عاجل:

الديزل وأوكرانيا ومعادلة المضائق: كيف كشف محور المقاومة هشاشة الإمبراطورية

الجمعة ١٦ أكتوبر ٢٠٢٦
٠٦:٢١ بتوقيت غرينتش
الديزل وأوكرانيا ومعادلة المضائق: كيف كشف محور المقاومة هشاشة الإمبراطورية بقلم: نوال عباسي - تونس - منتدى سيف القدس

في التاسع من أكتوبر 2026، أعلن دونالد ترامب عبر منصة Truth Social ما سمّاه "الاتفاق العظيم": روسيا ستزوّد الولايات المتحدة بثلاثمئة ألف طن من الديزل فوراً، تليها شحنات ترفع الإجمالي إلى أكثر من مليون طن، مقابل رفع فوري للعقوبات عن الديزل الروسي بترخيص من وزارة الخزانة ساري حتى أبريل 2027. إذ كان المبرر ملحّاً: إيران أغلقت مضيق هرمز منذ فبراير، فتجاوز خام برنت 120 دولاراً، وقفز سعر الديزل في أمريكا إلى 6.52 دولار للجالون وهو رقم قياسي يضرب المزارعين وسائقي الشاحنات وشركات النقل، أي العمود الفقري لقاعدة ترامب الانتخابية، قبل أسابيع من انتخابات التجديد النصفي.

صفقة.. دفع ثمنها ترامب من جيب أوكرانيا وأوروبا

لكن الحقيقة أن هذه كانت فدية بكل معنى الكلمة: إمبراطورية تتسوّل من خصم فرضت عليه عقوبات أربع سنوات، للحصول على وقود يحرّك اقتصادها. الأرقام لا تكذب: ثلاثمئة ألف طن تكفي أقل من يوم واحد من الاستهلاك الأمريكي البالغ نحو أربعمئة ألف طن يومياً، وحتى مع الشحنات اللاحقة لا يتجاوز الإجمالي استهلاك ثلاثة إلى خمسة أيام، وقد وصفت هيئة الإذاعة الأسترالية التأثير الفعلي بأنه "ضئيل للغاية". فلماذا هذه الصفقة إذن؟ لأن ترامب لم يكن يشتري الديزل، بل كان يشتري موقفاً، سردية يقول فيها للناخب "أنا أفعل شيئاً". أما الثمن الحقيقي، فدفعته أوكرانيا وأوروبا.

الديزل مقابل أوكرانيا

فلم تكن صفقة الديزل معزولة، بل كانت حلقة في سلسلة بدأت قبل أشهر: في أغسطس الماضي زار مدير CIA جون راتكليف موسكو سراً واقترح قمة ثلاثية، فرفض بوتين؛ وفي سبتمبر زار المبعوثان ويتكوف وكوشنر موسكو لمناقشة خطط إنهاء الحرب؛ وفي التاسع من أكتوبر أُلغيت زيارة المبعوثين، وفي اليوم نفسه أُعلن اتفاق الديزل. المعادلة صارخة: الديزل مقابل أوكرانيا.

استبعاد زيلينسكي من المشهد

وفي اليوم التالي، ضربت أوكرانيا مصفاة نوفوشاختينسك الروسية، فردّ ترامب بمهاجمة زيلينسكي علناً: "أوكرانيا تحتاج إلى رئيس جديد". وفي اليوم نفسه، دعا النائب الأوكراني السابق نوفينسكي — أوليغارشي مقرّب من الكرملين — زيلينسكي إلى الاستقالة، متهماً إياه برفض شروط معتدلة في إسطنبول 2022، وتفيد تقارير لـبوليتيكو عن "اتفاق غير معلن" بين بوتين وترامب على استبعاد زيلينسكي من المشهد.

فأوكرانيا لم تكن طرفاً في الصفقة، بل كانت ثمنها. وهنا يصدق تحذير كيسنجر: "عندما يتعارض الاحتياج الداخلي للدولة المهيمنة مع المصالح الجماعية للتحالف، تعطي الدولة المهيمنة الأولوية لنفسها دائماً تقريباً".

أوروبا.. الضحية الصامتة

وفي هذه الصفقة، لم تكن أوروبا شاهداً، بل كانت الضحية الصامتة. فبعد أربع سنوات من الانقياد الأعمى لمواقف الناتو، وقطع الاعتماد على الطاقة الروسية، واستضافة اللاجئين، وتمويل أوكرانيا بعشرات المليارات من اليورو، وجدت نفسها أمام استدارة أمريكية مفاجئة لم يُستشرْ فيها أحد. بلغ سعر الديزل في الاتحاد الأوروبي 2.24 يورو للتر في سبتمبر 2026، وتآكلت القدرة التنافسية للصناعة الألمانية، وأُغلقت مصافٍ كبرى، وخرج المزارعون الأوروبيون بجراراتهم إلى الشوارع. قطعت أوروبا جسور الطاقة مع روسيا رهناً بوعود أمريكية، ثم اكتشفت أن واشنطن نفسها تعود للتجارة مع موسكو حين تتطلب مصلحتها ذلك، فباتت الحكومات الأوروبية في موقف محرج أمام شعوبها ومطالَبة بتفسير لماذا ضحّت بمصالح مواطنيها في حرب لا تعنيهم مباشرة، ثم خُذلت من حليفها الأكبر.

