لبنان وجنوبه في عنق الزجاجة..كطائر الفينيق تنبعث المقاومة من بين الدمار

الخميس ٢٠ أغسطس ٢٠٢٦
٠٤:٢٧ بتوقيت غرينتش
لبنان وجنوبه في عنق الزجاجة..كطائر الفينيق تنبعث المقاومة من بين الدمار بقلم: د. أحمد موسى حوماني – كاتب وباحث لبناني

يرى البعض أن عبد الرحمن بن خلدون هو مؤسس علم فلسفة التاريخ، إذ إنه أول من تحدث عن فهم التاريخ لا كأحداث منفصلة تروي قصص ما حدث، بل كقضايا يمكن من خلال دراستها استنباط قواعد تساعد في فهم حركة المستقبل. ويشير ابن خلدون إلى أن طبائع البشر والاجتماع الإنساني ثابتة، مما يجعل أسرار التاريخ وأحداثه تتكرر بصورة تشابه الأصل تماماً. وهو يعتبر أن دراسة التاريخ وفهم حوادثه تمنح الإنسان القدرة على استشراف وقراءة المستقبل ومعرفة مآلات الدول والأمم. ومن الأقوال العامة المشهورة: “من لا يعرف تاريخه، لا يستطيع أن يفهم حاضره، ولا أن يبني مستقبله”، وهي مقولة متداولة تعبر بدقة عن ارتباط الزمن الإنساني بعضه ببعض.

يصر البعض على قراءة وتحليل الوقائع التي تحدث بشكل منفصل عن التاريخ، فيبني عليها مواقف آنية يحاول فرضها على الآخرين من دون حيثياتها التاريخية التي قد تكذب النتائج الحالية لواقعة ما. ويرى هذا الفريق أن المقاومة قد هزمت في الحرب الأخيرة على لبنان، ويريد من الجميع التسليم بذلك، وهو يبغي الإذعان إلى شروط الاحتلال مهما كانت قاسية وظالمة، باعتبار أن من ربح المعركة يفرض شروطه على الآخر. لكن هذا الأمر غير صحيح عملياً، وغير دقيق علمياً. فالصراع بين المقاومة والعدو الصهيوني ليس وليد هذه الفترة من الزمن، وهذه المعركة ليست منفصلة عن صراع مستمر منذ أن تم تركيب هذا الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة. فالتاريخ لا يمكن فصله عن الحاضر ولا عن المستقبل. فبعد عشرات السنين ما زال هذا الصراع موجوداً، وبالرغم من خسارة العرب العديد من المعارك، إلا أن العدو الصهيوني لم يستطع حسم الحرب لصالحه. فما زالت القضية الفلسطينية حاضرة في منتديات العالم أجمع، بل يمكن القول إنها في السنوات الأخيرة وبالرغم من الخسائر الإنسانية والمادية الكبيرة، ازداد حضورها عند شعوب العالم وحكوماته بشكل لم يسبق له مثيل.

