عاجل:

من بيروت إلى طهران: كيف فرض "ميزان الميدان" والردع الإقليمي تراجع الإملاءات الأميركية؟

الثلاثاء ٠٢ يونيو ٢٠٢٦
٠٣:٢٨ بتوقيت غرينتش
من بيروت إلى طهران: كيف فرض بقلم: الصحفي و الكاتب د. أكرم شمص

حين تسقط الأوهام أمام حقائق الميدان

في السياسة الدولية، لا تُصاغ المعادلات الحقيقية على طاولات الدبلوماسية الأنيقة ولا في صالونات السفارات، بل تُكتب بالدم والنار على خطوط المواجهة الأمامية. وما شهدته الساعات الأخيرة في المشهد اللبناني – الإقليمي يمثّل نموذجًا واضحًا لكيفية سقوط الأوهام الدبلوماسية والأوراق التفاوضية الملغومة أمام صلابة الميدان وعنفوان المقاومة، مسنودةً بموقف إيراني حاسم غيّر قواعد اللعبة عند حافة الهاوية.

لقد حاولت الإدارة الأميركية، بالتناغم مع شهية العدوان الصهيوني، تسويق مقترح سياسي عبر قنوات متعددة، لعل أبرزها ما سُرّب عبر بيان السفارة اللبنانية في واشنطن. وقد قام هذا المقترح على معادلة مجتزأة: تحييد بيروت والضاحية الجنوبية من القصف مقابل وقف عمليات المقاومة تجاه العمق الصهيوني.

معادلة الفصل بين بيروت والجنوب

كان الهدف الأميركي – الصهيوني واضحًا: تحويل بيروت إلى رهينة جغرافية تُستخدم لانتزاع أمن مجاني للمستوطنات الشمالية، مع إبقاء الجنوب اللبناني ساحة مفتوحة للضغط العسكري والاستنزاف، وتكريس ما يسمى بحرية الحركة للعدو داخل الأراضي اللبنانية.

فالطرح لم يتحدث عن وقف شامل لإطلاق النار، ولا عن انسحاب الاحتلال من الأراضي اللبنانية، ولا عن وقف الاغتيالات والغارات في الجنوب، بل اقتصر على حماية الضاحية الجنوبية مقابل وقف عمليات المقاومة. وهذا ما جعل المقترح يبدو وكأنه محاولة لرسم جغرافيا أمنية جديدة للبنان تُفصل فيها العاصمة عن الجنوب.

سقوط الفخ السياسي أمام موقف المقاومة

لكن هذه الصيغة لم تصمد طويلًا. فقد جاء الرد واضحًا من قيادة المقاومة والرئيس نبيه بري برفض أي ترتيب يفصل أمن العاصمة عن أمن الجنوب، والتمسك بثوابت أساسية تتمثل في وقف شامل لإطلاق النار، وانسحاب قوات الاحتلال، ورفض العودة إلى ترتيبات ما قبل الثاني من آذار، ورفض أي صيغة تمنح العدو الصهيوني امتيازات أمنية أو عسكرية داخل السيادة اللبنانية.

وهكذا سقطت محاولة فرض معادلة "الأمن مقابل الأمن"، لأن المقاومة نظرت إليها باعتبارها محاولة لإدارة العدوان لا لإنهائه، ولتقييد الرد اللبناني مع الإبقاء على اليد الصهيونية طليقة في الجنوب.

اعتراف أميركي بميزان القوى الحقيقي

هنا بدأت تتكشف حقيقة المشهد. فالإدارة الأميركية التي كانت تصر على التعامل عبر القنوات الرسمية اضطرت إلى الاعتراف بواقع مختلف عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن إدارته تواصلت مع حزب الله عبر ممثلين رفيعي المستوى.

هذا التصريح يحمل دلالات سياسية عميقة، لأنه يعني عمليًا أن واشنطن تجاوزت القنوات الرسمية التقليدية، واعترفت بأن القرار المتعلق بالحرب والتهدئة لا يمكن حسمه من دون التواصل مع الطرف الذي يمتلك التأثير الفعلي في الميدان.

