عاجل:

إيران التي يسيء الغرب فهمها

الثلاثاء ٢٥ أغسطس ٢٠٢٦
١١:٠٣ بتوقيت غرينتش
إيران التي يسيء الغرب فهمها
بقلم : حيدر زيبرم

لم يكن سقوط الشاه في إيران عام 1979 مجرد انهيار لنظام ملكي أمام ثورة شعبية، بل كان أيضا فشلا استخباراتيا وسياسيا غربيا في قراءة مجتمع كان يتغير من الداخل . والمفارقة أن القوى الغربية التي كانت تراقب إيران عن قرب لم تدرك، حتى المراحل الأخيرة، أن النظام الذي بدا قويا من الخارج كان قد بدأ يفقد مقومات بقائه من الداخل. واليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود، يطرح التاريخ سؤالا مختلفا:هل يكرر الغرب الخطأ نفسه في فهم الجمهورية الإسلامية؟

لماذا سقط الشاه؟
كان نظام محمد رضا شاه يبدو، قبل الثورة، واحدا من أكثر الأنظمة استقرارا في الشرق الأوسط. دولة قوية، جيش كبير، أجهزة أمنية واسعة، وعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة والغرب. لكن هذه القوة الظاهرية أخفت هشاشة سياسية متزايدة.

كان إلغاء التعددية السياسية وفرض نظام الحزب الواحد، ولا سيما بعد إنشاء حزب «رستاخيز»، أحد أبرز مظاهر هذه الأزمة. فحين تُغلق القنوات السياسية أمام المعارضة، لا تختفي المعارضة، وإنما تفقد الدولة القدرة على معرفة حجم الغضب الحقيقي داخل المجتمع.

ثم جاء السافاك، جهاز الأمن الذي أصبح رمزا للقمع السياسي في عهد الشاه. وقد ساهمت الملاحقات والاعتقالات وقمع المعارضين في إضعاف إمكانات الحوار والتسوية، بحيث لم يعد النظام يمتلك مساحات سياسية كافية لامتصاص الاحتقان.

أما الطفرة النفطية التي أعقبت ارتفاع أسعار النفط عام 1973، فقد منحت الدولة موارد مالية هائلة، لكنها ساهمت في الوقت نفسه في تضخم الاقتصاد وتسارع التغيير الاجتماعي، بينما بقيت مؤسسات المشاركة السياسية متخلفة عن حجم التحولات التي كان يعيشها المجتمع.

وهنا ظهرت المفارقة:الدولة أصبحت أكثر ثراء وقوة، لكنها لم تصبح بالضرورة أكثر قدرة على الاستماع إلى مجتمعها.

القوة التي أخفت الضعف
ربما كان الخطأ الأكبر هو الخلط بين قوة الدولة وقوة النظام السياسي. فالجيش يمكن أن يكون قويا، وأجهزة الأمن واسعة، والاقتصاد غنيا، والعلاقات الدولية ممتازة، ومع ذلك يمكن لنظام سياسي أن ينهار إذا فقد قدرته على إنتاج الشرعية وإدارة الصراع الداخلي. وهذا ما يجعل تجربة الشاه مهمة عند محاولة فهم إيران اليوم.

فالنظام الإيراني بعد الثورة لم يبن قوته على مؤسسة واحدة أو شخص واحد، بل أنشأ شبكة واسعة من المؤسسات السياسية والدينية والأمنية والعسكرية، بعضها منتخب وبعضها غير منتخب، تتداخل فيما بينها وتمنح النظام قدرة أكبر على امتصاص الصدمات. وهنا يكمن أحد أهم الفوارق بين إيران الشاه وإيران الجمهورية الإسلامية.

