انتهت الحلقة الأولى عند السؤال الذي لم يكن مطروحًا في طهران وحدها.
إذا كانت الولايات المتحدة قد استخدمت قوتها، ولم تستطع إعادة إيران إلى الموقع الذي أرادته، فماذا يعني ذلك للدول التي بنت أمنها طوال عقود على افتراض أن القوة الأميركية قادرة في اللحظة الأخيرة على إعادة الأمور إلى نصابها؟
هنا انتقلت تداعيات الحرب من إيران إلى الخليج الفارسي.
ولفهم هذا التحول، علينا أولًا أن نفهم أن المظلة الأمنية ليست سلاحًا فقط. بل إنها اعتقاد.
قد تشتري دولة عشرات المقاتلات، وتستضيف قواعد، وتوقع اتفاقات دفاعية، لكن القيمة الحقيقية لهذه المنظومة تقوم على قناعة الخصم والحليف معًا بأن القوة التي تقف خلفها ستستخدم قدراتها عندما تصل الأزمة إلى لحظتها الحاسمة. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يصيب تحالفًا ليس تدمير قاعدة. بل تدمير اليقين بوظيفة القاعدة.
1-الخليج الفارسي لم ينتقل إلى إيران
من الخطأ المبالغة والقول إن دول الخليج الفارسي خرجت من المظلة الأميركية وانتقلت إلى مظلة إيرانية. هذا لم يحدث. ولا توجد أسباب واقعية للاعتقاد بأنه سيحدث بهذه البساطة. فالعلاقات العسكرية والاقتصادية والاستراتيجية بين الولايات المتحدة ودول الخليج الفارسي عميقة، والمصالح المشتركة لم تختفِ.
لكن الذي تغير أكثر دقة وأهمية: الثقة لم تعد مطلقة. والفرق هائل. لأن الدولة عندما تثق بضامن واحد، تبني سياستها على التحالف. أما عندما تبدأ بالشك في قدرة ذلك الضامن على حسم المواجهة، فإنها تنتقل من التحالف الصلب إلى إدارة المخاطر.
وهنا تبدأ العلاقات مع الخصوم. ليس حبًا بهم. بل خوفًا من كلفة العداء المفتوح معهم.
2-إيران اكتشفت نقطة ضعف مختلفة
القوة الأميركية تتفوق على إيران عسكريًا بفارق هائل. ولكن إيران لم تحتج إلى ضرب الولايات المتحدة في داخل أراضيها لكي ترفع كلفة الحرب عليها.
كانت هناك مساحة أكثر حساسية: اقتصاد المنطقة والطاقة والممرات البحرية. وهنا تغيرت المعادلة. فالصواريخ والمسيّرات لا تحتاج إلى إسقاط القوة الجوية الأميركية لكي تنتج أثرًا استراتيجيًا. يكفي أن تستطيع تهديد البنية التي يقوم عليها جزء أساسي من الاقتصاد العالمي. وهذه هي النقطة التي ركز عليها كاغان. فالحرب كشفت، بحسب قراءته، أن إيران تستطيع أن تجعل استمرار المواجهة مكلفًا ليس عليها وحدها، بل على المنطقة والعالم.
وهكذا لم تعد المواجهة: أميركا ضد إيران. بل أصبحت، في جانب منها:
إيران في مواجهة شبكة المصالح التي تجعل أميركا قادرة على خوض الحرب بأثمان محتملة.
3-الحليف عندما يصبح جزءًا من الكلفة
وهذه واحدة من أكثر مفارقات التحالفات تعقيدًا. فالقواعد والحلفاء يمنحون القوة العظمى نفوذًا. ولكنهم في الحرب يمكن أن يتحولوا أيضًا إلى نقاط تعرض. فكل قاعدة تحتاج إلى حماية. وكل منشأة طاقة قريبة من ميدان الحرب تصبح هدفًا محتملًا. وكل حليف يدخل المواجهة يصبح جزءًا من الحساب الإيراني.
وهنا يبدأ الحليف نفسه بطرح السؤال: هل تزيد المظلة أمننا؟ أم أن استخدامها في حرب مفتوحة يجعلنا جزءًا من الحرب؟
وهذه ليست دعوة إلى القطيعة مع واشنطن. إنها بداية استقلال الحساب.
الردع ليس أن يحبك الآخر
هذه نقطة ضرورية لفهم صعود النفوذ الإيراني.
النفوذ لا يحتاج إلى المحبة. ولا يحتاج إلى تحالف. أحيانًا يكفي أن يصل الآخر إلى قناعة واحدة: لا أستطيع بناء أمن مستقر ضدك؛ يجب أن أبنيه مع أخذ مصالحك في الحسبان.
عندها تكون قد انتقلت من «خصم يجب احتواؤه» إلى «قوة يجب التفاهم معها».
وهذه مسافة استراتيجية هائلة. فالمشروع الذي قام طويلًا على عزل إيران كان يفترض إمكانية بناء شرق أوسط يعمل من دونها. أما ما يقوله كاغان، تدريجيًا، فهو أن الحرب جعلت هذا الافتراض أكثر صعوبة.
4-لكن هناك ورقة أكبر من الخليج الفارسي
مع ذلك، لم يكن تراجع الثقة بالمظلة الأميركية هو نهاية تحليل كاغان. كان هناك شيء آخر. شيء لا يتعلق بدولة واحدة في المنطقة، ولا بقاعدة عسكرية، ولا باتفاق دفاعي.
مضيق هرمز. وهنا ستتغير طبيعة النقاش بالكامل. لأن إيران لم تعد، في قراءة كاغان، تستخدم الجغرافيا فقط لحماية نفسها. بل إنها تستخدمها لتحويل العلاقة مع عشرات الدول إلى جزء من ميزان القوة. وهنا وصل كاغان إلى واحدة من أكثر أفكاره إثارة: قد تكون السيطرة على حركة الطاقة عبر هرمز، في الاستخدام السياسي اليومي، أكثر فائدة من امتلاك قنبلة نووية.
كيف يمكن لمضيق بحري أن يصبح بهذا الحجم من القوة؟