عاجل:

ما الذي تريده "إسرائيل" من "تماسيح بن غفير"؟

السبت ١٨ يوليو ٢٠٢٦
٠٣:١٧ بتوقيت غرينتش
ما الذي تريده بقلم: احسان بَرسا

ليست المشكلة في "التماسيح" بوصفها حيواناً، بل في العقلية الإسرائيلية التي تحاول تحويل الأسر الفلسطيني إلى مشهد رعبٍ مُبرمج. حين يرفع الاحتلال الإسرائيلي الحماية عن تماسيح النيل، ثم يفتح الباب لتوظيفها ضمن منظومة أمنية تتعلق بمنشآت احتجاز للفلسطينيين، فهذه ليست خطوة تقنية أو إجراء إداري عابر. هذه ترجمة صريحة لنهج يقوم على كسر الإنسان، وصناعة الخوف، وتطبيع الوحشية تحت لافتة "الأمن".

وزير مايسمی بالأمن الوطني، بن غفير -وبوضوح شديد- لا يطلب "ردعاً" بقدر ما يطلب رسالة: أن السجن ليس مكاناً للالتزام بالقانون، بل ساحة لتوسيع دائرة الإذلال. ومن يظن أن الأمر يتعلق بضمانات وإجراءات تنظيمية، عليه أن ينتبه إلى جوهر الفكرة: إحاطة منشأة احتجاز بتماسيح ليست "منطق حماية"، بل منطق ترهيب وحشي. أي دولة تريد أن تجعل حيواناً مفترساً جزءاً من بيئتها العقابية، إنما تقول للمحتجز: لا قيمة لسلامتك، ولا حدود لتهديدك، ولا ضمان لإنسانيتك.

