عاجل:

حين تختبئ القوة خلف الخوف: ترامب وأسرار الرحلة السرية من تركيا

الأربعاء ١٢ أغسطس ٢٠٢٦
٠٦:٤٢ بتوقيت غرينتش
حين تختبئ القوة خلف الخوف: ترامب وأسرار الرحلة السرية من تركيا بقلم: حيدر زيبرم

لم تعد قصة مغادرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتركيا مجرد تفصيل أمني عابر في رحلة رئاسية، بل تحولت إلى واقعة تفتح أبوبا واسعة للأسئلة السياسية والأمنية والإعلامية. فبحسب ما كشفته واشنطن بوست، غادر ترامب تركيا في الثامن من يوليو 2026 ضمن عملية سرية، بعد معلومات استخباراتية اعتُبرت تهديدا موثوقا، ونُقل بصورة خفية إلى طائرة عسكرية أخرى، بينما بقيت طائرة «إير فورس وان» في المشهد باعتبارها وسيلة سفره الرسمية. وقد أكد ترامب لاحقا أنه اتبع تعليمات جهاز الخدمة السرية والجيش الأميركي.

لكن السؤال الأهم ليس: لماذا غيّر ترامب الطائرة؟

فحماية رئيس الدولة تبرر اتخاذ إجراءات استثنائية عندما يكون التهديد حقيقيا. السؤال الأكثر أهمية هو: لماذا قيل للرأي العام في البداية شيء، ثم ظهرت لاحقا رواية مختلفة تماما؟

لا أحد يمكنه الاعتراض على حق الأجهزة الأمنية في حماية رئيس الدولة، خصوصا إذا كانت هناك معلومات استخباراتية عن تهديد يستهدفه أو يستهدف الطائرة التي يستقلها. وقد أفادت تقارير أميركية بأن التهديد كان مرتبطا بإيران أو جماعات أخرى، وأن أجهزة الأمن اتخذت إجراءات لتقليل احتمالات استهداف الرئيس.


لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الضروري أمنيا إلى غطاء سياسي دائم. فالدولة الديمقراطية تحتاج إلى السرية في لحظة الخطر، لكنها تحتاج بعد زوال الخطر إلى قدر من الشفافية والمساءلة. أما إبقاء الرأي العام ووسائل الإعلام في حالة تضليل، حتى بعد انتهاء العملية، فيخلق سؤالا أكبر من سؤال التهديد نفسه: من يقرر ما الذي يجب أن يعرفه المواطن، ومتى؟ وهنا تصبح القضية مرتبطة بمبدأ أساسي في الحكم الديمقراطي: الأمن لا يلغي المساءلة.


الأكثر إثارة في القضية أن ترامب، عندما غادر تركيا في يوليو، قدم تفسيرا مختلفا لتغيير الطائرة، إذ قال إن الطائرة الجديدة ستذهب إلى أوروبا لإتاحة الفرصة للعسكريين لرؤيتها، وإنه سيعود "بالطرق العادية". وفي ذلك الوقت أثار تغيير الطائرة بالفعل تساؤلات حول دوافعه الأمنية، خصوصا في ظل تصاعد التوتر مع إيران. ثم جاءت المعلومات التي نُشرت في أغسطس لتكشف أن المسألة لم تكن مجرد تغيير لوجستي أو بروتوكولي.


وهنا تحديدا تكمن المفارقة السياسية: إذا كان التهديد حقيقيا إلى هذا الحد، فلماذا لم يُشرح للرأي العام لاحقا سبب اتخاذ الإجراء الاستثنائي؟ قد يكون الجواب الأمني مفهوما في الساعات الأولى، لكنه يصبح أقل إقناعا عندما تمر الأسابيع دون توضيح كافٍ.

القضية تكشف كذلك شيئئا آخر: الرمز أحيانا يصبح أهم من الطائرة نفسها. فـ"إير فورس وان" ليست مجرد وسيلة نقل، إنها رمز لقوة الولايات المتحدة وهيبة رئاسة الجمهورية. ولذلك فإن إخراج الرئيس سرا منها ونقله إلى طائرة عسكرية أخرى، بينما يظل المشهد الظاهري يوحي بأنه على متن الطائرة الرئاسية، يعكس مستوى غير عادي من المخاوف الأمنية.

