عندما تحركت جماهير عربية في العام الماضي طلبا لحقوق اغتصبها الحاكم، ورد عليها الغرب بتحريك جماعات هنا وهناك لاعادة احياء نظرية الهدم والدمار الاميركي المعممة باسم "الفوضى الخلاقة" انقسم المراقبون حول تصنيف هذا وذاك بين ثورة او حركة اصلاح، او "تثوير" و حركات عنف و ارهاب لقطع الطريق على الاصلاح، ثم انطلقت عمليات افساد الحركات الاصلاحية بتلويثها بالارهاب حينا واخراجها عن مسارها الوطني حينا اخر، او بتوصيفها بالفئوية والطائفية لاستعمالها في مشروع الصراع المذهبي والعرقي الذي تعمل اميركا والغرب معها تعمل على نشره في المنطقة لاشغالها عن المغتصب الرئيسي فيها "اسرائيل".
وفي خضم هذه الفوضى يذهلنا الكم الهائل من "المقامات الفكرية والدينية و السياسية" التي سقطت في الفخ و الخديعة وعمى الالوان وضاعت في التوصيف و التحليل حتى بات المشهد العربي كئيباً يثير الشفقة والحزن من جهة ويثير الاشمئزاز والسخط من جهة اخرى، وبدا العرب يأكلون لحم بعضهم بعضا ويتوسلون الاجنبي و يستدعونه للاغتصاب بعضهم الاخر.
لقد بات حال العرب اليوم تحاكي وصف المتنبي لهم يوما "يا امة ضحكت من جهلها الامم". فاذا اجتمعوا في جامعة اسميت عربية، خرجوا بقرارات ذات اهداف غربية عبرية، واذا انفقوا بذلوا المال من اجل سلاح ارهابي وتدميري، واذا قاطعوا قطعوا اوصال الجسد العربي، واذا تواصلوا تواصلا مع الاجنبي المتربص بهم و بثرواتهم. ان ما صدر عمن يمثل العرب في الجامعة تلك، وفي مقرراتها الاخيرة لا يمكن لعاقل موضوعي الا ان يصفه بانه الاسوأ في تاريخ الجامعة التي دخلت عصر انحطاط لا مثيل له، ولا "يخفف" من سلبيات الامر ومخاطره – وهذا هو المضحك ايضا- الا امرا واحداً هو ان وزن العرب في الميزان الاستراتيجي الدولي يلامس الصفر ان لم يكن اقل، فهم ليسوا اصحاب قرار بل انهم مطية لاصحاب القرار في العالم .
في ظل هذا المشهد وبالاضافة الى سوريا التي يجند العرب كل قواهم لقتل شعبها باموالهم وسحقهم، ثم يستنجدون العالم حتى يدمرها، نجد وفي مشهد لايقل الماً حيث تذكر البحرين في تاريخ انطلاق حركتها الشعبية التي مضى عليها سنة حاول الشعب فيها ان يصلح شيئا في نظام سياسي فاسد، وان يستعيد بعضا مما للمواطن وللانسان من حقوق. لكن البحرين وشعبها المتحرك وفي جردة حساب لنتائج السنة الماضية تجد نفسها امام صور تؤلمها ولايخفف من المها الا بعض ما حققته تلك الحركة حيث انها:
- استطاعت ان تحافظ حتى الان على سلميتها وحضاريتها ولم تقع في فخ المواجهة العنفية التي نصبه النظام سواء بقواه الامنية والعسكرية الذاتية، او باستقدامه للقوات العسكرية الاجنبية من قوات درع الجزيرة ذات الثقل السعودي.
- استطاعت ان تحفظ وطنيتها ولم تقع او تنزلق في الفخ الطائفي الذي نصبه النظام لها ورميها بالتوصيف الطائفي ليضع الشيعة في مواجهة السنة ثم يتخذ من السنة المظلمومين كالشيعة قاعدة يتكئ عليها لينأى بنفسه عن المواجهة ويتحصن في قصره ويستمر متربعا على عرشه القائم على الحكم الملكي المطلق، بعد ان قفز فوق الوثيقة التي سماها دستورا رغم انها لم تكن تعطي المواطن الا وعدا بفتات.
- استطاعت المحافظة على وحدتها ولم تنفع كل اساليب النظام في تجزئة المعارضة واغراء الفتنة بينها لتقسيمها، بل زادها الوقت تماسكا رغم انها متعددة الاطر والكيانات الحزبية ذات الرؤى المتمايزة.
