عاجل:

مقالات وتحليلات..

الحرب والساعة الصفر… في أيّ توقيت يريده ترامب؟

السبت ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦
٠٤:٥٨ بتوقيت غرينتش
الحرب والساعة الصفر… في أيّ توقيت يريده ترامب؟ د. عدنان منصور.. وزير الخارجية والمغتربين اللبناتي الأسبق

في ظلّ التطوّرات المقلقة الحالية التي تعيشها منطقة غربي آسيا، بدأ تصعيد شديد الخطورة، يتنقل من مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب، حيث تشهد اليمن عمليات عسكرية تتوسّع وتشتدّ ضراوتها بين السعودية وحركة أنصار الله، وفي الوقت الذي تبقى فيه الجبهة الجنوبية للبنان مرشحة للانفجار الكبير، نتيجة تمادي “إسرائيل” في عدوانها المتواصل على لبنان، وتأثير النزاع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة أخرى على الوضع اللبنانيّ ككلّ.

رغم المشهد القاتم في المنطقة، لا تزال جهود دولية تُبذل من قبل الوسطاء لاستئناف المفاوضات بين واشنطن وطهران، ولو أنّ إيران تتمسك بشروطها قبل استئنافها مع واشنطن وهي: إنهاء الحرب على جميع الجبهات بما فيها لبنان، ورفع الحصار وتحرير الأموال الإيرانية المجمّدة، وربط إعادة فتح مضيق هرمز بشروط إيرانية معينة.

إنّ أيّ عمل عسكري كبير يقوم به طرف ما، سيستدعي رداً أوسع، يُدخل عدة جبهات في مواجهة بعضها البعض. التدحرج العسكري من جبهة إلى أخرى سيشعل حرباً إقليمية كبرى، فمن هي الجبهة الأولى التي قد تنطلق منها شرارة الحرب؟!

من المستبعد أن تنطلق الشرارة الأولى من لبنان، على اعتبار أنّ المقاومة ملتزمة بوقف إطلاق النار، رغم استمرار “إسرائيل” في عدوانها اليوميّ، والذي لا يزال محصوراً في نطاق جغرافي معيّن. لكن إذا ما أراد العدو توسيع نطاق المواجهة، عندئذ تصبح الجبهة اللبنانية جزءاً من حرب أوسع في المنطقة. إذ لا يمكن ضمان استمرار الوضع الحالي، وإبقائه على ما هو عليه، إذا ما قامت “إسرائيل” بعدوان كبير واسع النطاق على لبنان، يؤدي إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، أو استهداف قادة ميدانيين، أو منشآت ذات أهميّة بالغة؛ لأنّ أيّ عدوان يكسر قواعد الاشتباك الحالية، سيكون من الصعب احتواء الردّ بعده.

إنّ مركز الثقل الحالي للحرب هو الخليج الفارسي ومضيق هرمز واليمن، فيما قرار الحرب والسلم في يد الرئيس الأميركي ترامب، وإنْ كان موقفه متأرجحاً وغير ثابت، نظراً لتصريحاته المتقلبة المتناقضة، وسلوكه السياسي والعسكري الذي يتأرجح بين التصعيد، والتهديد، والتلويح بالحرب، وأيضاً البحث عن إيجاد مخرج سلمي للصراع الدائر عبر التفاوض!

لكن لماذا يميل ترامب باتجاه الحرب ويلوّح بها من آن إلى آخر؟ هناك مؤشرات قويّة تبرز وتحثّ الرئيس الأميركي على استخدام القوة العسكرية على نطاق واسع، وهذا ما عبّر عنه ترامب في مناسبات عديدة.

في شهر تموز/ يوليو الماضي، هدّد ترامب إيران باستهداف شبكة الطاقة والبنى التحتية الإيرانية إنْ لم تستجب طهران لمطالبه، ما دفع إيران بـ”تحذير” دول الخليج الفارسي من أن منشآتها البنيوية ستُستهدف في حال استمرار التصعيد الأميركي. في شهر آب/ أغسطس الماضي، شهدت المنطقة تأهّباً عسكرياً أميركياً، تزامن مع تهديدات شديدة اللهجة أطلقها ترامب باتجاه إيران، ثم أتبعها مع مطلع أيلول/ سبتمبر الحالي بضربات على إيران، ردّت طهران عليها على الفور في أخطر تصعيد، بضربات قوية ضدّ منشآت أميركية مختلفة.

