عاجل:

خطاب روبيو في أثينا يستحضر «صدام الحضارات»

الإثنين ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦
١١:٥٧ بتوقيت غرينتش
خطاب روبيو في أثينا يستحضر «صدام الحضارات» د. أحمد موسى حوماني

أثار عالم السياسة الأميركي صامويل هنتنغتون جدلًا واسعًا في تسعينيات القرن الماضي، حين نشر عام 1993 مقالته الشهيرة «صدام الحضارات؟»، قبل أن يوسع أطروحتها في كتابه «صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي» الصادر عام 1996. وذهب هنتنغتون إلى أن الانتماءات الثقافية والحضارية ستغدو أحد المحددات الرئيسية للصراعات الدولية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

وفي مقابل هذه الأطروحة، طرح الرئيس الإيراني الأسبق السيد محمد خاتمي مفهوم «حوار الحضارات»، الذي وجد صدى دوليًا واسعًا، وتبنّت الأمم المتحدة مبادرته بإعلان عام 2001 سنةً لحوار الحضارات.

لم يطرح هنتنغتون نظريته من فراغ؛ فقد تناول في كتابه نشوء الحضارات وصعودها وانهيارها، وتوقف عند الحضارة الغربية التي هيمنت على النظام الدولي لقرون، لكنه حذّر من صعود قوى حضارية منافسة، وفي مقدمتها الصين ذات الجذور الكونفوشيوسية. كما تناول الحضارة الإسلامية وما تمتلكه من مقومات ثقافية وتاريخية، معتبرًا أن الانقسامات بين دولها وتعدد مراكز القرار فيها يؤثران في قدرتها على التحول إلى قوة دولية متماسكة.

وفي قراءة نقدية لهذه الأطروحة، يمكن النظر إلى محاولات احتواء القوى الصاعدة ومنع تشكل تكتلات إقليمية مستقلة باعتبارها جزءًا من الصراع على استمرار الهيمنة الغربية. وفي منطقتنا، يرى الكاتب أن استمرار الانقسامات والصراعات بين فلسطين وسوريا ولبنان والعراق وإيران ومصر ودول الخليج الفارسي يعرقل إمكانات التكامل ويخدم القوى الساعية إلى إبقاء المنطقة تحت نفوذها.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم جانب من التطورات الجارية اليوم، سواء في شرق آسيا ومحاولات الولايات المتحدة احتواء الصين والحد من نفوذها السياسي والاقتصادي، أو في منطقتنا العربية والإسلامية، حيث تتداخل الصراعات والحروب مع مصالح القوى الخارجية، بما يفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية ويعوق فرص التنمية والاستقلال.

أما إيران، فتواجه منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979 مسارًا متواصلًا من العقوبات والضغوط والصراعات، في ظل سعيها إلى تطوير قدراتها العلمية والصناعية والدفاعية وتعزيز استقلال قرارها الوطني. ومن هذا المنظور، يرى الكاتب أن المواجهة معها تتجاوز الخلافات السياسية الآنية، لتشمل أيضًا الصراع على مكانة إيران ودورها الإقليمي وقدرتها على تقديم نموذج مستقل عن الهيمنة الأميركية والغربية.

روبيو يستحضر التاريخ اليوناني في مواجهة إيران

في هذا السياق، لم تكن تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في أثينا يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول بعيدة عن الجدل المتعلق بالعلاقة بين الحضارات والهيمنة الدولية.

ففي خطابه، استحضر روبيو الحروب القديمة بين الإمبراطورية الفارسية والمدن اليونانية، مشيرًا إلى حملة الملك الأخميني خشايارشاه على أثينا عام 480 قبل الميلاد، وما وصفه بنهب المعابد وإحراق المزارات وتدمير الأكروبوليس. ثم ربط الإرث اليوناني القديم بمسار تشكل الحضارة الغربية، وصولًا إلى الولايات المتحدة المعاصرة، مؤكدًا أن قيم البطولة والشرف والواجب التي نسبها إلى اليونان القديمة تشكل أساسًا مميزًا لهذه الحضارة.

ولم يقتصر خطابه على استحضار التاريخ، بل انتقل إلى انتقاد القيادة الإيرانية. كما شدد على أن قيم البطولة والشرف والواجب، بحسب تصوره، ليست مفاهيم كونية نشأت بصورة متطابقة في جميع الحضارات، بل هي نتاج خصوصية الحضارة الغربية التي دعا إلى الدفاع عنها.

إن الجمع بين استحضار الصراع الفارسي اليوناني القديم، وتقديم الحضارة الغربية بوصفها امتدادًا تاريخيًا متماسكًا لذلك الإرث، ثم تصوير القيادة الإيرانية باعتبارها نقيضًا قيميًا لهذه الحضارة، يفتح الباب أمام قراءة الخطاب في إطار منطق «صدام الحضارات»، حتى وإن لم يستخدم روبيو هذا المصطلح صراحة.

