عاجل:

مقالات وتحليلات..

حين انحنى لاعبو أيرلندا لغزة.. كرة القدم ترفع صوتها في وجه الإبادة

الأربعاء ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦
٠٧:٥١ بتوقيت غرينتش
حين انحنى لاعبو أيرلندا لغزة.. كرة القدم ترفع صوتها في وجه الإبادة بقلم: حيدر زيبرم

لم تكن مباراة أيرلندا وکیان الاحتلال "الإسرائيلي"، التي أقيمت الأحد 27 سبتمبر 2026 في مدينة ديبرتسن المجرية، مجرد مواجهة في دوري الأمم الأوروبية. فقبل أن تبدأ المنافسة على أرض الملعب، كانت هناك رسالة إنسانية حملها لاعبو المنتخب الأيرلندي، في مشهد اختلط فيه الصمت بالحزن، والرياضة بالتضامن مع ضحايا الحرب في غزة.

في كثير من الأحيان، لا تحتاج المواقف الإنسانية إلى خطابات طويلة. شارات سوداء على قمصان اللاعبين، ورفض مصافحة، ورؤوس تنحني أثناء النشيد... كانت كافية لتوصيل رسالة تضامن مع ضحايا العدوان في غزة.

وانتهت المباراة بفوز أيرلندا بثلاثة أهداف دون مقابل، لكن الصور التي سبقت انطلاقها ربما كانت أكثر تأثيرا من النتيجة نفسها، لأنها نقلت النقاش من حسابات الفوز والخسارة إلى سؤال أكبر يتعلق بحدود المسؤولية الإنسانية ودور الرياضة في زمن الحروب. وهنا تتجاوز الصورة حدود مباراة كرة القدم؛ فحين يشاهد الملايين لاعبا ينحني صامتا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس من سجل الهدف الأول، وإنما: ماذا يحدث للإنسان عندما تتحول الحرب إلى واقع يومي؟

فلسطين ليست مجرد قضية سياسية

ما يحدث في غزة لا يمكن اختزاله في منافسة سياسية أو خلافات. وراء أرقام الضحايا هناك أطفال وعائلات ومدنيون، وهناك مستشفيات ومدارس ومنازل وبنية تحتية دُمرت أو تضررت، وهناك ملايين الفلسطينيين الذين عاشوا آثار الحرب والنزوح وفقدان الأمن. ولهذا أصبح التضامن مع غزة بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي تعبيرا عن الدفاع عن حقوق الإنسان وحماية المدنيين ورفض استهداف الأبرياء. إن الدفاع عن حياة المدنيين لا ينبغي أن يكون مرتبطا بجنسيتهم أو دينهم أو هويتهم. فالطفل الفلسطيني، مثل أي طفل في العالم، له الحق في الحياة والأمن والكرامة.

كرة القدم أمام اختبار أخلاقي

لطالما قيل إن الرياضة يجب أن تبقى بعيدة عن السياسة. لكن التاريخ يثبت أن الرياضة لم تكن يوما معزولة تماما عن القضايا الإنسانية الكبرى. فقد أصبحت الملاعب في مناسبات عديدة مساحة للتعبير عن رفض العنصرية والتمييز والحروب وانتهاكات حقوق الإنسان. وفي حالة مباراة أيرلندا و"إسرائيل"، وجد اللاعبون أنفسهم أمام قضية تجاوزت حدود الرياضة نفسها. حتى قرار حارس المرمى الأيرلندي غافين بازونو الانسحاب من المباراة كان مرتبطا بموقف أخلاقي شخصي، إذ قال إنه لا يستطيع المشاركة في ظل مقتل المدنيين في غزة. وبعد نقاش طويل داخل معسكر المنتخب، قرر غالبية اللاعبين خوض المباراة، لكنهم اختاروا في الوقت نفسه التعبير عن موقفهم من خلال رموز صامتة قبل انطلاقها.

