عالمنا يتحوّل يوماً بعد يوم إلى مكان غير آمن للعيش. هذه حقيقة مرّة تؤكدها نشرات الأخبار في كل صباح. لقد انتشرت العدوانية بين الجنس البشري إنتشاراً مريعاً. خذ هذه الأمثلة السريعة لبعض الأرقام المفزعة التي تعرضها علينا بعض الهيئات الحكومية وغير الحكومية حيث:
* في رواندا، حوالي (500.000) شخص قتلوا في إبادة جماعية في صيف 1994.
* اتبع الهالك (رابين) رئيس وزراء الكيان الصهيوني الأسبق سياسة (تكسير الأيدي) للتعامل مع أطفال الإنتفاضة وأبطالها الذين يدافعون عن أبسط حقوقهم. (لا تستغرب إذا علمت أنّ هذا الهالك حصل على جائزة نوبل للسلام!.. ألم أقل لك أنّ العالم ما عاد مكاناً صالحاً للعيش!!).
* تعيش الفرنسيات، ولاسيّما الشابات المقيمات في باريس، تحت هاجس الخوف من التعرض للعنف الذي قد يصل إلى حد الإغتصاب أثناء عودتهنّ إلى بيوتهنّ ليلاً. إذ نشرت وزارة الداخلية الفرنسية تقريراً يشير إلى وقوع (4412) حادثة إغتصاب خلال العام (2005م) في فرنسا، أي ما معدله حادثة كل ساعتين تقريباً!
* ألقى الطيران الإسرائيلي المحتل في حربه الأخيرة (2006م) على لبنان صواريخه على أحد الملاجئ في مدينة (قانا)، كان هذا الملجأ يأوي العشرات من العائلات المسالمة، ما سبب في مقتل وجرح المئات من الأطفال والنساء والشيوخ. تم ذلك بدم بارد ودون أي شعور بالندم!
العدوانية هي أي سلوك قولي أو فعلي يهدف إلى إيذاء الآخرين، وينبع عن حالة عاطفية مشحونة بالكراهية والحنق والشعور بالدونية. لقد قضى العلماء عقوداً طويلة وهم يحاولون الإجابة عن السؤال: لماذا نؤذي بعضنا البعض؟
توجه العلماء إلى الأطفال العدوانيين لدراستهم، والتي قدمت عدداً من التفسيرات التي أجد من المفيد أن نمر عليها سريعاً قبل أن نتجه لتفسير دور الذكاء العاطفي في التقليل من هذا السلوك المشين:
* يستقبل العدائي الإشارات البريئة وغير المقصودة التي تصدر من الناس ويفسرها على أنها مهددة ومهينة ومقصودة ومخطط لها، ولذا يقرر أنّ الآخرين معادين له أكثر مما هم بالفعل. لاحظ ذلك على بعض الأطفال العدائيين أثناء لعبهم بالشطرنج مثلاً، حيث يرون أن تحريك خصمهم لأحد الأحجار بشكل خطأ على أنه غش أو محاولة خداع، وليس خطأ بريئاً قد يحدث في أي لحظة.
* عندما يغضب العدائي تلوح أمامه وسيلة واحدة لإظهار حنقه والرد على من أغضبه وهي الهجوم والضرب، دون التفكير بأي وسيلة سليمة لحل الخلاف. كما تغيب عنهم النتائج المترتبة عن العنف والإعتداء.
* يحمل العدوانيون بعض القناعات الجاهزة والتي يعملون وفقها، ومن خلالها.. (إذا غضبت ولم تضرب فأنت جبان).. (المسألة مسألة كرامة.. وعندما تهان الكرامة فلا تطيب الحياة بعدها).. (دعه يتأدب..!).
* يلجأ الناس إلى عزل العدائي والإبتعاد عنه، وعدم دعوته للمشاركة معهم في نشاطاتهم، مما يشعره بالظلم ويزيد من قناعته بأنّه مظلوم ومعتدً عليه.
