في يناير 2026، وقف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني على منصة دافوس ليطلق تحذيراً غير معتاد من حليف تقليدي للولايات المتحدة. تحدث عن "صدع في النظام العالمي"، وعن عالم لم تعد فيه القوى الكبرى تخضع للقواعد أو التحالفات التقليدية. وبعد يومين، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سحب دعوة كندا للانضمام إلى "مجلس السلام" الذي شكله، ساخراً من كارني: "كندا تعيش بفضل الولايات المتحدة".
هذه المواجهة العلنية ليست مجرد خلاف دبلوماسي عابر، بل مؤشر على تحول أعمق: النظام الدولي الذي صاغته القوى الغربية بعد الحرب العالمية الثانية لم يعد قادراً على إنتاج التوافق الذي كان يستند إليه، حتى بين مؤسسيه. وفي المقابل، شهد العام نفسه حركة بناء متدرجة على منصات أخرى — بريكس، منظمة شنغهاي للتعاون، منتدى سان بطرسبرغ، منتدى فلاديفوستوك — لا تسعى بالضرورة إلى إسقاط النظام القائم، بل إلى تقليص القدرة على استخدامه كأداة ضغط.
ما يجري ليس انتقالاً من قطب واحد إلى أقطاب متعددة بالمعنى التقليدي، بل تحول نحو ما يمكن تسميته "عالم العُقد المترابطة": شبكات من العلاقات والمصالح والمنصات المتداخلة، حيث تصبح القدرة على المناورة والتنقل بين الشبكات أهم من الانتماء الحصري إلى كتلة واحدة.
في دافوس، بدت المفارقة صارخة. المنصة التي ارتبطت تاريخياً بصناعة التوافق العالمي حول العولمة والانفتاح التجاري، وجدت نفسها أمام مشهد مختلف تماماً.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تحدث عن "تحول نحو عالم بلا قواعد، حيث يُدهس القانون الدولي بالأقدام وحيث يبدو أن القانون الوحيد المهم هو قانون الأقوى"، وحذر من عودة "الطموحات الإمبريالية" إلى الواجهة الدولية. الرئيس الكندي مارك كارني تحدث عن "صدع" في النظام العالمي، وعن ضرورة أن تبحث الدول متوسطة الحجم عن تحالفات بديلة خارج نطاق الاعتماد التقليدي على واشنطن.
هذه المواقف ليست اختلافات تكتيكية، بل تعبير عن أزمة أعمق: الحلفاء الغربيون لم يعودوا قادرين على الاتفاق حول قواعد اللعبة الدولية التي صاغوها بأنفسهم.
لكن الأخطر من ذلك هو ما كشفه لاري فينك، رئيس شركة بلاك روك، وهو من أبرز وجوه دافوس ومن أعمدة المجمع المالي العالمي. لم يتحدث فينك عن "من يدمر المناخ والاقتصاد"، بل اعترف بأن المنتدى نفسه يعاني من أزمة تمثيل بنيوية.
قال: "كثيرون ممن يتأثرون بالقرارات التي تُناقش في دافوس لن يحضروا المؤتمر. هذا هو التوتر المركزي لهذا المنتدى. دافوس تجمع نخبوي يحاول تشكيل عالم يخص الجميع." وأضاف: "لا يمكن لهذا المنتدى أن يبقى غرفة صدى."
هذا الاعتراف ليس تفصيلاً هامشياً، بل يكشف التناقض البنيوي الأعمق: المنصة التي تقدم نفسها كمساحة لصناعة عالم للجميع، تحولت إلى لقاء نخبة معزولة عن من يتأثرون بقراراتها. والمفارقة أن فينك نفسه جزء من هذه النخبة — فهو رئيس أكبر شركة لإدارة الأصول في العالم، ويحضر دافوس كصانع قرار لا كمراقب.
اعترافه بأزمة التمثيل لا يعني خروجه من النخبة، بل يعني أن النخبة نفسها بدأت تدرك أن شرعيتها في إنتاج التوافق تتآكل. المشكلة ليست في غياب "المُدمَّرين" عن القاعة، بل في أن القاعة صُممت أصلاً لتعمل بدونهم، ثم اكتشفت أن قراراتها لم تعد ملزمة لمن غابوا عنها.
دافوس 2026 لم يكن إذن مجرد حدث سنوي، بل مرآة عاكسة للنظام الغربي: منصة تجمع أصحاب القرار، لكنها لم تعد قادرة على إنتاج التوافق الذي كان يمنحها شرعيتها.
