جديدة على إیران، وفي الوقت نفسه إرسال الرسائل والردود وطلب مواصلة الحوار حول شروط إيران لإنهاء الحرب، كلها مؤشرات على أن ترامب وقع في فخ الزمن. مع فشل استمرار الحصار البحري علی ایران خلال أكثر من شهر، وتفاقم المؤشرات الاقتصادية في امریکا وانحاء العالم يرى ترامب انه لم يبق أمامه سوى خيارين لإنهاء هذا الوضع: التهديدات المتقطعة من ناحية، والسعي للتواصل مع إيران بأي طريقة من ناحية أخرى.
ما زالت خيارات جديدة تلوح في الأفق، ويُمكن لإيران وجبهة المقاومة توظيفها إذا ما اندلعت الحرب من جديد. صمت إيران المدروس إزاء تداول هذه الخيارات في وسائل الإعلام، يُعمق الشكوك الأمريكية حول جدوى تجديد الحرب مع إيران. ومن بین الخيارات يمكن الاشارة الى الكابلات البحرية التي تشكل العمود الفقري للاتصالات العالمية وایضا إغلاق مضايق بحرية اخری، وتوظيف أسلحة جديدة في المواجهات البحرية ضد حاملات الطائرات الأمريكية...
ترامب بفرضه حربًا غير مجدية على إيران، كشف النقاب عن الطبقات الخفية لسياسات الديمقراطيين والجمهوريين المناهضة لإيران. حيث اعترف الديمقراطيون بأن الهدف الأقصى للاتفاق النووي السابق (خطة العمل الشاملة المشتركة) كان أيضًا الحرب على إيران، لكن استمراره كان يمكن أن يوفر معلومات أكثر دقة لجعل الهجمات على إيران أكثر فعالية. وكشف هذا الاعتراف للجميع حقيقة أهدافهم القصوى، وأن سياسة الحزبين الرئيسيين في أمريكا تجاه إيران هي سياسة واحدة وتقوم على العدوان والتسلط واستخدام القوة.