"فراغ إستراتيجي" بين خياري "الإنصياع الكامل" و"الاستقلال الاستراتيجي"

السؤال مصيري، والخيارات ضيقة ومؤلمة: إما الانصياع الكامل وابتلاع الخيانة والاعتراف ضمنياً بفشل الاستراتيجية الأوروبية، وإما بناء استقلال استراتيجي ذاتي يحتاج إلى إرادة سياسية غائبة وتوافق فرنسي-ألماني مفقود، وإما التطبيع مع روسيا والاعتراف بالهزيمة الاستراتيجية وتفكيك تدريجي لمنظومة الناتو، وإما الانكفاء القومي وعودة كل دولة إلى مصالحها الفردية وانزلاق القارة إلى تنافس داخلي خطر. والحقيقة أن أوروبا، بعد أن راهنت على حامٍ يغيّر رأيه، باتت أمام معادلة قاسية: لا تستطيع أن تثق بأمريكا، ولا أن تواجه روسيا وحدها، ولا أن تستغني عن الناتو، ولا أن تُقنع شعوبها بمزيد من التضحيات.

وهذه هي بالضبط لحظة "الفراغ الاستراتيجي" التي حذّر منها ديغول ذات يوم: "الأمم لا تصنع تحالفاتها بدافع العاطفة، بل بدافع المصالح ومن ينسى ذلك يدفع الثمن مرتين".

تفوق المقاومة البحري يكشف هشاشة إمبراطورية

لكن اللوحة الحقيقية لا تكتمل إلا في المضائق. يمكن أن يختلف اثنان على أن محور المقاومة قد فرض شروطا أو أنه حقق تفوقاً بحرياً ساحقاً. لكن لا يمكن الانكار أن ما فعله كشف هشاشة الإمبراطورية من أضعف نقطة: الطاقة. إغلاق إيران لمضيق هرمز لم يكن انتصاراً عسكرياً بقدر ما كان كشفاً لعراء استراتيجي فبوسائل غير متماثلة، من ألغام بحرية وزوارق سريعة وصواريخ تحوّل ممر ضيق لا يتجاوز عرضه عشرات الكيلومترات إلى مرآة تُظهر عجز أعظم قوة بحرية في التاريخ عن حماية شريان التجارة العالمي.

وفي الوقت نفسه، ضغطت القوات المسلحة اليمنية في البحر الأحمر على قناة تصدير النفط السعودي عبر باب المندب، فاكتملت حلقة العرقلة على الممرين معاً.

نظرية الحرب الطويلة لـ"ماو تسي تونغ" في أنقى صورها

هذا التنسيق لم يكن دليلاً على قوة محور المقاومة بقدر ما كان دليلاً على أن الإمبراطورية لم تعد قادرة على حماية مصالحها الحيوية في أكثر نقاط العالم حساسية. وهي نظرية الحرب الطويلة لماو تسي تونغ في أنقى صورها: حين يمتلك العدو تفوقاً تقنياً مطلقاً، لا يبحث الأضعف عن معركة فاصلة، بل يتحكم بالعقد الحاسمة ويستنزف إرادة العدو ووقته حتى يكتشف العدو نفسه أنه لم يعد يحتمل.

وهكذا، فالإمبراطورية التي كان يفترض أن تفرض معادلاتها على العالم، وجدت نفسها تدفع فدية الديزل لبوتين، وتقدّم هدية أوكرانيا على طبق، فقط لترميم صورة داخلية أمام ناخبيها. وحين طلب ترامب الديزل من بوتين، لم يكن ينحني أمام قوة محور المقاومة، بل أمام حقيقة أشد إحراجاً: أن هشاشته الداخلية أصبحت مكشوفة، وأن شعبه لم يعد يحتمل ثمن الحرب، وأن خصومه باتوا قادرين على اختباره من نقاط ضعف لا يملك القدرة على اخفائها.