الأزمة ليست في الحضور، بل في بنية التمثيل نفسها: من يُدعى؟ من يُستشار؟ من تُلزمه القرارات؟ وعندما تصبح الإجابة على هذه الأسئلة غير مقنعة حتى لأعضاء النادي، يصبح البحث عن منصات بديلة ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة استراتيجية.
بعد خمسة أشهر من ذلك المشهد، اجتمع منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي في يونيو 2026 برسالة مختلفة جوهرياً. لم يكن مجرد مناسبة سياسية لإظهار وجود شركاء لروسيا، بل منصة لربط المصالح الاقتصادية الفعلية بين دول متعددة في ظل بيئة عقوبات لم تشهد مثيلاً لها. النتائج كانت ملموسة: 1084 اتفاقية بقيمة تقارب 89 مليار دولار، ومشاركة ممثلين من 142 دولة، وحضور السعودية كضيف شرف.
والمشاركة الأمريكية الرسمية، للمرة الأولى منذ نحو عقد، تحمل دلالة رمزية خاصة. لا تعني انهيار منظومة العقوبات أو تغيراً جذرياً في السياسة الأمريكية، لكنها تكشف حقيقة أكثر تعقيداً: المصالح الاقتصادية للدول لا تتحرك دائماً بالوتيرة نفسها التي تتحرك بها الاصطفافات الجيوسياسية.
وفي سبتمبر 2026، جاء منتدى فلاديفوستوك الاقتصادي ليكمل هذا المسار من الجهة الشرقية. فبينما يربط سان بطرسبرغ روسيا بشركائها في أوروبا وغرب آسيا وأفريقيا، يربط فلاديفوستوك روسيا بآسيا والمحيط الهادئ، مع تركيز على مشاريع الربط والطاقة واللوجستيات والتحول الرقمي.
الحضور الواسع من دول آسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا والصين والهند يشير إلى أن هذين المنتديين لم يعودا مجرد منصتين إقليميتين، بل عقدتين في شبكة أوسع تعيد توزيع مسارات التجارة والطاقة والاستثمار بعيداً عن القنوات الغربية.
وظيفة هذه المنصات في المنظومة الأوسع هي توفير "الاستمرارية الاقتصادية": إبقاء قنوات التجارة والاستثمار والتعاون مفتوحة، وتطوير بدائل تسمح للدول المتضررة من العقوبات أو الراغبة في تقليل اعتمادها على الأسواق والمؤسسات الغربية بمواصلة نشاطها الاقتصادي.
وإذا كانت سان بطرسبرغ وفلاديفوستوك تتعاملان مع سؤال الاستمرارية الاقتصادية، فإن منظمة شنغهاي للتعاون تنتقل إلى مستوى أكثر مؤسسية: بناء القدرة الأمنية والتنظيمية. إعلان بيشكيك في أواخر أغسطس 2026 تضمن توقيع 28 وثيقة، من بينها إنشاء "المركز العالمي لمواجهة التحديات والتهديدات لأمن الدول الأعضاء"، ومركز لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود. كما تم تحديد أهداف للفترة 2026-2030 تتعلق بتطوير الموانئ والمراكز اللوجستية.
هذه الإجراءات تعني أن التعاون لا يقتصر على البيانات السياسية، بل يتحول تدريجياً إلى مؤسسات وآليات دائمة.
في ملف العقوبات، استخدمت المنظمة صياغة أكثر حذراً من بريكس، تمثلت في رفض "التدابير القسرية الأحادية" المخالفة لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي. لكن الاتجاه العام واحد: رفض تحويل القوة الاقتصادية إلى أداة ضغط خارج إطار الشرعية الدولية.
منظمة شنغهاي تمثل إذن طبقة الضمان الأمني والمؤسسي: بناء أدوات جماعية تساعد الدول الأعضاء على التعامل مع التحديات العابرة للحدود دون الاعتماد الكامل على المؤسسات الغربية.
ثم جاءت قمة بريكس في نيودلهي، سبتمبر 2026، لتضيف المستوى السياسي والقانوني إلى هذه العملية. "إعلان نيودلهي" اتخذ موقفاً أكثر مباشرة تجاه العقوبات، من خلال التنديد بالعقوبات الاقتصادية الأحادية والعقوبات الثانوية المفروضة خارج إطار مجلس الأمن الدولي، واعتبارها متعارضة مع القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. الإعلان أعرب عن "قلق بالغ" إزاء التدابير الجمركية الأحادية وغير الجمركية التي تشوه التجارة وتنتهك قواعد منظمة التجارة العالمية.