من الملعب إلى العالم

ربما كان أهم ما حققته تلك اللحظات أنها جعلت قضية غزة حاضرة أمام جمهور عالمي يتابع كرة القدم. فالرياضة تمتلك قدرة استثنائية على الوصول إلى ملايين الأشخاص الذين قد لا يتابعون التقارير السياسية أو الإنسانية، لكنها تصل إليهم عندما تتحول لحظة رياضية إلى صورة عالمية. صورة لاعب يرتدي شارة سوداء. صورة قائد يرفض المصافحة. صورة لاعبين يخفضون رؤوسهم. وصورة لاعب يحتفل بهدفه وهو يشير إلى الشارة السوداء التي يرتديها. كل هذه الصور أصبحت جزءا من المشهد الذي رافق المباراة، وأعادت وضع معاناة غزة أمام أعين جمهور واسع.

ماذا يعني التضامن مع فلسطين؟

التضامن مع الشعب الفلسطيني لا يعني بالضرورة استهداف شعب آخر أو تحميل المدنيين مسؤولية قرارات الحكومات. بل يمكن أن يكون موقفا واضحا من مبدأ أساسي: أن حياة المدنيين ليست قابلة للمقايضة، وأن حقوق الإنسان يجب أن تكون واحدة للجميع. ومن هنا، فإن رفض قتل المدنيين، والدعوة إلى حماية الأطفال، والمطالبة بدخول المساعدات الإنسانية، ورفض التهجير القسري، والدفاع عن حق الفلسطينيين في الحياة والكرامة، كلها مواقف يمكن وضعها في إطار حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. وهذا يفسر لماذا أصبحت غزة حاضرة في الاحتجاجات والمواقف الإنسانية في الجامعات والملاعب والمؤسسات الثقافية والرياضية في دول مختلفة حول العالم.

"سنلعب ضد الإبادة الجماعية"

أثارت تصريحات مدرب المنتخب الأيرلندي هيمير هالغريمسون قبل المباراة اهتماما واسعا، بعدما تحدث بصورة صريحة عن رفضه لما يجري في غزة. لكن المدرب عاد لاحقا وأوضح موقفه في سياق الجدل الذي سبق المباراة، مؤكدا أن خوض اللقاء لا يعني تأييد ما يحدث في غزة، وأن اللاعبين احتفظوا بحقهم في التعبير عن موقفهم. وبعد المباراة، قال هالغريمسون إن اللاعبين تمكنوا من رفع الوعي بالقضية من خلال أفعالهم وتصريحاتهم، وإن احتجاجهم لفت الانتباه إلى الوضع في غزة على نطاق أوسع. وهنا تكمن أهمية الموقف: فالاحتجاج لا يغيّر نتيجة الحرب وحده، لكنه يستطيع أن يمنع المأساة من التحول إلى خبر عابر.

غزة.. حين تتحول الأرقام إلى وجوه

أحد أخطر آثار الحروب أن الضحايا يتحولون تدريجيا إلى أرقام في نشرات الأخبار. رقم جديد من القتلى، رقم جديد من الجرحى، عدد جديد من النازحين، منزل آخر دُمّر، مستشفى آخر خرج عن الخدمة، لكن وراء كل رقم إنسان، طفل له اسم، أم تنتظر ابنها، أب يبحث عن عائلته، وعائلة فقدت منزلها وحياتها السابقة. لهذا فإن أي موقف يذكّر العالم بأن هؤلاء ليسوا مجرد أرقام، بل بشر لهم حقوق أساسية، يحمل قيمة إنسانية تتجاوز حدود السياسة والرياضة.