ترامب في 16 أيلول/ سبتمبر قال إنه يأمل أن تكون الولايات المتحدة نحو نهاية الحرب مع إيران! لكن متى وكيف ستكون نهاية الحرب؟ عبارة حمّالة أوجه، أهي عن طريق المفاوضات أم عن طريق استخدام القوة العسكرية؟ إذا كانت شروط إيران هي هي، لم تتغيّر ولم تتراجع عنها، فهل وجدت هذه الشروط قبولاً لدى الرئيس ترامب في نهاية الأمر؟ ترامب نظرياً لم يغلق باب الحرب، بل أبقاه مفتوحاً، ليكون وسيلة ضغط للوصول إلى تسوية يريدها لصالحه، بدلاً من التصعيد العسكري الذي قد يجد نفسه فيه أمام ردّ فعل إيراني كبير، وأمام حرب أكبر بكثير مما يتوقع ويريد؛ لأنّ الخليج الفارسي الذي يشكل انطلاقة الشرارة الأولى، قد يجرّ وراءه اصطفاف دول ومحاور. حينئذ سيكون قرار دول الخليج الفارسي أمام أمرين: إما البقاء في موقع الدفاع عن أراضيها وقواعدها فقط، وإما جعل نفسها طرفاً من أطراف النزاع، لتنخرط في الحرب مباشرة. في كلتا الحالتين، قرار دول الخليج الفارسي سيحدّد شكل وأبعاد الحرب في حال اندلاعها.

مما لا شك فيه، أنّ الانتخابات النصفية تشكل تحدياً قطعياً لترامب وللحزب الجمهوري، حيث يرى ترامب أنّ توجيه ضربة قاصمة لإيران، ستمكنه من تعويم رصيده الشعبي، وكذلك الأمر بالنسبة لنتنياهو الذي هو أيضاً في وضع داخلي حرج داخل “إسرائيل”. هل تكون الحرب خياراً ومخرجاً للرجلين، ليطلا على شعبيهما بإنجاز قبل الانتخابات، يزيد من رصيدهما السياسي والانتخابي؟ استطلاع Reuters/Ipsos في 14 أيلول/ سبتمبر من الشهر الحالي أظهر تقدّم الديمقراطيين في التصويت العام للكونغرس بـ 44% مقابل 33% للجمهوريين، في وقت أصبح فيه ارتفاع أسعار الوقود مشكلة سياسية للجمهوريين.

لذلك قال ترامب صراحة في خطاب له يوم 10 أيلول/ سبتمبر إنه “لا يندم على الحرب مع إيران”، وأنه “لو عاد به الزمن لفعل الشيء نفسه”، وأنّ الحرب “ستنتهي مباشرة بعد الانتخابات النصفيّة”. فهل يريد ترامب إنهاء الحرب بالحرب؟!

إذا كان هناك من الجمهوريين مَن يريد وقف الحرب قبل الانتخابات النصفية، فعلى الجانب “الإسرائيلي” حسابات مختلفة لنتنياهو، وأكثر حساسية، إذ يواجه انتخابات شرسة وصعبة، في ظلّ استطلاعات تشير إلى صعوبة احتفاظه بالسلطة، فبين الانتخابات “الإسرائيلية” المقرّرة يوم 27 تشرين الأول/ أكتوبر، و3 تشرين الثاني/ نوفمبر، أسبوع فاصل، والوقت يضيق أمام نتنياهو الذي لديه رغبة قوية للبقاء في السلطة. لذلك لن يتردّد بالقيام بضربة يريدها حاسمة ضدّ إيران، لكنه يريدها أيضاً بمشاركة ترامب، ليحوّل الحرب إلى “انتصار” قابل للتسويق قبل موعد الانتخابات، وبعدها يخرج ترامب ونتنياهو ليقولا إننا حققنا الهدف الرئيس، ومنعنا إيران من امتلاك السلاح النووي.

إذا كان ترامب لم يسقط خيار الحرب التي لوّح بها ولا يزال مرات عديدة، وهو على استعداد لإشعالها مرة أخرى، فمتى؟ هل واثق أنه بإمكانه التحكم مسبقاً في سقفها وضبطها؟ هل ستنحصر الحرب في الرقعة الجغرافية الإيرانية، أم أنّ لهيبها سيتمدّد على أكثر من جبهة، ويصبح التصعيد الكبير مغامرة انتخابية ضخمة؟! إذا بقيت الحرب محصورة في تبادل ضربات ـ أميركية “إسرائيلية” ـ إيرانية، عندئذ يمكن التحكّم بها. لكن ماذا لو أدخلت إيران منشآت الخليج الفارسي ، ومضيق هرمز، والتجارة الدولية، وسلاسل التوريد، ومضيق باب المندب في الحرب، فهل يضمن ترامب ونتنياهو بعد ذلك التحكم بنتائجها؟!

ما هي خيارات ترامب العاجلة حيال توقف المفاوضات؟ أهي الحرب قبل إجراء الانتخابات أم بعدها؟! مهما كانت نتيجة الانتخابات، لن تجعل ترامب يعزف عن اللجوء إلى الحرب، خاصة إذا ما فاز الجمهوريون، لأنّ فوزهم سيكون لترامب دافعاً قوياً للذهاب بعيداً في شروطه وفي حربه على إيران، وإذا فشلوا في الانتخابات، لن يعود لدى ترامب في النصف الثاني من ولايته ما يخسره في الكونغرس. لذلك ليس مستبعداً منه استخدام القوة العسكرية لتحقيق هدف استراتيجي قبل نهاية ولايته، ليقول للأميركيين وللعالم إنه الوحيد الذي استطاع إخضاع إيران والقضاء على برنامجها النووي، بعد أن عجز عن إخضاعها أسلافه! ترامب لا يشير إلى أنّ الانتخابات ستوقف الحرب، بل كان واضحاً عندما صرّح يوم 9 أيلول/ سبتمبر الفائت أنّ الحرب ستنتهي مباشرة بعد الانتخابات في تشرين الثاني/ نوفمبر، وأنّ إيران لا تستطيع الاستمرار في تحمل الضغوط الاقتصادية عليها!

