سقوط «العملية الخاطفة»:

كيف فكّكت طهران إستراتيجية الحرب المركبة من الداخل؟

الأحد ٢٥ يناير ٢٠٢٦
٠٦:١٣ بتوقيت غرينتش
كيف فكّكت طهران إستراتيجية الحرب المركبة من الداخل؟ في ظل تصاعد الضغوط العسكرية على إيران وارتفاع منسوب التهديدات الأميركية –"الإسرائيلية"، تتقدّم قراءة تحليلية تؤكد أن هذا التصعيد لا يمكن فصله عن فشل خطة هجومية داخلية كان يُعوَّل عليها لإحداث اختراق حاسم في العمق الإيراني، يمهّد الطريق أمام ضربات خارجية أكثر فاعلية وتأثيراً.

فالتطورات الأخيرة أظهرت أن ما شهدته المدن الإيرانية لم يكن مجرد احتجاجات مطلبية عفوية، بل حلقة أساسية في إستراتيجية «حرب مركبة» راهنت على إسقاط القلعة من الداخل قبل استهدافها من الخارج.

الرهان الأساس لهذه الخطة انطلق من استغلال المطالب الاجتماعية والمعيشية بوصفها «الفرصة الذهبية» لفتح ثغرة أمنية واسعة. لم يكن الهدف إصلاحاً سياسياً أو تحسيناً اقتصادياً، بل تنفيذ عمليات دقيقة ومنظمة تستهدف البنى التحتية الاقتصادية والأمنية والعسكرية والخدمية، بما يُحدث أضراراً قد توازي أو تتجاوز ما خلّفته الحرب "الإسرائيلية" الأخيرة. غير أن البعد الأخطر تمثّل في السعي المتعمّد إلى رفع عدد الضحايا، باعتبار أن النزف البشري هو الأداة الأسرع لتفكيك التماسك الاجتماعي وإشاعة الفوضى.

وبحسب التقديرات المتداولة، سقط خلال موجة العنف والشغب نحو 2500 شهيد من المدنيين الأبرياء وعناصر الشرطة والقوى الأمنية، وهو رقم يفوق بأكثر من ضعفين عدد الشهداء الذين سقطوا في المواجهة العسكرية المباشرة مع "إسرائيل"، والذين لم يتجاوز عددهم 1100 شهيد. هذه المفارقة الرقمية تكشف بوضوح أن «الحرب من الداخل» كانت أشد ضراوة وأكثر توحشاً في استهداف المجتمع الإيراني من أي مواجهة عسكرية تقليدية.

في هذا السياق، سعت الجهات المحرّكة لأعمال الشغب إلى استدراج الدولة الإيرانية نحو رد فعل عنيف وشامل. وبين يومي 8 و9 كانون الثاني/يناير، شهدت بعض المدن احتجاجات عنيفة اتخذت طابعاً مسلحاً، استُخدمت فيها الأسلحة النارية وأعمال التخريب المنظم ضد الممتلكات العامة والخاصة. كان الهدف كسر هيبة الدولة، جرّ القوات الأمنية والعسكرية إلى الشوارع، فرض مشهد المدرعات وحظر التجوال، ثم تقديم هذا الواقع للإعلام الدولي بوصفه دليلاً على «سقوط المدن» و«انهيار السيطرة». هذا السيناريو الذي بُنيت عليه تقارير استخباراتية وإعلامية غربية، وقع فيه بالفعل عدد من القادة الغربيين، وفي مقدمتهم الرئيس الأميركي.

غير أن إدراك المؤسسة الأمنية والعسكرية الإيرانية لطبيعة هذا الفخ أبقى ردودها ضمن إطار «الصبر الإستراتيجي». فقد جرى تفويت الفرصة على المجموعات المسلحة من خلال الامتناع عن الانجرار إلى مواجهات شاملة، والاكتفاء بالرد الدقيق والمباشر على مصادر النيران فقط. هذا النهج حرم المخطط من صور الفوضى الواسعة التي كانت ستُستخدم لاحقاً سلاحًا في الحرب النفسية لتأليب الرأي العام الدولي وتشديد الضغوط الخارجية.

نقطة التحول الحاسمة جاءت بعد يومين فقط من ذروة العنف. ففي أعقاب أحداث 8–9 كانون الثاني/يناير، خرج نحو 26 مليون شخص إلى الشوارع والساحات في مختلف المدن الإيرانية، في حشود شعبية وُصفت بأنها من الأكبر في تاريخ البلاد. هذا النزول الجماهيري لم يكن ردّ فعل عاطفياً، بل موقفاً سياسياً وأمنياً واضحاً، عبّر عن رفض الفوضى والعنف المسلح، وأكد أن «الشارع المقابل» حاضر وقادر على قلب المعادلة.

هذا المشهد أعاد رسم التوازن في الميدان، وخلق ما يمكن تسميته «توازن ردع شعبي». فقد تراجعت المجموعات الفوضوية، ليس فقط تحت ضغط الإجراءات الأمنية، بل خوفاً من الصدام مع جمهور واسع ومنظم يرفض استباحة الأمن العام. كذلك كشفت التحقيقات لاحقاً، أن قسماً من المشاركين في أعمال التخريب تحركوا بدوافع مالية عبر تمويل خارجي، فيما انجرف آخرون بدافع الاندفاع الشخصي والمغامرة، دون إدراك للأبعاد الإستراتيجية لما يجري.