أين أخطأ الغرب؟
المشكلة لم تكن في نقص المعلومات بالضرورة، بل ربما في طريقة تفسير المعلومات. كانت السفارات الغربية في طهران تتابع الأحداث، وكانت أجهزة الاستخبارات تجمع كميات كبيرة من البيانات، لكن السؤال الحقيقي كان: هل كانت هذه البيانات تعكس ما يحدث في الشارع فعلا؟

حين يعتمد صانع القرار على المسؤولين والنخب المقربة من السلطة، فإنه قد يرى دولة مستقرة بينما يرى الشارع دولة فقدت شرعيتها. وهذا النوع من الأخطاء ليس إيرانيا فقط، إنه خطأ متكرر في تاريخ العلاقات الدولية: أن يقرأ طرفٌ مجتمعا آخر من خلال قوالبه الخاصة.

فالغرب كثيرا ما يميل إلى تفسير التحولات السياسية من خلال مفاهيم مألوفة لديه: المؤسسات، الانتخابات، الأحزاب، استطلاعات الرأي، النخب السياسية. لكن المجتمعات ذات البنية الدينية والتاريخية المختلفة قد تتحرك وفق شبكات اجتماعية وثقافية لا تظهر بسهولة في التقارير الرسمية.

من الشاه إلى ترامب
هنا تأتي المقارنة التي يطرحها الصحفي جون سيمبسون بين الشاه ودونالد ترامب. التشابه، في هذا الطرح، لا يعني أن الرجلين متطابقان سياسيا أو تاريخيا، وإنما يتعلق بدرجة اعتماد الحكم على شخصية القائد وقراراته الفردية.

لكن الفارق بينهما كبير. فالشاه، خصوصا في السنوات الأخيرة من حكمه، بدا مترددا أمام تصاعد الأزمة، ممزقا بين استخدام القوة وتقديم التنازلات. أما ترامب فيتميز بأسلوب أكثر ثقة ومواجهة، وباعتقاد قوي بقدرته على فرض إرادته السياسية.

لكن السؤال الأهم ليس شخصية ترامب، بل مدى صلاحية مقارنة النظام الأمريكي بالنظام الملكي الإيراني السابق أو بالنظام الإيراني الحالي. فالدول لا تسقط فقط لأن قائدها يتخذ قرارات خاطئة، ولا تبقى فقط لأن قائدها قوي الشخصية. المؤسسات والبنى الاجتماعية والسياسية هي التي تحدد في النهاية مقدار قدرة الدولة على تحمل الصدمات.

هل يمكن إسقاط النظام الإيراني باغتيال قياداته؟
هنا تكمن النقطة الأكثر أهمية في فهم إيران الحالية. قد يؤدي اغتيال قائد أو مسؤول كبير إلى إحداث صدمة، وقد يغير توازنات داخلية، وربما يفتح صراعا على النفوذ. لكن إزالة الأشخاص لا تعني بالضرورة إزالة النظام الذي أنتجهم.

فالجمهورية الإسلامية، على مدى عقود، طورت مؤسسات وأجهزة وشبكات سياسية وأمنية واقتصادية تستطيع إعادة إنتاج القيادة وتوزيع الأدوار حتى في ظروف شديدة الصعوبة. ولهذا فإن الرهان على الاغتيالات قد يكون مبنيا على تصور مبسط لطبيعة السلطة في إيران. فإذا كان النظام قائما على شخص واحد، فإن إزالة الشخص قد تعني انهيار النظام. أما إذا كان النظام قائما على مؤسسات متعددة وشبكات متداخلة وعقيدة سياسية راسخة، فإن إزالة بعض رموزه قد تؤدي إلى إعادة ترتيب داخلي أكثر مما تؤدي إلى الانهيار.

الدرس الذي لم يتعلمه الغرب؟
ربما يكون الدرس الأهم من تجربة الشاه هو أن الأنظمة لا تُفهم من قصورها فقط، ولا من قادتها، ولا من أجهزتها الأمنية، وإنما من المجتمع الذي تقوده ومن المؤسسات التي تستند إليها. كان الشاه يمتلك جيشا قويا وأجهزة أمنية وعلاقات دولية واسعة، ومع ذلك انهار نظامه بسرعة مذهلة عندما فقد القدرة على إدارة الأزمة.

