العباءة التي نسجت الخنادق: كيف تحول المحور من فكرة إلى قَدَر؟

الأحد ٢٨ يونيو ٢٠٢٦
٠٧:٤٩ بتوقيت غرينتش
العباءة التي نسجت الخنادق: كيف تحول المحور من فكرة إلى قَدَر؟ بقلم: الصحفي و الكاتب د. أكرم شمص

لم تكن "وحدة الساحات" مجرد مصطلح سياسي وُلد في روقة المكاتب المغلقة، ولا كانت شعاراً عاطفياً يُقال في خطابات المنابر لتهزج به الجماهير.

في فكر الإمام الشهيد القائد السيد علي الخامنئي، كانت هذه العبارة بمثابة هندسة جغرافية وسياسية جديدة للمنطقة، ورؤية عقائدية عميقة تنطلق من فكرة بسيطة لكنها حاسمة: "أن الجرح الواحد لا يُضمد إلا بجسدٍ واحد".

حين تسلّم الرجل الراية في نهاية الثمانينيات، كان العالم يمر بأكبر عملية إعادة صياغة؛ إمبراطوريات تسقط، وأخرى تتفرد بحكم العالم، والمنطقة العربية مقسمة إلى جزر معزولة وخائفة. وفي ذلك التوقيت بالذات، بدأ الرجل يخط بيده وبصبره "الاستراتيجي الهادئ" معالم مشروع لم يدرك العالم خطورته إلا بعد عقود. لم ينظر إلى قوى المقاومة بوصفها حلفاء مؤقتين، بل بوصفهم شرياناً حيوياً في جسد أمة واحدة، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.

حزب الله: من النواة إلى "النموذج المعجزة"

في قلب هذه الرؤية، كان لبنان، وتحديداً حزب الله، هو التجربة الأرقى والأنضج لهذا النهج. لم يكن الحزب في وعي القائد مجرد فصيل مسلح لمواجهة احتلال، بل كان "الابن البكر" للمدرسة الفكرية التي ترى في الكرامة خياراً وحيداً للبقاء.

منذ تسعينيات القرن الماضي، ومروراً بالتحرير عام 2000 ثم ملحمة تموز 2006، كان القائد يرعى هذا النمو ليس فقط بالدعم المادي والعسكري، بل بضخ "الوعي الاستراتيجي". كان يرى في الشهيد الاسمى السيد حسن نصر الله — رفيق السلاح والعقيدة — شريكاً في صياغة المعادلة. لم يُرِد القائد لحزب الله أن يكون قوة دفاعية محبوسة داخل حدود الوطن الصغير، بل أراد له أن يكون "جامعة المقاومة"؛ المدرسة التي تُصدّر الخبرة، والتكتيك، والإيمان إلى بقية الساحات.

ومن خلال هذا النهج، تحول حزب الله من مجموعات تقاتل بحرب العصابات في تلال الجنوب، إلى قوة إقليمية تمتلك ترسانة تضاهي جيوشاً كبرى، وتدير جبهات معقدة، وتصنع معادلات الردع التي جعلت العواصم الكبرى تحسب لها ألف حساب قبل أي حماقة.

هندسة الساحات: تفكيك الجغرافيا السياسية

السر الكامن في رؤية الشهيد القائد كان يكمن في قدرته على تحويل التهديد إلى فرصة. وواجه المحور محاولات عزل مستمرة؛ قيل لهم إنكم محاصرون، فقال: "إذاً سنلتقي في عمق الحصار".

من خلال ذراعه اليمنى، الشهيد قاسم سليماني، وبإشرافه المباشر، تحولت الجبهات المتباعدة إلى خط نار متصل:
• صنعاء لم تعد بعيدة عن القدس.
• بيروت باتت تتنفس برئة بغداد.
• دمشق تحولت إلى الجسر الوجودي الذي يربط الشرايين بعضها ببعض.
هذه هي "وحدة الساحات" في نهجه؛ أن تصبح الصواريخ في غزة، والمسيرات في اليمن، والخبرات في لبنان، والعمق الاقتصادي والاستراتيجي في طهران، سيمفونية واحدة تعزف على وتر واحد. إذا استُهدفت ساحة، تحركت الساحات الأخرى تلقائياً لتعيد توازن الردع. لم يعد بإمكان أي قوة في العالم أن تستفرد بفصيل أو دولة دون أن تفتح على نفسها أبواب الجحيم من جهات الأرض الأربع.
الإرث الروحاني للقوة

إن القوة التي تركها السيد الخامنئي وراءه لا تُقاس بعدد الصواريخ الدقيقة أو الطائرات المسيرة فحسب، بل تُقاس بذلك "الجيل الذي لا يهاب"، الذي تربى على أدبيات "السيادة المطلقة ومواجهة الاستكبار".
لقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن هذه القوة التي صُنعت على عين القائد وبصبره الممتد لـخمسة وثلاثين عاماً، أصبحت عصية على الكسر. غاب القائد جسداً، لكنه ترك خلفه عقيدة عسكرية وسياسية تمشي على الأرض. لقد علّم المحور كيف يقاتل بالصبر كما يقاتل بالسلاح، وكيف يحول الدماء إلى وقود للنصر.