لكن هذا المشهد يحمل وجها آخر: إذا كانت الولايات المتحدة، بكل قوتها العسكرية والاستخباراتية، تضطر إلى تغيير مسار رئيسها وإخفاء طائرته الحقيقية بسبب تهديد إيراني، فإن ذلك يكشف أن لغة القوة لا تعني بالضرورة غياب الخوف. بل ربما العكس تماما . الدول التي تتحدث كثيرا عن الردع والقوة تجد نفسها في لحظة معينة مضطرة إلى ممارسة أعلى درجات التخفي والحذر.


ربط الحادثة بإيران يضعها مباشرة في سياق الصراع الأميركي ـ الإيراني المتصاعد. لكن هنا ينبغي التفريق بين وجود تهديد استخباراتي وبين إثبات مسؤولية دولة عن التخطيط لتنفيذه. التقارير التي تحدثت عن تهديد إيراني "موثوق" لا تعني تلقائيا أن إيران نفذت أو قررت تنفيذ عملية اغتيال. وهذه نقطة جوهرية في الخطاب السياسي، لأن تحويل معلومة استخباراتية إلى حقيقة سياسية نهائية دون أدلة علنية يمكن أن يصبح ذريعة لتصعيد جديد. لقد شهد العالم مرارا كيف تحولت المعلومات الاستخباراتية، عندما تدخل السياسة في تفسيرها، إلى أساس لقرارات عسكرية وسياسية بالغة الخطورة.

ومن هنا فإن السؤال المشروع ليس فقط: هل كان هناك تهديد؟ بل أيضا: ما طبيعة هذا التهديد؟ ومن يقف وراءه؟ وما مستوى الأدلة التي تستند إليها الرواية الأميركية؟


المشكلة الأخطر هي أن الخوف من الاغتيال يمكن أن يتحول من مسألة أمنية إلى أداة في الخطاب السياسي. ترامب قال في يوليو إنه "رقم واحد على قائمة الاغتيال" الإيرانية، في وقت كانت فيه التوترات مع طهران مرتفعة. مثل هذه التصريحات لا تبقى محصورة في إطار الحماية الشخصية للرئيس، بل يمكن أن تؤثر في الرأي العام، وفي صورة الخصم، وفي قابلية المجتمع لتقبل المزيد من الإجراءات العسكرية.

وهنا ينبغي الحذر: حين يتحول الخطر الأمني إلى خطاب سياسي دائم، يصبح من الصعب التمييز بين ما تفرضه الضرورة الأمنية وما تفرضه أجندة الصراع السياسي. المشكلة ليست في أن ترامب خاف... بل في أن العالم يجب أن يعرف لماذا؟

من الخطأ السخرية من إجراءات حماية الرئيس، كما أنه من الخطأ تحويلها إلى بطولة سياسية. الرئيس الأميركي شخصية معرضة للتهديد، ومن واجب الأجهزة الأمنية أن تتخذ الإجراءات المناسبة لحمايته. لكن الرئيس ليس ملكا خاصا، وأمنه لا ينفصل عن حق المجتمع في معرفة ما يجري في حدود ما تسمح به ضرورات الأمن القومي.

والأخطر أن التقارير تشير إلى أن بعض الصحفيين وبعض موظفي البيت الأبيض الذين كانوا على متن الطائرة لم يكونوا على علم بأن ترامب لم يعد موجودا عليها. وقد أثارت هذه النقطة انتقادات بشأن الشفافية والمخاطر التي يمكن أن تترتب على إخفاء موقع الرئيس عن أشخاص موجودين ضمن الدائرة الرسمية المصاحبة له.

وهنا يصبح السؤال أكثر جدية: إذا كان الرئيس يحتاج إلى حماية استثنائية، فمن يحمي الدولة من فوضى المعلومات داخل منظومتها نفسها؟

من تركيا خرج ترامب... لكن الأسئلة لم تخرج معه. قصة الطائرة السرية ليست في حقيقتها قصة طائرة. إنها قصة الثقة. الثقة بين المواطن والحكومة، وبين الإعلام والسلطة، وبين الرواية الرسمية والواقع الأمني. فإذا كانت الرواية الأولى تتحدث عن أسباب بروتوكولية، ثم تظهر لاحقا رواية عن تهديد أمني موثوق وعملية خداع أمني معقدة، فمن الطبيعي أن يسأل الرأي العام: ما الذي قيل لنا ولماذا؟

وفي السياسة، أحيانا لا تكون أخطر الأزمات هي تلك التي تقع في السماء، وإنما تلك التي تقع بين الحقيقة والرواية الرسمية. قد يكون تغيير مسار ترامب من تركيا قرارا أمنيا صحيحا، وقد يكون التهديد حقيقيا وخطيرا. لكن ذلك لا يمنح السلطة شيكا مفتوحا لإدارة الحقيقة كما تشاء. فالديمقراطية لا تعني أن يعرف المواطن كل أسرار الأمن، لكنها تعني ألا تتحول السرية الأمنية إلى بديل عن الحقيقة.