في جوهر المشهد، تخوض إيران اليوم حرباً هجينة مركبة متعددة الأضلاع، تشمل التهديد العسكري الخارجي، والتخريب الأمني الداخلي، والحرب النفسية والإعلامية، إضافة إلى الهجمات السيبرانية واستهداف البنى الرقمية. وقد أدركت طهران أن اجتماع هذه الأضلاع في توقيت واحد يشكّل تهديداً بالغ الخطورة، فاعتمدت إستراتيجية قائمة على تفكيك الحرب بدل الاكتفاء بمواجهتها كحزمة واحدة، والتعامل مع كل محور بآليات مخصصة ضمن عقيدة دفاعية جديدة عنوانها الجاهزية القصوى والردع الشامل.

في مواجهة عسكرة الداخل، نفذت الأجهزة الاستخباراتية عمليات دقيقة أسفرت عن كشف الخلايا النائمة وتفكيك شبكاتها، ما أعاد السيطرة على الشارع وقطع الطريق على أي مواكبة داخلية للضربات الخارجية. وعلى صعيد الحرب النفسية، واجهت طهران حملات التزييف بسلاح الحقائق الموثقة، وخاضت معركة دبلوماسية نشطة مع بعثات أجنبية، عارضةً وثائق تثبت حجم التحريض والتضليل الذي مارسته غرف عمليات خارجية.

وبالتوازي، تعاملت إيران مع الحرب السيبرانية بإجراءات تقنية صارمة شملت قطع الإنترنت في ذروة التهديد، لحماية الأنظمة الحيوية وقطع قنوات التواصل بين المشغّلين الخارجيين وأدوات الشغب، ما أصاب غرف العمليات المعادية بالشلل المعلوماتي. هذا التحصين الداخلي ترافق مع رفع الجاهزية للردع الخارجي إلى أعلى مستوياتها، حيث لم يعد الخطاب الإيراني دفاعياً فقط، بل شمل تهديداً مباشراً للمصالح الأميركية، ورسائل ردعية تطاول عمق الكيان "الإسرائيلي"، مع التلويح بخيار «الضربات الاستباقية» لإحباط أي هجوم وجودي قبل وقوعه.

ومع سقوط الأوهام التي راهنت على تآكل إيران من الداخل، خرجت الجمهورية الإسلامية الإيرانية من هذه المواجهة المركبة، بتماسك أمني واجتماعي أكبر، بعد نجاحها في تفكيك عناصر الحرب الهجينة، من خلال الجمع بين الحسم الاستخباري والوعي الشعبي والجاهزية للردع الشامل، وهو ما يُعد الضمانة الأهم لمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة ستذرُّ نيرانها الرماد في عيون الجميع.

حسن حيدر - العهد

0% ...

آخرالاخبار

أهالي أهواز يؤكدون دعم القوات المسلحة ومواجهة العدوان الصهيوأمريكي


"إسرائيل" تواصل تخبطها وتلوذ بإلقاء مناشير بعد إخفاقها في النيل من المقاومة


جثمان الشهيد شمخاني يواري الثرى في مرقد السيد صالح بطهران


حرس الثورة الاسلامية: أطلقنا الموجة 54 من عملية "وعد صادق 4" مستخدمين لأول مرة في هذه الحرب صاروخ "سجيل" الباليستي


قائد قوات حرس الحدود: حركة المرور عبر الحدود البرية والتبادلات الاقتصادية لا تزال مستمرة


جزيرة خارك.. أيقونة الصمود والثبات


لاريجاني: إيران اليوم في حالة دفاع ضد العدوان الأميركي "الإسرائيلي" وبالتأكيد هو دفاع قوي وحاسم لمعاقبة المعتدين


أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني: سمعت أن من تبقى من فريق إبستين قد خططوا لمؤامرة افتعال حادثة مشابهة لأحداث 11 سبتمبر واتهام إيران بها


صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية - ناداف إيال: أظهر حزب الله قدرات أقوى مما كان متوقعاً، حتى مقارنة بالتقييمات داخل الجيش الإسرائيلي.


مدير منظمة الصحة العالمية: قصف المستشفيات والمدارس في إيران جريمة حرب


الأكثر مشاهدة

تفكيك خلايا إرهابية في طهران.. اعتقال 25 عنصراً تورطوا في تحركات مشبوهة


عراقجي يحذر دول الجوار بشأن ثغرات 'المظلة الأمنية' الأمريكية


مقر خاتم الأنبياء يحذر من القنبلة الموقوتة!


الحرس الثوري: تنفيذ الموجة الخمسين من عملية الوعد الصادق 4


مقر خاتم الأنبياء: العدو يستنسخ مسيراتنا لضرب دول الجوار وإثارة الفتنة


بزشكيان ينتقد المدّعين الدفاع عن السلام العالمي


دعوات برلمانية عراقية لإعادة النظر بالاتفاقية الامنية بين بغداد وواشنطن


حرس الثورة الاسلامية: استهدفنا في الموجة ٥٢ مواقع في الأراضي المحتلة و٣ قواعد أمريكية في المنطقة بالصواريخ والمسيرات


حرس الثورة الإسلامية : تم تدمير مراكز تجمع القوات الأميركية في قواعد الحرير في أربيل وعلي السالم و"عارفجان في الكويت


المقاومة الاسلامية في لبنان: قصفنا بدفعة صاروخية كبيرة تجمعا لجنود العدو الإسرائيلي في خلة المحافر في خراج بلدة العديسة


الإعلام إلعبريِة: دمار كبير في مستوطنة "سيترية" وإرسال قوات إلى "بات يام" بعد سقوط صاروخ إيراني