لقد سقطت بذلك الصورة التي حاولت بعض الأوساط السياسية تسويقها حول قدرة المفاوضات الرسمية وحدها على إنتاج الحلول، وتأكد أن أي تفاهم أمني أو سياسي لا يمكن أن ينجح إذا تجاهل موازين القوى القائمة على الأرض.

طهران تدخل على خط الردع

غير أن العامل الحاسم في تغيير المشهد لم يكن دبلوماسيًا فقط، بل كان مرتبطًا مباشرة بالردع الإقليمي.

فخلال ساعات قليلة صدرت سلسلة مواقف وتحذيرات إيرانية متتالية، بدأت من مقر خاتم الأنبياء الاستراتيجي، مرورًا بتصريحات مستشار المرشد الأعلى، وصولًا إلى رسائل واضحة تحدثت عن إمكانية توسيع ساحات المواجهة لتشمل البحر الأحمر وباب المندب والمصالح الأميركية المنتشرة في المنطقة.

هذه الرسائل أوصلت إلى واشنطن معادلة جديدة مفادها أن استهداف بيروت والضاحية لن يُنظر إليه كحدث لبناني محلي، بل كخطوة قد تفتح أبواب مواجهة إقليمية واسعة تتجاوز حدود لبنان.

لماذا تراجعت واشنطن؟

لم تتحرك الولايات المتحدة حرصًا على اللبنانيين، بل لأنها أدركت أن مصالحها أصبحت مهددة بصورة مباشرة.

فواشنطن لم تتدخل عندما كان التصعيد محصورًا في الجنوب، لكنها تحركت فور اقتراب التهديد من بيروت والضاحية، لأن احتمال التدحرج نحو مواجهة إقليمية بات أكثر واقعية.

ومن هنا يمكن فهم الاتصال السريع بين ترامب ونتنياهو، والضغوط التي مورست لمنع تنفيذ التهديد بقصف بيروت، باعتبارها محاولة لاحتواء أزمة كانت تتجه نحو مستويات أكثر خطورة.

لقد أثبتت التطورات أن وحدة الساحات لم تعد مجرد شعار سياسي أو إعلامي، بل تحولت إلى معادلة ردع حقيقية تفرض نفسها على حسابات البيت الأبيض ومراكز القرار الغربية.

نتنياهو بين التراجع ومحاولة حفظ ماء الوجه

ورغم إعلان ترامب عن التهدئة، حرص بنيامين نتنياهو على التأكيد أن موقفه لم يتغير، وأن الجيش الصهيوني سيواصل عملياته في جنوب لبنان وفق الخطط الموضوعة.

هذا التناقض يكشف أن ما جرى لم يكن اتفاقًا نهائيًا، بل تراجعًا اضطراريًا عن خطوة كان يُخشى أن تؤدي إلى انفجار واسع.

فترامب كان يسعى إلى منع التصعيد الكبير، بينما حاول نتنياهو الاحتفاظ بخيار العودة إليه متى سنحت الظروف، ولذلك بدا المشهد وكأنه محاولة متبادلة لحفظ ماء الوجه أكثر منه تسوية مستقرة.

من يصوغ قواعد الاشتباك الجديدة؟

الجوهر الحقيقي للأزمة لا يتعلق فقط بمنع قصف بيروت، بل بالسؤال الأعمق: من يملك حق صياغة قواعد الاشتباك الجديدة؟

لقد حاولت واشنطن وتل أبيب فرض قواعد جديدة تقوم على فصل بيروت عن الجنوب، لكن المقاومة وحلفاءها رفضوا هذه المعادلة، وأعادوا التأكيد أن أي تهدئة لا تشمل كامل الأراضي اللبنانية ستبقى ناقصة وهشة.

ومن هنا فإن اجتماعات الأيام المقبلة لن تكون مجرد نقاش تقني حول وقف إطلاق النار، بل معركة سياسية حول شكل المرحلة المقبلة وحدود الدور الصهيوني داخل لبنان.

الميدان هو الحكم الأخير

في المحصلة، يحاول كل طرف اليوم تسويق روايته الخاصة للنصر. ترامب يقدّم نفسه كصانع صفقات منع الحرب الكبرى، ونتنياهو يتحدث عن استمرار العمليات وحق الرد، بينما تؤكد المقاومة أنها أسقطت محاولة فرض معادلة أمنية مجتزأة.