أما الجمهورية الإسلامية، فقد بنت خلال عقود منظومة أكثر تعقيدا، تتوزع فيها مراكز القوة ولا تعتمد بالكامل على شخص واحد.

لذلك فإن السؤال الصحيح ليس: هل يستطيع الغرب إسقاط القيادة الإيرانية؟
بل: هل يستطيع أن يفهم البنية التي تجعل النظام الإيراني قادرا على إعادة إنتاج نفسه بعد كل صدمة؟

فالخطأ الاستراتيجي الأكبر ليس أن تفشل في إسقاط خصمك، وإنما أن تسيء تقدير قدرته على الصمود قبل أن تبدأ المواجهة أصلا . والتاريخ الإيراني يقدم درسا واضحا: في عام 1979، لم يكن السؤال الحقيقي هو لماذا كان الشاه قويا، بل لماذا بدا قويا إلى درجة جعلت كثيرين في الغرب لا يرون هشاشته.

0% ...

آخرالاخبار

مجمع ناصر الطبي بغزة : 6 مصابين برصاص قوات الاحتلال خارج مناطق سيطرتها في مدينة خان يونس جنوبي القطاع


نائب الخارجية الإيرانية كاظم غريب آبادي يزور مدينة ميناب لتفقد المناطق المتضررة جراء العدوان الصهيوأمريكي


 مصادر يمنية: الطيران السعودي يشن غارات على شرق مدينة تعز


استطلاع لمركز بيو الأمريكي للأبحاث: شعبية "ترامب" انخفضت إلى 30٪، وهو أدنى مستوى له خلال فترة رئاسته


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تداهم عددًا من المنازل خلال اقتحام بلدة قباطية، جنوب جنين


غريب‌آبادي: فتحنا ملفات قضائية لملاحقة الجرائم الأمريكية والصهيونية في طهران ومحافظة هرمزكان


صادرات ايران النفطية عبر ميناء "الشهيد رجائي" بلغت 5 ملايين و140 ألف طن


 غريب آبادي: عازمون على ملاحقة جرائم أميركا والكيان الصهيوني أمام المحاكم الأجنبية والدولية


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تغلق مداخل قرية مادما، جنوب نابلس


الداخلية الباكستانية تعلن اغتيال "شمشاد أختر" المدير العام للجنة الانتخابات في البلاد، في أعقاب هجوم إرهابي في مقاطعة خيبر بختونخوا شمال غرب باكستان


الأكثر مشاهدة

تصعيد دامٍ في أوكرانيا ومفاوضات متعثرة لإنهاء الحرب


الأمم المتحدة: سكان غزّة يواجهون شتاء رابعا بلا مأوى ملائم


النبطية تتحدّى الإحتلال بمهرجان الزيتون ورسالة صمود لا تنكسر


إضطراب الطيران في الرياض وحرائق الطاقة يواكبان تصعيداً يمنياً واسعاً


الرئيس بزشكيان: لا ينبغي أن تقتصر الدبلوماسية الإقليمية على عقد الاجتماعات فحسب


الرئيس بزشكيان: يجب أن تكون الدبلوماسية الإقليمية أداة حقيقية لإدارة الأزمات والحفاظ على الحوار ومنع التصعيد وتعزيز التعاون العملي


قاليباف يرد على مزاعم روبيو: ستركعون أمام الإيرانيين مجدداً


زيلنسكي: سنتوقف عن استهداف مصافي النفط الروسية إذا توقفت موسكو عن تدمير بنيتنا التحتية للطاقة


رويترز: وكالة الطيران الأوروبية توسع حالة التأهب في المجال الجوي السعودي، مشيرة إلى تزايد المخاطر الناجمة عن ضربات أنصار الله


فلسطين المحتلة: قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف شرقي مدينة غزة


مصادر يمنية: هجوم سعودي بالصواريخ يستهدف مناطق في مديريات كتاف والبقع وسحار وآل سالم بمحافظة صعدة