وبذلك، لا تبدو المسألة مجرد استشهاد بأحداث تاريخية، بل تتصل بالطريقة التي يُعاد بها توظيف الماضي في الخطاب السياسي المعاصر، وربط الصراعات الراهنة بهويات حضارية متقابلة.

الرد الإيراني: من يستحضر التاريخ عليه أن يستعد لتكراره

أثارت تصريحات روبيو ردودًا سريعة من مسؤولين إيرانيين، رأوا فيها محاولة لتوظيف التاريخ في تبرير سياسات الهيمنة والضغط على إيران.

وكان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، اللواء محسن رضائي، من أبرز من ردوا على الخطاب، قائلًا: «عندما يذهبون إلى أثينا بعد الهزيمة والإذلال أمام إيران، لصياغة رواية عن حرب حضارية، فمن الأفضل لهم أن يقرأوا فصلًا مهمًا آخر من التاريخ: حين ركع الإمبراطور الروماني أمام شابور الأول الساساني. ومن يستحضر التاريخ، فعليه أن يكون مستعدًا لتكراره».

واستحضر رضائي بذلك المواجهة بين الإمبراطورية الساسانية والإمبراطورية الرومانية في القرن الثالث الميلادي، حين أسر الملك شابور الأول الإمبراطور الروماني فاليريان عام 260 ميلاديًا، في واقعة شكّلت ضربة كبيرة لهيبة روما، وخلّدتها النقوش الساسانية.

ومن الناحية التاريخية، فإن أسر فاليريان على يد شابور الأول واقعة موثقة، لكن تحديد هوية الشخصية الراكعة في بعض النقوش الساسانية لا يزال موضع خلاف بين الباحثين؛ إذ ترجح بعض الدراسات أنها تمثل الإمبراطور فيليب العربي، فيما يظهر فاليريان في أحد النقوش واقفًا، بينما يمسك شابور بمعصمه. ولا يغيّر هذا الخلاف من حقيقة أسر فاليريان، لكنه يقتضي التمييز بين الواقعة التاريخية وتفسير تفاصيل النقوش التي خلدتها.

أما رئيس مجلس الشورى الإسلامي الإيراني محمد باقر قاليباف، فرد على تصريحات روبيو قائلًا: «واجهنا على مر التاريخ أناسًا أعلنوا أنفسهم سادة العالم، وحاولوا محو الحضارات العريقة من الوجود. جاؤوا بالنار واللهب، لكنهم رحلوا بالغبار والذل. والذين يسعون وراء إرث الإسكندر سيلقون مصير فاليريان: ستجثون على ركبكم».

ويحمل هذا الرد رسالة سياسية واضحة مفادها أن استحضار التاريخ لا يخدم طرفًا واحدًا، وأن إيران تستند إلى ذاكرتها التاريخية لتأكيد رفضها الخضوع للضغوط والتهديدات الأميركية، وللتحذير من أن السعي إلى فرض الإرادة بالقوة قد ينتهي بنتائج معاكسة لما يريده أصحابه.

وفي السياق نفسه، انتقد مستشار قائد الثورة الإسلامية للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي خطاب روبيو، مشيرًا إلى التناقض بين إشادته بصمود المقاتلين اليونانيين حتى آخر رجل، وانتقاده صمود الشعب الإيراني ووصفه بأنه تعبير عن «ثقافة الموت».

وقال ولايتي إن المشكلة الأميركية لا تتعلق بالثورة الإسلامية وحدها، بل بوجود حضارة إيرانية قوية ومستقلة، مضيفًا أن الذين ارتكبوا مآسي هيروشيما وفيتنام والعراق وأفغانستان لا يحق لهم إلقاء دروس في الأخلاق على الآخرين.

صراع على الهيمنة أم مواجهة بين الحضارات؟

تكشف هذه الردود أن طهران لا تتعامل مع تصريحات روبيو باعتبارها مجرد جدل حول التاريخ القديم، بل تقرأها في سياق أوسع يتصل بموقع إيران في النظام الدولي، وبمحاولات الولايات المتحدة إعادة تأكيد قيادتها للغرب وترسيخ نفوذها العالمي.

فحين تُقدَّم حضارة بعينها بوصفها المصدر الحصري لقيم البطولة والأخلاق والتقدم، ويُصوَّر الخصم السياسي على أنه يمثل نقيضًا حضاريًا لها، يصبح الخطاب التاريخي أداة لتبرير المواقف السياسية والاستراتيجية، وقد يتحول الاختلاف السياسي إلى مواجهة هوياتية أوسع.