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لخص الموقف بكلمات بالغة الدلالة: "الجنوب العالمي يقف اليوم في الصف الأول من الأزمات العالمية، لكن في الصف الخلفي من عملية صنع القرار"، ودعا إلى تحويل "هرم الامتيازات" إلى "منصة شراكة".
لكن الموقف من العقوبات لا يقتصر على الرفض، إذ يطرح الإعلان إصلاحاً أوسع للنظام المؤسسي الدولي: إصلاح مؤسسات بريتون وودز، استعادة آلية تسوية النزاعات في منظمة التجارة العالمية، ودعم طموحات الهند والبرازيل للحصول على دور أكبر في مجلس الأمن. وهنا يظهر التحول الجوهري: النقاش لم يعد يدور حول "كيف نتكيف مع العقوبات؟" بل حول سؤال أكثر جوهرية: هل تمتلك دولة أو مجموعة دول الحق في فرض عقوبات اقتصادية خارج إطار الأمم المتحدة، ثم إلزام أطراف ثالثة بها؟ وبالنسبة لإيران، العضو في بريكس ومنظمة شنغهاي معاً، هذه الأسئلة ليست نظرية.
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان استخدم منصة القمة للمطالبة بتعاون دول بريكس في مواجهة العقوبات الأمريكية على إيران، مؤكداً أن آثارها تمتد إلى الأطفال والمرضى وسبل عيش السكان. وهنا تتحول تجربة دولة بعينها إلى قضية جماعية داخل إطار متعدد الأطراف.
عند جمع هذه التطورات، يظهر نمط متدرج وليس مجرد مجموعة من الاجتماعات المنفصلة. سان بطرسبرغ وفلاديفوستوك يعالجان مشكلة الاستمرارية الاقتصادية. منظمة شنغهاي تعالج مشكلة الأمن والقدرة المؤسسية. بريكس تعالج مشكلة الشرعية السياسية والقانونية. دافوس يكشف الأزمة التي تجعل هذه التحركات ممكنة وذات ضرورة متزايدة.
والأدق من وصف ما يجري بأنه انتقال إلى "نظام متعدد الأقطاب" هو القول إننا أمام عالم قائم على العُقد المترابطة. القوة لم تعد موزعة بين مراكز منفصلة ومغلقة، بل بين شبكات من العلاقات والمصالح والمنصات المتداخلة. دولة واحدة قد تكون عضواً في بريكس ومنظمة شنغهاي ومجموعة العشرين في الوقت نفسه، وقد تشارك في دافوس وسان بطرسبرغ معاً. الانتماءات لم تعد حصرية، والولاءات لم تعد أحادية.
هذا النموذج الشبكي يختلف عن التعددية القطبية التقليدية التي تفترض كتلاً متنافسة ومنفصلة. في عالم العُقد، القدرة على المناورة والتنقل بين الشبكات أهم من الانتماء إلى كتلة واحدة. وهذا يفسر لماذا لا تنهار العلاقات بين الخصوم تماماً، ولماذا تستمر التجارة حتى في ظل العقوبات، ولماذا تظهر منصات جديدة كلما أغلقت المنصات القديمة أبوابها.
ومن المهم هنا تصحيح فهم شائع عن العولمة بوصفها ظاهرة حديثة أو غربية المنشأ حصراً. العولمة ليست جديدة، إنها قائمة منذ الأزل: طرق التجارة القديمة، الهجرات، انتقال المعرفة والأديان وحتى الأوبئة و الأمراض، التفاعلات بين الحضارات على مدى آلاف السنين. ما فعله الغرب الحديث ليس اختراع العولمة، بل إعادة تشكيلها في إطار نظام هيمنة ارتبط بالاستعمار، ثم بمؤسسات بريتون وودز، ثم بالعولمة النيوليبرالية بعد الحرب الباردة. النظام الدولي القائم ليس نظاماً طبيعياً أو محايداً، إنه نتاج تاريخي لهيمنة غربية أسست قواعد اللعبة ورسمت مؤسساتها وآلياتها بما يخدم مصالحها.
من هذه الزاوية، يمكن فهم تحركات بريكس وشنغهاي وسان بطرسبرغ ليس كرفض للعولمة في ذاتها، بل كرفض لاحتكار الغرب لتعريفها وإدارتها. المطالبة بإصلاح مؤسسات بريتون وودز، ورفض العقوبات الأحادية، وبناء شبكات تعاون موازية كلها تعبيرات عن رغبة في عولمة أكثر تعدداً في عُقدها، وأقل هيمنة في مركزها.