في لبنان يحاول البعض تناسي أن المقاومة وعبر تاريخها منذ نشوء الكيان قد أوجعت العدو في أوقات كثيرة، وسببت له خسائر عالية جداً، مع أنها انطلقت باستخدام وسائل قتالية ضعيفة. لكنها عبر السنوات تطورت واكتسبت الخبرات التي أجبرت العدو على الانسحاب من الجنوب في العام ألفين. يذكر أحد الذين واكبوا انطلاقتها بعض الأمثلة على ذلك فيقول: إنه بعد فترة استطاع العدو تفجير العبوات التي كانت تضعها المقاومة على الطرقات، لكن لم يمض إلا فترة قصيرة حتى اكتشف المقاومون أسلوب العدو في تفجيرها، فطوروا عملية إعدادها بحيث فشل العدو في تفجيرها كما كان يفعل سابقاً، وأدى ذلك إلى الرعب الذي جعل حركة العدو بآلياته محدودة إضافة إلى عشرات القتلى والجرحى الصهاينة. ومثال آخر عن اقتحام المقاومين لمواقع العدو حيث كان يسقط عدد كبير من الشهداء في المرات الأولى، لكن لاحقاً تم استخدام أسلوب تشريك القطاعات العسكرية فتدنى عدد الشهداء، وأصبحت العمليات أكثر إيلاماً للعدو. وفي حرب العام 2006 ابتكر المقاومون أسلوب منصات الراجمات الوهمية التي ضربها العدو، وأعلن أنه قضى على كل منصات الصواريخ بعيدة المدى، وأنه قد حقق انتصاراً ساحقاً. ليتبين له بعد أيام أن قدرات المقاومة لم تصب بشكل كبير، وأن صواريخ المقاومة ما زالت تدك مراكزه العسكرية ومستوطناته. ما نريد قوله أن هذه المقاومة بما تمتلكه من عقول مبدعة قادرة على أن تتخطى أي ضربات عسكرية مهما كانت موجعة، وتستعيد زمام المبادرة من جديد. وفي المعركة الأخيرة، وفيما كان العدو يعتبر أن قدرات المقاومة قد انتهت، أظهرت المقاومة الطائرات المسيرة التي تعمل بالفيبر، والطائرات الانقضاضية التي تضرب قوات العدو بشكل مباشر. واليوم فيما تتجه الأنظار نحو علي الطاهر وما فيه، تعمل المقاومة على مفاجأة العدو في مكان آخر وبقدرات مختلفة.

قد يعتقد البعض أن ما يملكه العدو من إمكانات رصد ومتابعة وتجس هي إمكانات عظيمة ومهمة في العمل العسكري، وهذا صحيح. لكن المقاومة من جهة ثانية، أثبتت عبر تاريخها أنها دوماً كانت تجد الحلول العسكرية والتقنية لجزء كبير من وسائل العدو العسكرية، وكانت تجدد نفسها وقدراتها كلما دعت الحاجة إلى ذلك. وستعمد إلى إيجاد وسائل إلكترونية لتحييد طائرات العدو المسيرة التي امتازت بها في هذه الحرب.

الفريق الآخر يطالب المقاومة بحلول سريعة للضغط عليها، أي إما حل سريع أو الاستسلام. لكن المعركة مع العدو الصهيوني هي معركة مستمرة منذ عشرات السنين، وستبقى لسنوات عديدة، لأن هذا العدو لا حدود لطموحاته العسكرية والجغرافية. وكل هذه الاتفاقات التي يعقدها لا يلتزم بها، والاتفاقات مع الفلسطينيين خير شاهد على ذلك، واحتلاله جزءاً من سوريا وقصفه المستمر لمقدراتها يؤكد ذلك.

إن المعركة مع هذا العدو شهدت وستشهد على فترات من الانكسار والانتصار، وهذا دأب المقاومة في كل زمان ومكان. ولا ننسى أن الفعل المقاوم استمر من العام اثنين وثمانين حتى العام ألفين، حتى تحقق النصر الكبير بدحر العدوان عن أرض الجنوب. وإذا راجعنا التاريخ فقد بقيت قرى الجنوب اللبناني تتعرض للقصف الصهيوني لسنوات قبل أن تجبر المقاومة العدو على وقف استهداف المدنيين في العام ستة وتسعين.

ما حصل خلال السنتين الأخيرتين أن العالم الخارجي قد تكالب على المقاومة، فأوجد ظروفاً جعلت الموقف الصهيوني متفلتاً من أي ضوابط وقوانين وشرعية دولية، وأن الأمم المتحدة عاجزة عن المبادرة ولو برفع الصوت عالياً بما يرتكبه العدو من مجازر ودمار. كما أن الظروف الداخلية في لبنان قد ساعدت العدو على مزيد من العنجهية والإجرام والتدمير بسبب ضعف هذه السلطة ورضوخها لأوامر العدو وطلباته. هذه الظروف الخارجية والداخلية لن تستمر وهي تتغير وتتبدل باستمرار – هذا ما ينبئنا به التاريخ – خصوصاً في هذا الجزء من العالم الذي تتسارع فيه الأحداث وتتغير فيه الولاءات بسرعة كبيرة، وهو ما ستستغله المقاومة لتعديل موازين القوة وإعادة صياغة صورة الردع التي يفهمها العدو.