ومن هنا، يرى الكاتب أن المواجهة الراهنة بين إيران والولايات المتحدة لا يمكن اختزالها في الخلاف بشأن الملف النووي أو الملاحة في مضيق هرمز، بل ترتبط أيضًا بالصراع على النفوذ والهيمنة في غرب آسيا، وبحق دول المنطقة في الاستقلال السياسي والثقافي والحضاري.

وفي المقابل، تقدم إيران نفسها دولة تسعى إلى صون هويتها التاريخية وتعزيز قدراتها العلمية والصناعية والدفاعية، وترفض أن تكون مكانتها أو خياراتها خاضعة لإرادة القوى الكبرى. كما يندرج خطابها عن الحضارة الإسلامية ضمن رؤيتها لدور إقليمي مستقل يقوم، وفق طرحها، على التحرر من الهيمنة الخارجية واحترام سيادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها.

إن استدعاء التاريخ، سواء تعلق الأمر بالحروب الفارسية اليونانية أو بمواجهة شابور الأول وفاليريان، لا يحسم وحده طبيعة الصراعات المعاصرة ولا يحدد نتائجها. لكنه يكشف كيف توظف الأطراف المختلفة الذاكرة التاريخية في بناء رواياتها السياسية، وتعبئة مجتمعاتها، وتأكيد شرعيتها ومكانتها.

فهل يستخلص روبيو والرئيس الأميركي دونالد ترامب العبرة من دروس التاريخ، ويدركان أن فرض الإرادة بالقوة لا يضمن الهيمنة الدائمة؟ أم يستمر توظيف الماضي في تأجيج صراع أوسع، يدفع شعوب المنطقة والعالم ثمنه؟

0% ...

آخرالاخبار

إيران ترسم خطوطها الحمر:.. لا فتح لهرمز تحت الحصار الأمريكي


إسعاف الإحتلال: 12 مصابا إثر انفجار ذخيرة في منطقة يفتاح بالجليل الأعلى 4 حالتهم خطرة


إرث الشهيد نصر الله الفكري يرسم معالم المقاومة وانتصاراتها


 الهيئة اليمنية لحقوق الإنسان: نحمل السعودي المسؤولية الكاملة عن استهداف الأحياء السكنية وزرع الألغام في بيوت المواطنين ونطالب الأمم المتحدة بإدانة علنية


الهيئة اليمنية لحقوق الإنسان: إصابة 7 أطفال بانفجار لغم زرعته تحشيدات السعودي داخل منزل بمنطقة العفيرة في جبل حبشي جريمة تعكس الحقد السعودي


الهيئة اليمنية لحقوق الإنسان: ندين استهداف الطيران السعودي لحي سكني في خط المطار بمديرية الثورة بصنعاء وغارتين على طريق الزربي بحيفان في تعز  


نائب قائد القوة البحرية للجيش الإيراني: وجهنا ضربات قاصمة للبحرية الأمريكية، وتراجع العدو بشكل واسع عن الحدود البحرية الإيرانية


نائب قائد القوة البحرية للجيش الإيراني: في مواجهة التكتيكات الجديدة التي يلجأ إليها العدو تعتمد إيران أيضا تكتيكات جديدة  


نائب قائد القوة البحرية للجيش الإيراني، الأدميرال بماني: درسنا نقاط ضعف العدو، ونعمل على إنتاج أسلحة جديدة بما يتناسب مع نتائج الدراسات    


مصادر أمنية واستخباراتية تركية: حزب العمال الكردستاني يُخلي 4 معسكرات تابعة له في منطقة بازي التابعة لمنطقة متينا شمالي العراق


الأكثر مشاهدة

العدوان يلوّث الأرض والماء.. طهران تطالب بتجريم الإبادة البيئية


قصف مدفعي مستمر يستهدف المنطقة الواقعة بين بلدة زوطر الشرقية وميفدون وبلدة المنصوري


السعودية.. اضطراب في حركة الملاحة الجوية فوق المنطقة الشرقية فوق الدمام-بقيق


6 غارات جوية سعودية على مديرية مجز في صعدة اليمنية


وزارة الصحة اليمنية: 91 شهيدا و168 جريحا معظمهم نساء وأطفال ضحايا العدوان السعودي منذ بداية تصعيده في الثالث من سبتمبر الماضي


التحالف السعودي: ‏سقوط مقذوف في محيط مطار الملك فهد الدولي بالدمام


بقائي: الحكومة الأمريكية تمثل التهديد الحقيقي للشعب الأمريكي


مصادر إعلامية: سماع دوي انفجار في جدة


تحليق لطيران العدو الحربي بشكل كثيف شمال ووسط فلسطين المحتلة


نيويورك تايمز: الهجوم اليمني على المطار الرئيسي في الرياض بالسعودية، أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 12 شخصا وإصابة 50 آخرين


وسائل إعلام عراقية: عودة طائرتين كانتا متجهتين من العراق إلى إيران، وهبوطهما في مطار النجف الدولي