مصير "أوكرانيا" تقرره غرفة مغلقة بين "واشنطن" و"موسكو"

وكأن ثوكيديدس قد عاد ليذكّرنا: "الأقوياء يفعلون ما يستطيعون، والضعفاء يتحمّلون ما يجب عليهم". فصفقة أكتوبر 2026 قلبت المعادلة من زاويتها الأكثر إحراجاً: إمبراطورية تدفع فدية الديزل، وهدية أوكرانيا تُقدَّم لخصم على حساب حليف، ومحور مقاومة لا يفرض شروطاً بل يكشف ضعفاً، وأوروبا تجلس على مقاعد المتفرجين في مأساتها الخاصة تُقدّم التضحيات، وتتحمّل العقوبات، ثم تُترك وحدها في مواجهة العواقب. وحين سُئل زيلينسكي عن الصفقة، لم يتردد: "إنها هدية لبوتين". قالها بمرارة من يعرف أن الهدية لم تُقدَّم لخصمه من فراغ، بل من جيبه هو من أرضه، ومن دم شعبه، ومن مستقبل بلد يُقرَّر مصيره في غرفة مغلقة بين واشنطن وموسكو، دون أن يكون له فيها صوت.

النفط أسود والسياسة رمادية والتأريخ يكتبه العقلاء بأحرف من ذهب..

لكن هناك، في مضيق هرمز وباب المندب، تُكتب اليوم معادلة مختلفة، لا لأن محور المقاومة فرضها بقوته فحسب، بل لأنه كشف عري من كان يظن نفسه فوق الحساب.

النفط أسود، والسياسة رمادية، والتاريخ لم يكن دائما إلى جانب المبادئ لكنه، في لحظات نادرة، يقف إلى جانب من يعرف كيف يقاوم. لا لأن المقاومة أقوى، بل لأنها أطول نفَساً، وأصدق عزيمة، وأقدر على تحمّل الألم من إمبراطورية لم تعد تحتمل حتى فاتورة الديزل. وهناك، في المضائق الضيقة، تُثبت المقاومة أن القوة ليست في الترسانة وحدها، بل في الإرادة التي لا تُشترى والدم الذي يُفتدى.

0% ...

آخرالاخبار

عملية اطلاق نار في مدرسة ابتدائية بولاية اوريغون الامريكية


الرئيس بزشكيان يصل أرمينيا ويلتقي 'باشينيان' و'غوتيريش'


أسقاط طائرة استطلاع مسلحة من طراز "ونغ لونغ" تابعة للسعودية في مأرب


حماس في ذكرى استشهاد القائد يحيى السنوار: ارتقى القائد أبو إبراهيم شهيداً مقاوِماً مشتبكاً في مشهد ثوري ملهم على طريق الحرية


الصحة بغزة: أكثر من 1.4 مليون فلسطيني في القطاع المحاصر مهددون بمواجهة أزمة غذائية


الصحة بغزة: تسجيل 158 ألف حالة سوء تغذية حاد بين الأطفال دون الخامسة منذ 2024 حتى أغسطس 2026


قاليباف يهنئ المخرج السينمائي مجيدي لفوزه بجائزة مهرجان بوسان السينمائي الدولي


شهيدان وجرحى جراء اطلاق النار لقوات الاحتلال في غزة


الصحة اليمنية تحذر من تداعيات الحصار السعودي على المواطنين


حركة المجاهدين الفلسطينية تدين افتتاح سفارة كولومبيا بالقدس المحتلة


الأكثر مشاهدة

مدفعية الاحتلال الإسرائيلي تستهدف أطراف ميفدون جنوبي لبنان


المتحدث باسم حرس الثورة الاسلامية العميد حسين محبي : الهجوم على السفن المخالفة جاء ردًا على إخلال الولايات المتحدة بتعهداتها للمرة الثالثة


العميد محبي : أخلّت الولايات المتحدة بتعهداتها وشنّت هجومين خلال المفاوضات، ثم كررت ذلك للمرة الثالثة بعد توقيع مذكرة التفاهم


قاليباف: نخوض الحرب ونتفاوض معًا لخلق ردع مستدام


الصحة اللبنانية: جريحان أحدهما طفل في غارة للعدو الإسرائيلي على بلدة حداثا في جنوب لبنان


مصادر عربية: سماع دوي انفجار في العاصمة اليمنية صنعاء


مصادر سورية: 16 اعتداء على الأقل نفذها جيش العدو الإسرائيلي جنوب سوريا اليوم الأربعاء


السفارة الأسترالية لدى السعودية: ندعو مواطنينا عقب التهديدات اليمنية إلى عدم الاقتراب من منشآت النفط في مختلف أنحاء السعودية


المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، العميد يحيى سريع: تمكنت قواتنا من استهداف طائرة حربية سعودية نوع "تايفون" في أجواء محافظة صعدة بصاروخ أرض جو


كوريا الشمالية: وكالة الأنباء المركزية تعلن اختبار صواريخ كروز تُطلق من غواصات


أ. ب: السلطات الفيدرالية الأمريكية صادرت هاتف عضو مجلس النواب إلهان عمر وأصدرت مذكرات استدعاء شملت بعض أقاربها