التحول الأهم الذي تكشفه هذه التطورات لا يتمثل في إعلان قيام "نظام عالمي جديد" بصورة مكتملة، بل في بناء قابلية أكبر للاستقلال الاستراتيجي. الدول الصاعدة والنامية تعمل على تقليل ما يمكن تسميته "التكلفة الحدية للعقوبات": تقليص الخسائر الإضافية التي يمكن أن تلحق بها عندما تستخدم قوة اقتصادية كبرى نظامها المالي أو التجاري أو التكنولوجي للضغط عليها.
هذا يتم عبر ثلاثة مسارات متوازية: تنويع العلاقات الاقتصادية لتقليل الاعتماد على الأسواق الغربية؛ بناء مؤسسات وآليات تعاون بديلة في الأمن واللوجستيات والتمويل والتجارة؛ إعادة تعريف الإطار القانوني والسياسي الذي تُمارس من خلاله العقوبات.
الهدف ليس بالضرورة "قلب" النظام الدولي دفعة واحدة، بل جعله أقل أحادية وأكثر ترابطاً بين عُقد متعددة، بحيث لا تستطيع قوة واحدة تحويل موقعها المهيمن في الاقتصاد العالمي إلى قدرة غير محدودة على فرض إرادتها على الآخرين. وكما قال ابن خلدون في مقدمته: "الظلم مؤذن بخراب العمران"، فالنظام الذي يتحول إلى أداة ضغط بدل أن يكون إطاراً للتعاون، يهيئ الظروف لبدائل تنشأ من رحم الحاجة إلى الأمان.
إننا لا نشهد بالضرورة ولادة نظام بديل مكتمل، ولا انتقالاً من قطب واحد إلى أقطاب متعددة بالمعنى التقليدي. ما نشهده هو عملية تدريجية لبناء عالم قائم على العُقد المترابطة. وهنا يتوقف التاريخ قليلاً أمام سؤال المخاض الاستراتيجي: فكما كتب توكفيل، "العصور العظيمة التي غيّرت وجه العالم لم تُعلن عن نفسها، بل تسللت إلى التاريخ من حيث لم يتوقع أحد". عام 2026 قد يكون أحد تلك اللحظات التي لا تُدرك إلا بعد أن تترسخ معالمها.
وفي خضم هذا المخاض، يبرز سؤال لا يمكن تجنبه: أين العالم العربي من كل هذا؟ المنطقة العربية تقف اليوم أمام مفترق تاريخي. فمن جهة، لا يزال كثير من دولها أسيراً لثنائية المواجهة والتبعية: إما الانخراط في اصطفافات قوى كبرى تقليدية، أو الانزواء في انتظار أن يستقر النظام الدولي على شكل جديد. ومن جهة أخرى، فإن التحول نحو عالم العُقد المترابطة يفتح أمام المنطقة فرصة لم تكن متاحة في نظام القطبين أو حتى في نظام القطب الواحد: فرصة أن تكون فاعلاً في شبكات التعاون الجديدة، لا مجرد موقع جغرافي تتصارع عليه القوى.
العالم العربي يملك مقومات لا يمكن تجاهلها في هذا المخاض: موقعه الجغرافي الذي يربط ثلاث قارات، وموارده الطاقية التي لا تزال محورية في أي ترتيب عالمي، وقدراته المالية التي تمكنه من الاستثمار في البنية اللوجستية والرقمية، وبشريته الشابة التي تمثل طاقة إنتاجية واستهلاكية هائلة. لكن هذه المقومات تبقى مجرد إمكانات إذا لم تتحول إلى استراتيجية عربية جماعية للتكيف مع عالم العُقد.
المطلوب ليس الانضمام إلى هذا المحور أو ذاك، ولا القفز من تبعية إلى أخرى. المطلوب هو أن تخرج المنطقة العربية من موقع المتلقي إلى موقع المشارك في صياغة قواعد اللعبة الجديدة: بناء عُقد عربية خاصة بها، تربط مصالحها بالشبكات المتعددة القائمة، وتستثمر تنوع شركائها لصالح تنميتها واستقلال قرارها. أن تكون المنطقة فاعلاً في المخاض، لا موضوعاً فيه.
فإذا كان عام 2026 يكشف معالم عالم جديد تتوزع فيه القوة بين عُقد مترابطة، فإن السؤال العربي لم يعد: من سيفوز في الصراع بين القوى الكبرى؟ بل: كيف نضمن أن يكون لنا موقع في الشبكة التي تتشكل الآن، قبل أن تترسخ قواعدها وتُقسم مواقعها؟