خطة التماسيح كما تُقدَّم إعلامياً تكشف حقيقة مؤلمة: الهدف منع فرار الأسرى لكن الطريقة المقترحة ليست قائمة على الضبط القانوني أو الحماية الإنسانية أو حتى وسائل أمنية تقليدية. بل على تحويل المكان إلى فخّ متعدد الطبقات، يزرع الخوف في النفس قبل أن يضرب الجسد. وهذا هو الفرق بين أن تُدير السجون لضبط النظام، وأن تُدار السجون لتصفية الكرامة.
وإذا كان الاحتلال الإسرائيلي يتحدث عن الأمن، فمن حق العالم أن يسأل: أي أمنٍ هو الذي يحتاج إلى تماسيح؟ وأي "نظام" يفرض نفسه بالحيوانات المفترسة؟ إن هذا النوع من التخطيط لا يُنتج أمناً، بل ينتج فزعاً ويغذي التطرف والعنف والأسير الفلسطيني في النهاية هو من سيدفع الثمن.
الخطير في ما جرى ليس مجرد طرح فكرة في خطاب سياسي. الخطير أن حكومة الإحتلال اتجهت إلى تعديل إطار تصنيف تماسيح النيل، عبر قرار يعيد تعريفها بما يسمح بالاحتفاظ بها والتعامل معها ضمن ظروف "أمنية" محددة. وهذا يعني أن الإحتلال لا يكتفي بالتلويح، بل يمضي خطوة عملية: تحويل الحيوان من كائن محميّ إلى عنصر يمكن توظيفه.
وفي الوقت نفسه، ترددت اعتراضات قانونية ومهنية داخل المنظومة نفسها: اعتراضات تتحدث عن غياب الأساس المهني، وعن أن إدارة تماسيح النيل ليست مسألة تُختصر بخبرة سابقة في "كلاب الحراسة". لكن الإحتلال بدلاً من أن يتعامل مع هذه التحفظات كتحذير، يسير وكأنه يؤكد أن حسابات القسوة أعلى من كل اعتبار.
وهنا المفارقة الفاضحة: حين يتعلق الأمر بفكرة بن غفير، لا مكان لحدود القانون ولا وزن لتوصيات الاختصاصيين. يصبح القرار السياسي فوق المعايير، وتصبح حياة الآخرين ومنهم المحتجزون والعاملون والحيوان نفسه وقوداً لخطة تصاغ في غرف السلطة.
الأكثر دلالة على طبيعة هذا النهج هو احتفاء بن غفير نفسه بالقرار. حين يروّج الفكرة عبر صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي ويضيف عليها تهديداً للمحتجزين أو لأولئك الذين يُفترض أنهم "يحاولون الهرب"، فهذه ليست لغة أمنية محايدة. هذه لغة إذلال، وتطبيع للوحشية، واعتراف ضمني بأن الخطة تهدف فعلياً إلى ترهيب الإنسان الفلسطيني.
هذه ليست مبالغة من الخصوم، بل طريقة إعلان عن الفكرة كما هي: إذن بن غفير لا يرى الأسير إنساناً يلتزم العالم باحترام حدوده وحقوقه، بل يرى الأسير هدفاً مناسباً لإرسال رسائل الخوف.
أما على الجانب البيئي، فرفض المنظمات والجهات المختصة لا يأتي من فراغ. التماسيح تحتاج إلى بيئة معقدة وشروط دقيقة، وإدخالها في منشآت غير مهيأة لذلك يخلق مخاطر حقيقية: على الحيوان أولاً، وعلى العاملين ثانياً، وعلى المحتجزين أخيراً. والأسوأ أن الخطة حتى من منظور العقل البارد، لا تبدو "أداة أمن بقدر ما تبدو مقامرة فاشلة تهدد كل الأطراف.
لكن الإحتلال الإسرائيلي يمضي. لأنه لا يبحث عن حل، بل يبحث عن رمز. رمز للترويع. ورمز لفرض واقع جديد: أن السجن يمكن أن يتحول إلى مسرح قسوة بلا رادع.
تأتي هذه الخطوة ضمن سياق أوسع من انتقادات حقوقية متواصلة لأوضاع الأسرى الفلسطينيين. تُتداول اتهامات متكررة تتعلق بالتعذيب وسوء المعاملة والتجويع والإذلال، مع الحديث عن قيود على الرقابة المستقلة. وفي ضوء ذلك، فإن "خطة التماسيح" لا تُفهم كفكرة معزولة. تُفهم كجزء من عقلية تتعامل مع الفلسطيني بوصفه مشروع عقاب دائم، لا بوصفه إنساناً.
وحين يتقاطع الترويع الحيواني مع منظومة احتجاز متهمة تاريخياً بارتكاب انتهاكات جسيمة، يصبح واضحاً أن "إسرائيل" لا تحاول فقط "منع فرار"، بل تحاول ترسيخ نموذج، تحويل المحتجز إلى رهينة خوف، وتوسيع الأدوات التي تكسر الإنسان نفسياً وجسدياً.

0% ...

آخرالاخبار

مصادر لبنانية: مدفعية الاحتلال تستهدف بلدة المنصوري جنوب لبنان


قاليباف: أي تقدم في المفاوضات مرهون بقبول الشروط الإيرانية السبعة


شيوخ ورؤساء العشائر العراقية في الحرم الرضوي يجددون العهد والوفاء لقائد الثورة الشهيد


هيئة التجارة البحرية البريطانية: بلاغ عن إصابة ناقلة بمقذوف بعد مرورها بمضيق هرمز ولا معلومات عن خسائر بشرية


اللواء إيزدي مخاطبا الشعب الإيراني: لا تتركوا الساحات كي لا يتمكن العدو من تنفيذ مؤامراته فالمقاتلون بالاستناد إلى هذا الدعم الشعبي سيقفون بثبات في مواجهة العدو


نائب القائد العام لحرس الثورة الإسلامية اللواء إيزدي: كلما أحبطت الثورة الإسلامية مؤامرةً سعى العدو إلى تدبير مؤامرة جديدة


قاليباف: لا يمكن إحراز تقدم في المفاوضات إلا بالموافقة على الشروط الإيرانية السبعة


رئيس مجلس الشورى الاسلامي ‌‌الإيراني محمد باقر قاليباف: أُبلغ الوسطاء مرارًا وبصراحة بشروط إيران وموقفها


سفير إيران يكرّم شهداء اليمن ويؤكد أن النصر قريب بفضل تضحياتهم+ صور وفيديو


جنوب لبنان تحت القصف.. ومقاومة الاحتلال تتواصل من الميدان إلى السياسة