سبق للمقاومة أن عاشت نفس الظروف الخارجية والداخلية بعد الاجتياح الصهيوني للبنان عام اثنين وثمانين، مع دعم دولي وقوات متعددة الجنسيات، وتآمر الداخل عليها. لكنها تخطت تلك المرحلة بقوة وعزيمة واقتدار، وهي اليوم ستتخطى هذه المرحلة أيضاً بنفس القوة والعزيمة، وستستعيد الأرض، وتعمّر الديار، وتحفظ كرامة لبنان وسيادته التي تخلى عنها من هم مسؤولون عن صونها. لن يطول الوقت حتى ينبعث طائر فينيق المقاومة من جديد، ليحطم أحلام أولئك المجرمين، وأولئك الحمقى الذين يسيرون خلفهم. صبراً (آل عاملة)، فإن موعدكم الصبح، أليس الصبح بقريب؟

0% ...

آخرالاخبار

اعلن الجيش الأمريكي ان استهداف زورق تهريب في منطقة الكاريبي أسفر عن قتل 4 أشخاص


روسيا: تداعيات العدوان الأمريكي والإسرائيلي على إيران تتجاوز الشرق الأوسط


إصابة شخصين في انفجار طائرتين مسيّرتين داخل منشأة في مقاطعة بيلغورود الروسية


إطلاق نار من آليات الاحتلال شرق مدينة خان يونس جنوب القطاع غزة


اعلنت الخارجية الروسية ان ممارسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو تهدد الأمن في القارة الأوراسية.


قوات الدفاع الجوي الروسية تسقط 10 طائرات مسيرة كانت تحلق باتجاه موسكو


غارة للعدو الصهيوني عبر الطيران الحربي استهدف بلدة النبطية الفوقا في قضاء النبطية جنوبي لبنان الصامد


السفير الإيراني في الامم المتحدة: على الحكومات رفض وإدانة الإجراءات القسرية الامريكية


العدو الصهيوني يتوغل بـ10 آليات عسكرية في قرية جملة بريف درعا الغربي جنوب سوريا المحتلة


قوات الاحتلال تقتحم منطقة سكنات النازحين من مخيم جنين في محيط الجامعة العربية الأمريكية


الأكثر مشاهدة

تسارع المشاورات الإقليمية ومسارات الحوار بشأن مضيق هرمز... إليكم التفاصيل


بعد فشل المواجهة العسكرية.. واشنطن تعود إلى سلاح العقوبات


إيران تصمد أمام حصار ترامب وتُربك الحسابات الأمريكية!


رصاصة واحدة تُسقط زعيم المافيا القوقازية داخل"إسرائيل"


وزير الاقتصاد الإيراني مدني زاده تعليقاً على العقوبات الأميركية: استعددنا لهذه الأيام منذ وقت طويل وكنا نعرف مخططاتهم


وزير الاقتصاد الإيراني: عصر العالم أحادي القطب انتهى وسيدركون هذه الحقيقة مجدداً وسيرون أنهم لن ينجحوا على الإطلاق


مصادر لبنانية: قصف مدفعي للاحتلال الاسرائيلي يستهدف منطقة "علي الطاهر" جنوب لبنان


مصادر فلسطينية: إصابة 3 فلسطينيين في هجوم لمستوطنين على قرية أغرين جنوب الخليل جنوبي الضفة الغربية


الضفة الغربية: الاحتلال يعتقل طفلاً ويحتجز شابين في رام الله


رويترز: وزير الحرب الأمريكي خلال إحاطة حول الحرب ضد إيران: إن حركة الملاحة عبر مضيق هرمز تجري بوتيرة محدودة للغاية مقارنة بما يرغب فيه الجميع


وزير الحرب الأمريكي: سبب هذه المخاطر يعود إلى القوارب السريعة الصغيرة الإيرانية