وهذا هو الدرس الأهم من رحلة ترامب السرية: حين تضطر أقوى دولة في العالم إلى إخفاء مكان رئيسها لحمايته، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: من يهدد الرئيس؟ بل أيضا: إلى أي حد أصبحت السياسة الدولية محكومة بمنطق الخوف والردع والاغتيال، بدل منطق الحوار وتسوية النزاعات؟
وفي عالم تزداد فيه الحروب والتهديدات، ربما تكون الطائرة التي غادر بها ترامب تركيا أقل أهمية من الطريق السياسي الذي أوصل العالم إلى أن يصبح فيه رئيس دولة عظمى مضطرا إلى الاختفاء داخل عملية أمنية سرية كي يغادر بلدا حليفا.

0% ...

آخرالاخبار

 انطلاق مناورة "فدائيو إيران" عند الساعة الثانية عصرا في مدينة بيرجند وأربع مدن أخرى بمحافظة خراسان الجنوبية، هي طبس وزيركوه ونهبندان وقائن


مجمع ناصر الطبي بغزة : 6 مصابين برصاص قوات الاحتلال خارج مناطق سيطرتها في مدينة خان يونس جنوبي القطاع


نائب الخارجية الإيرانية كاظم غريب آبادي يزور مدينة ميناب لتفقد المناطق المتضررة جراء العدوان الصهيوأمريكي


 مصادر يمنية: الطيران السعودي يشن غارات على شرق مدينة تعز


استطلاع لمركز بيو الأمريكي للأبحاث: شعبية "ترامب" انخفضت إلى 30٪، وهو أدنى مستوى له خلال فترة رئاسته


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تداهم عددًا من المنازل خلال اقتحام بلدة قباطية، جنوب جنين


غريب‌آبادي: فتحنا ملفات قضائية لملاحقة الجرائم الأمريكية والصهيونية في طهران ومحافظة هرمزكان


صادرات ايران النفطية عبر ميناء "الشهيد رجائي" بلغت 5 ملايين و140 ألف طن


 غريب آبادي: عازمون على ملاحقة جرائم أميركا والكيان الصهيوني أمام المحاكم الأجنبية والدولية


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تغلق مداخل قرية مادما، جنوب نابلس


الأكثر مشاهدة

تصعيد دامٍ في أوكرانيا ومفاوضات متعثرة لإنهاء الحرب


الأمم المتحدة: سكان غزّة يواجهون شتاء رابعا بلا مأوى ملائم


النبطية تتحدّى الإحتلال بمهرجان الزيتون ورسالة صمود لا تنكسر


إضطراب الطيران في الرياض وحرائق الطاقة يواكبان تصعيداً يمنياً واسعاً


الرئيس بزشكيان: لا ينبغي أن تقتصر الدبلوماسية الإقليمية على عقد الاجتماعات فحسب


الرئيس بزشكيان: يجب أن تكون الدبلوماسية الإقليمية أداة حقيقية لإدارة الأزمات والحفاظ على الحوار ومنع التصعيد وتعزيز التعاون العملي


قاليباف يرد على مزاعم روبيو: ستركعون أمام الإيرانيين مجدداً


زيلنسكي: سنتوقف عن استهداف مصافي النفط الروسية إذا توقفت موسكو عن تدمير بنيتنا التحتية للطاقة


رويترز: وكالة الطيران الأوروبية توسع حالة التأهب في المجال الجوي السعودي، مشيرة إلى تزايد المخاطر الناجمة عن ضربات أنصار الله


فلسطين المحتلة: قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف شرقي مدينة غزة


مصادر يمنية: هجوم سعودي بالصواريخ يستهدف مناطق في مديريات كتاف والبقع وسحار وآل سالم بمحافظة صعدة