إذا كانت الحرب التي يعدّها ترامب لإيران لا مفرّ منها، فمتى سيشعلها؟ أقبل الانتخابات الإسرائيلية أم بعد الانتخابات النصفية الأميركية؟! لا يهمّ توقيت ساعة الحرب طالما أنها واقعة. المهمّ في الأمر هو أنّ إيران ليست غافلة عما يُحضَّر لها من سيناريوات تحضرها لها الولايات المتحدة، وهي مستعدة لمواجهتها بعد أن تعلمت دروساً من الحربين عليها عام 2025 و2026.

طهران لن تسمح لعدوّها بتكرار سيناريو اليوم الأول من الحرب الأولى والثانية. إيران تجد نفسها حالياً أمام لحظة صفر، وتضع احتمال وقوع الحرب في مرحلة متقدّمة، وتعلم جيداً أنّ واشنطن تريد أن تكون المعركة واسعة وجماعية بتحالف دول أوروبية وعربية ومعها “إسرائيل”. طهران على يقين أنّ التحالف كان موجوداً عملياً في المعارك السابقة، وإنْ لم يكن رسمياً وعلنياً، وبالتالي لن يغيّر شيئاً من معادلة الاشتباك. إيران تضع في حسابها ضربة أميركية ـ “إسرائيلية” واسعة تُنفَّذ خلال وقت قصير كي يعلن ترامب “النصر السريع”، وليقول إنه قضى على بنك الأهداف. إيران من جهتها متأهّبة لمواجهة تحرّكات برية على الحدود من جهة كردستان العراق، وفي العمق الإيراني، قد تقوم بها عناصر معادية تعمل لصالح العدو. كما تضع في حسابها هجوماً على البرنامج الصاروخي، وعلى المنشآت النووية في أصفهان وغيرها. المعلومات المستقاة من إيران تفيد أنه إذا ما قامت واشنطن بتدمير المنشآت النووية السلمية في أصفهان، فإنه من غير المستبعد بتاتاً أن تنسحب إيران من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وبالتالي تغيير العقيدة النووية الإيرانية. أما في حال قامت أميركا بضرب البنى التحتية الإيرانية، فإنّ المعادلة التي ستطبقها طهران هي: بنى إيران التحتية مقابل البنى التحتية للمنطقة بما فيها “إسرائيل”. أما إذا كرّرت أميركا سيناريو الاغتيالات لمسؤولين مدنيين وعسكريين إيرانيين كما حصل في الهجومين حزيران/ يونيو 2025، وشباط/ فبراير 2026، فإنّ قرار إيران هو أن لا يكون لأحد حصانة في المنطقة.

المنطقة على صفيح ساخن، بانتظار قرار الحرب أو السلم، كما تبقى إيران أمام أعدائها وأصدقائها، علامة فارقة في العلاقات السياسية الدولية، لا تهاب القوى المستبدّة، وثابتة على التمسك بحقها، والدفاع عن حقها، وسيادتها، وكرامة شعبها، دون أن تتراجع وهي تواجه أعتى قوة على وجه الأرض…!

0% ...

آخرالاخبار

شكارجي:إذا ارتكب الأميركيون خطأ فإن ضرباتنا ستكون أثقل وأكثر انتشارا


محادثات بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ورئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة خليل الرحمن


سريع: بلغ إجمالي غارات العدوان السعودي منذ بدء التصعيد 1059 غارةً وصاروخًا


الحرب والساعة الصفر… في أيّ توقيت يريده ترامب؟


سريع: الغارات استهدفت الأعيان المدنية من جسور وطرقات وغيرها فى محافظات تعز ومأرب وصعدة وعمران وإب وحجة


المتحدث الرسمي للقوات المسلحة اليمنية العميد يحيى سريع: شن الطيران الحربي السعودي خلال الـ24 ساعة الماضية 27 غارة جوية


لافروف: العدوان الأميركي و"الإسرائيلي" استهدف منشآت مدنية ونووية إيرانية خاضعة لضمانات الوكالة الدولية


لافروف: استخدام القوة لقتل قائد الثورة الإيرانية وأفراد من عائلته أمر غير مقبول


اليمن في مواجهة التصعيد السعودي وصنعاء تلوّح بضربات رادعة


من ركام العدوان إلى الحياة.. "كفرصير"اللبنانية تستعيد نبضها بالأسواق