الرياضة لا توقف الحرب.. لكنها تستطيع أن ترفض الصمت

من المهم ألا نحمّل كرة القدم أكثر مما تستطيع، المباراة لن توقف الحرب، والاحتجاج داخل الملعب لن ينهي المأساة وحده. لكن الرياضة تستطيع أن تفعل شيئا آخر: أن تمنح قضية إنسانية مساحة إضافية في الوعي العالمي. ويمكن للاعبين أن يستخدموا شهرتهم للتذكير بأن هناك ضحايا يحتاجون إلى الحماية، وأن الملاعب ليست منفصلة تماما عن العالم الذي يعيش فيه الرياضيون والمشجعون. وهذا ما جعل مشهد المنتخب الأيرلندي في ديبرتسن لافتا، إذ تحولت لحظات ما قبل المباراة إلى رسالة مرئية لملايين المتابعين.

فلسطين في ضمير العالم

بالنسبة إلى كثيرين، أصبحت فلسطين وغزة رمزا لمعركة أوسع من حدود الجغرافيا: معركة من أجل الحق في الحياة والحرية والكرامة والعدالة. ومن هنا، فإن التضامن مع فلسطين لا ينبغي أن يُفهم فقط باعتباره موقفا سياسيا، بل يمكن أن يكون أيضا تعبيرا عن مبدأ إنساني بسيط: لا أحد يستحق أن يُقتل لأنه وُلد في المكان الخطأ. ولا طفل يستحق أن يكبر وسط الخوف والحصار والدمار. ولا عائلة يجب أن تدفع ثمن حرب لم تخترها.

لقد انتهت مباراة أيرلندا و"إسرائيل" ، لصالح المنتخب الأيرلندي، لكن النتيجة الرياضية ستبقى في سجلات البطولة، بينما قد تبقى الصور التي سبقت المباراة في ذاكرة الكثيرين باعتبارها لحظة اختار فيها لاعبون استخدام منصة رياضية عالمية للتعبير عن تضامنهم مع ضحايا الحرب.

رسالة من الملعب

في نهاية المطاف، لم تكن شارة الحداد السوداء مجرد قطعة قماش، ولم يكن خفض الرؤوس مجرد حركة عابرة. كانت رسالة تقول إن خلف أخبار الحرب بشرا، وخلف الأرقام أرواحا، وخلف كل صورة من غزة عائلة تبحث عن الأمان. قد لا يستطيع لاعب كرة القدم إيقاف الحرب، لكنه يستطيع أن يرفض أن يصبح الصمت جزءا منها.

وفي عالم اعتاد على صور الدمار والضحايا، ربما تكون أهم رسالة يمكن أن تصل من ملعب كرة القدم هي أبسطها:

فلسطين ليست رقما في نشرات الأخبار...

وغزة ليست خبرا عابرا...

وحياة الإنسان يجب أن تبقى فوق كل مباراة وكل نتيجة.

0% ...

آخرالاخبار

مصادر فلسطينية عن"يديعوت أحرونوت": تتزايد التقديرات بأن ما حدث على طائرة فلاي دبي هي عملية فدائية


انسحاب أمريكا من العراق وإقرار مشروع قانون الحشد الشعبي


المتحدث باسم حرس الثورة العميد محبي: تجري مواجهات عسكرية في مضيق هرمز كل 24 ساعة، لكن الولايات المتحدة لم تعد تردّ منذ فترة


نتنياهو في الإمارات.. اجتماع عربي "اسرائيلي" سري


متحدثة الحكومة الإيرانية: وزير الخارجية الإيراني تلقّى ردّ الجانب الأمريكي على المقترح الذي قدّمه الوسيط القطري


"الغارديان": البيت الأبيض يحث سراً الإمارات والسعودية على طي صفحة خلافاتهما والسماح بتشكيل قيادة عسكرية موحدة


الصحة في غزة: 9 شهداء و31 إصابة خلال الـ24 ساعة الماضية في قطاع غزة


القائد العام للقوات المسلحة العراقية يعلن الانتهاء الرسمي لمهمة التحالف الدولي في البلاد


وزير الدفاع البلجيكي: سيكون الشتاء قاتماً لأوروبا


برلماني إيراني: العقوبات الأمريكية لم تُحدث أي خلل في قطاع الطيران