ورغم غيابه، فإن مدرسة "العباءة الأخيرة" ستبقى حية في بنادق المقاتلين في جنوب لبنان، وفي عيون المنتظرين في فلسطين، وفي صرخات الحرية في اليمن والعراق. لقد رحل القائد بعد أن اطمأن أن البناء قد اكتمل، وأن "وحدة الساحات" لم تعد فكرة قابلة للنقاش، بل أصبحت حقيقة دموية مقدسة تحمي المنطقة، وتصنع فجرها الجديد.

من الفكرة إلى القدر
ولعلّ المفارقة الأبرز أن القائد الشهيد لم يغادر الساحة إلا بعد أن اطمأن إلى أن البناء الذي أمضى خمسة وثلاثين عاماً في تشييده بات قادراً على الوقوف بذاته. فالأحداث التي تلت رحيله مباشرة حملت دلالات عميقة على حجم التحول الذي صنعه في المنطقة.
فحين وجدت الولايات المتحدة نفسها مضطرة للرضوخ للشروط الإيرانية والانتقال إلى مناقشة الملفات الإقليمية وفق أولويات طهران، لم يكن ذلك نتيجة ظرف سياسي عابر، بل نتيجة تراكم طويل من موازين القوى التي أُعيد تشكيلها على امتداد عقود. ولم يكن من قبيل الصدفة أن يتصدر الملف اللبناني جدول النقاشات، وأن يمارس الضغط على الكيان الغاصب من أجل وقف شامل لإطلاق النار على كامل الأراضي اللبنانية، بعدما كان هذا الكيان لعقود يفرض شروطه ويحدد قواعد الاشتباك منفرداً.

هنا تتجلى إحدى أهم ثمار مشروع "وحدة الساحات". فلبنان الذي أراده القائد الشهيد جزءاً من منظومة ردع إقليمية متكاملة، لم يعد ساحة معزولة يمكن التعامل معها بمعزل عن بقية الجبهات. وأصبحت أي معادلة تخص الجنوب اللبناني مرتبطة بتوازنات تمتد من طهران إلى بغداد ودمشق وصنعاء وفلسطين.

إن ما حدث بعد رحيله يحمل رسالة رمزية عميقة؛ فالرجل الذي أمضى عمره يؤكد أن المقاومة يجب أن تتحول من رد فعل إلى معادلة استراتيجية، غادر فيما خصومه يتعاملون مع الوقائع التي صنعها مشروعه باعتبارها حقائق لا يمكن تجاوزها. وكأن التاريخ أراد أن يمنحه في أيامه الأخيرة شهادة على أن العباءة التي نسجت الخنادق، نجحت في تحويل المحور من فكرة في عقول المؤمنين بها إلى قدر سياسي وجيوسياسي يفرض نفسه على المنطقة والعالم.

0% ...

آخرالاخبار

خام برنت ينخفض أكثر من دولار إلى 87.03 دولار للبرميل


مقتل شخصين إثر سقوط طائرة مسيّرة على منزل خاص في مقاطعة ليبيتسك الروسية


وزير الطاقة الايراني: قطاع المياه والكهرباء أحدى نقاط قوة البلاد


طائرات الاحتلال الإسرائيلي تعتدي بغارة على النبطية الفوقا جنوب لبنان


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال الإسرائيلي تقتحم قرية عابا شرق جنين وتداهم منازل المواطنين


اعلن الجيش الأمريكي ان استهداف زورق تهريب في منطقة الكاريبي أسفر عن قتل 4 أشخاص


روسيا: تداعيات العدوان الأمريكي والإسرائيلي على إيران تتجاوز الشرق الأوسط


إصابة شخصين في انفجار طائرتين مسيّرتين داخل منشأة في مقاطعة بيلغورود الروسية


إطلاق نار من آليات الاحتلال شرق مدينة خان يونس جنوب القطاع غزة


اعلنت الخارجية الروسية ان ممارسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو تهدد الأمن في القارة الأوراسية.


الأكثر مشاهدة

تسارع المشاورات الإقليمية ومسارات الحوار بشأن مضيق هرمز... إليكم التفاصيل


بعد فشل المواجهة العسكرية.. واشنطن تعود إلى سلاح العقوبات


إيران تصمد أمام حصار ترامب وتُربك الحسابات الأمريكية!


رصاصة واحدة تُسقط زعيم المافيا القوقازية داخل"إسرائيل"


وزير الاقتصاد الإيراني مدني زاده تعليقاً على العقوبات الأميركية: استعددنا لهذه الأيام منذ وقت طويل وكنا نعرف مخططاتهم


وزير الاقتصاد الإيراني: عصر العالم أحادي القطب انتهى وسيدركون هذه الحقيقة مجدداً وسيرون أنهم لن ينجحوا على الإطلاق


مصادر لبنانية: قصف مدفعي للاحتلال الاسرائيلي يستهدف منطقة "علي الطاهر" جنوب لبنان


مصادر فلسطينية: إصابة 3 فلسطينيين في هجوم لمستوطنين على قرية أغرين جنوب الخليل جنوبي الضفة الغربية


الضفة الغربية: الاحتلال يعتقل طفلاً ويحتجز شابين في رام الله


رويترز: وزير الحرب الأمريكي خلال إحاطة حول الحرب ضد إيران: إن حركة الملاحة عبر مضيق هرمز تجري بوتيرة محدودة للغاية مقارنة بما يرغب فيه الجميع


وزير الحرب الأمريكي: سبب هذه المخاطر يعود إلى القوارب السريعة الصغيرة الإيرانية