لكن الحقيقة السياسية الأوضح هي أن الإملاءات الأميركية لم تنجح في فرض شروطها، وأن شبح التصعيد الإقليمي، مدعومًا بموازين القوة الميدانية، أجبر الجميع على التراجع خطوة إلى الخلف.

لقد أثبتت هذه الجولة أن ميزان الردع لم يعد يُصاغ في أروقة الأمم المتحدة أو عبر الدبلوماسية الناعمة، بل يُصاغ في ميادين المواجهة الممتدة من غزة إلى جنوب لبنان، ومن البحر الأحمر إلى عمق الإقليم. وسيبقى الميدان، بما يحمله من قدرة على فرض الأكلاف وتغيير الحسابات، العامل الحاسم في منع العدو الصهيوني من الالتفاف على السيادة اللبنانية تحت أي غطاء سياسي أو دبلوماسي.

0% ...

آخرالاخبار

اللواء رضائي: الشخص الذي يريد الآن اتخاذ إجراءات ضدنا سيواجه في نهاية المطاف هزيمة اقتصادية كبرى  


اللواء رضائي: قوى أكبر من أمريكا حاولت إخضاع إيران وانتهت إلى مزبلة التاريخ


بيان مهم للقوات المسلحة اليمنية للإعلان عن عدد من العمليات العسكرية النوعية داخل العمق السعودي وعمليات أخرى في تمام الساعة السابعة مساء اليوم


محسن رضائي: إنهم يستخدمون 5 أو 6 قطع بحرية صغيرة لنقل النفط إلى ناقلات أكبر لكننا نستهدف بدورنا 5 أو 6 منها كل ليلة


اللواء رضايي: الحرب الأمريكية على إيران من أكثر الحروب حماقةً في تاريخ البشرية وإدارة ترامب سلّمت زمامها لنتنياهو دون تقدير دقيق لعواقب الدخول في الحرب


أكسيوس عن زيلنسكي: إذا وافقت روسيا على وقف إطلاق النار في قطاع الطاقة فإن أوكرانيا ستوافق أيضا


لبنان: قصف مدفعي إسرائيلي استهدف أطراف برعشيت - بيت ياحون في قضاء بنت جبيل


زيلينسكي رداً على ترامب: سأنظم انتخابات في أوكرانيا اذا وافق بوتين على وقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً


اللواء محسن رضائي: ترامب أقدم على تهريب النفط من خلال الاستعانة بعدد من الأشرار الناشطين في المياه الإقليمية لسلطنة عمان


أمين المجلس الأعلى للأمن القومي اللواء محسن رضائي للتلفزيون الإيراني: قائد "سنتكوم" يقود تهريب النفط وهو يستعين بالجيش الإماراتي


الأكثر مشاهدة

تصعيد دامٍ في أوكرانيا ومفاوضات متعثرة لإنهاء الحرب


الأمم المتحدة: سكان غزّة يواجهون شتاء رابعا بلا مأوى ملائم


النبطية تتحدّى الإحتلال بمهرجان الزيتون ورسالة صمود لا تنكسر


إضطراب الطيران في الرياض وحرائق الطاقة يواكبان تصعيداً يمنياً واسعاً


الرئيس بزشكيان: لا ينبغي أن تقتصر الدبلوماسية الإقليمية على عقد الاجتماعات فحسب


الرئيس بزشكيان: يجب أن تكون الدبلوماسية الإقليمية أداة حقيقية لإدارة الأزمات والحفاظ على الحوار ومنع التصعيد وتعزيز التعاون العملي


قاليباف يرد على مزاعم روبيو: ستركعون أمام الإيرانيين مجدداً


زيلنسكي: سنتوقف عن استهداف مصافي النفط الروسية إذا توقفت موسكو عن تدمير بنيتنا التحتية للطاقة


رويترز: وكالة الطيران الأوروبية توسع حالة التأهب في المجال الجوي السعودي، مشيرة إلى تزايد المخاطر الناجمة عن ضربات أنصار الله


فلسطين المحتلة: قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف شرقي مدينة غزة


مصادر يمنية: هجوم سعودي بالصواريخ يستهدف مناطق في مديريات كتاف والبقع وسحار وآل سالم بمحافظة صعدة