- استطاعت ان تلتزم ببرنامج للتحرك بالشكل التصاعدي وتطويره مع افق مفتوح على كل الاحتمالات رغم ان النظام راهن على اجتثاثها من خلال عمليته القمعية التي طالت النساء والاطفال والشيوخ و دور العبادة، و قطعت ارزاق لناس وتلاعبت بلقمة عيشهم وبشكل غير مسبوق حتى في عالم النظم الاستبدادية.
و بالمقابل فقد عانت حركة البحرين الشعبية من :
- تجاهل الاعلام العربي والعالمي الذي غيبها بشكل شبه كلي، ولولا بعض المواقع والمحطات الاعلامية في لبنان وايران والعراق لما كان احد التفت الى ان هناك في البحرين اناس يحتجون ويعانون من بطش السلطة وعنفها.
- عدم اكتراث الجامعة العربية اولاً، ثم احتضان الجامعة للنظام الملكي الذي يقمع شعبه والثناء عليه لانه "استطاع ان يستعيد الامن لبلاده"، وهنا لابد من ان نذكر بان لجنة تقصي الحقائق التي عملت في البحرين من اجل ايجاد ارضية ما لحوار وحل داخلي، تمكن النظام وبدعم من الجامعة من استيعاب تقريرها والقفز فوقه رغم عدم توازنه لمصلحة النظام، وبعد ذلك عادت الجامعة فغابت عن المشهد وتركت الشعب البحريني تحت "رحمة" لا يرحم.
- تشويه صورتها في مواقف اطلقها من يطلق على نفسه انه من رجال الدين او الرأي او الفكر، حيث ان هؤلاء و مسيريين بتعصب مذهبي اعمى، اسقطوا عنها صفة التحرك السياسي الشعبي المطالب باصلاح يحقق العدالة والمساواة بين المواطنيين، ليصفوها بانها تحريك اجنبي ايراني ذو بعد شيعي للاخلال بامن دولة عربية في الخليج [الفارسي] واحداث حالة عدم الاستقرار، اتهام سيق بوجهها من غير بينة ولم يرمه اصحابه الا من جهل بحقيقتها او بدافع من عصبية طائفية مقيته، او تجييشا من قبل جهات حولتهم الى ادواة مرتزقة.
والان وبعد عام على بدء التحرك في 14 شباط 2012 يطرح السؤال حول نتائج هذه الحركة وهنا نرى ان البحرين بات محكوما الان بواحد من السيناريوهات التالية :
1) تصعيد النظام البحريني لحركته القمعية واعتماده لاساليب جديدة اكثر عنفا وقسوة تؤدي الى وقف التظاهر السلمي وتضطر المواطنيين الى التفكير بالمواجهة والتحول رويدا رويدا عن الطابع السلمي للتحرك. وفي هذا الحال سيكون الخطر محدق بالجانبين وستتصاعد احجام الخسائر البشرية بشكل يستحيل معه استقرار البلاد من غير حل جذري يدفع الملك و نظامه ثمنه الرئيسي .
2) بقاء النظام في مستوى القمع الحالي، وعدم دفع التحرك نحو العنف، وفي هذه الحالة سيستمر الاضطراب الامني والسياسي في البلاد بما يؤثر على حالتها الاقتصادية والاجتماعية، بشكل سيضطر معه النظام في آخر المطاف للموافقة على حوار جدي حول الاساسيات كما تطلب المعارضة، وهنا قد لاتصل المعارضة لكل ما تريد ولكنها ستحصل حقوق تجعلها في وضع مريح يمكنها من البناء عليه مستقبلاً.
3) اقتناع النظام بعجزه عن خنق الحركة، واعادة النظر في مواقفه السابقة من طلباتها بشكل يؤدي الى تراجعه عن العنف والدخول في حوار برعاية اجنبية يؤدي الى حل يبقيه في السلطة ويعطي الشعب حقوقا تريحه.
لم نذكر في عداد السيناريوهات تلك، ما يمكن ان يخطر ببال البعض من تراجع المعارضة وتوقفها عن المطالبة بالاصلاح في حد معقول كما اسلفنا لان في هذا التراجع انتحار لها واجهاض لحلم تحصيل حقوق الانسان والمواطن في دولة عانت منذ عقود منذ ان قيل انها تشكلت دولة مستقلة. ولهذا فانه خيار مستبعد لايستحق المناقشة. اما بالنسبة للثلاثة الاخرى فاننا نرى بان البيئة الاقليمية والدولية و وضع السعودية، واخفاقات المنظومة العربية التي ترعى البحرين، اخفاقاتها في المسألة السورية، ستدفع الامور باتجاه السيناريو الاول وقد لايتأخر كثيرا تصاعد العنف و عندها لن تتوقف الحركة في البحرين الا على صورة دولة مغايرة عما هي عليه اليوم.
بقلم:د.امين محمد حطيط/البديع نت