أصبح واضحاً أن من يلجأ إلى هذا السلوك يفتقد إلى أربعة مهارات أساسية من مهارات الذكاء العاطفي وهي:
* القدرة على تسمية عواطفه وتحديدها (الغضب، الإستياء، الشعور بالإهانة، الحنق،..). أثبتت إحدى الدراسات التي أجريت في السجون الأمريكية أنّ المجرمين يمتلكون كمية أقل من الكلمات لكي يصفوا بها مشاعرهم، فعندما يحتدم موقف العداء والغضب، تخون العدواني الكلمات ليصف ألمه وإنزعاجه، فيندفع إلى إظهار غضبه عبر الضرب والإعتداء.
* التعاطف: إذ يتبلد إحساسهم عن تخيل الألم الذي يسببه الإعتداء على الآخرين، وتتجمد مخيلتهم عن تصور عيش طفل بدون أب، أو إمرأة بدون زوج، أو تصور فجيعة أُم بطفلها. ينطبق على قلوبهم قول الله تعالى: (كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) (البقرة/ 74).
* عدم القدرة على تنظيم الذات: أي إنعدام قدرة السيطرة على فورة العواطف في بعض المواقف، والإستجابة لعبارات مستفزة: (عار عليك أن يذهب دم والدك سدى،..)، أو لخطبة حماسية، أو لمشهد مزعج. كما لا يمتلكون القدرة على حرمان أنفسهم من لذة الإستمتاع بالحلول السريعة والمختصرة رغم عواقبها المزعجة، ولذا يلجؤون إلى العدوانية على إعتبارها حلاً مختصراً وعاجلاً للحصول على الثمرة، كالتصفية الجسدية والتفجير والتخريب.
* الإندفاعية: وهي الفعل قبل التفكير المتأني. وهنا يفتقدون القدرة على الموازنة الحكيمة بين الأفعال المتباينة، وحساب المنافع الآنية والآجلة. ولذا تسبق أيديهم عقولهم، وتوردهم بذلك المهالك.
- خطوات عملية:
* نشر ثقافة (لتعارفوا) بين الناس، بين الطوائف والأعراق والثقافات المختلفة. عندما نقترب من بعضنا البعض، ونتفهم وجهات نظر بعضنا البعض.. عندما نتلمس آلام بعضنا البعض، ونحترم مشاعر بعضنا البعض.. عندما ننصت لبعضنا بشفقة ورأفة.. عندها ستزول كثير من مشاعر الضغينة التي أصبحت سائدةً لدى الكثير منّا.
* ما أحوجنا هذه الأيام إلى الإستماع إلى الحكماء، وكيف يزنون بين المكاسب من وراء الأفعال المندفعة والأفعال المتأنية. اكتب هذه الكلمات وقد مضى على أحداث الحادي عشر من سبتمبر عدة سنوات، وللأسف ما زالت فئة من بني قومي ينظرون إلى ذلك العمل وما شابهه وتلاه بنظرة المنتصر الفخور، مع أنها ألحقت ضرراً هائلاً بالإسلام والمسلمين. لقد دفعنا ثمن الأمية العاطفية التي يعيشها بعض شباب هذه الأُمّة وضعف تنظيمهم لعواطفهم، دفعنا ثمنها غالياً..!
* السعي لنشر روح الدين الحنيف في التعامل مع الآخر، وبث ثقافة السلام، ومحاربة الخطأ الفكري (المعرفي) الذي يقع فيه بعض الشباب حيث يوجهون تركيزهم نحو قضية صغيرة وينسجون حولها القصص والخيالات وتغيب عنهم الصورة الكاملة، وكأنّهم ينظرون عبر نفق. ومن ثمّ ينتهون إلى قرار أبعد ما يكون عن الصواب.
* د. ياسر عبدالكريم بكار
المصدر: كتاب القوة في يديك (كيف تنمي ذكاءك العاطفي؟)