تعتمد الظاهرة على فكرة أساسية يؤكدها علم النفس المعرفي: الدماغ يتكيف وظيفيًا مع طبيعة المدخلات التي يتعرض لها. ومع تزايد المحتوى اليومي السريع والمجزأ، يصبح الدماغ معتادًا على معالجة سطحية، والقفز بين المحفزات بدل التركيز العميق على فكرة أو نص طويل، ما يؤدي إلى تراجع القدرة على الانتباه المستمر وصعوبة إتمام المهام الذهنية المطولة.
تتجلى آثار التعفن الدماغي الرقمي في سلوكيات مألوفة لدى الكبار والصغار، مثل صعوبة إكمال قراءة المقالات أو الكتب، الشعور بالملل السريع من الشرح المطوّل، الانجذاب المستمر للمحتوى القصير، والحاجة الدائمة للتحقق من الهاتف. وتشير الدراسات إلى أن المستخدمين المكثفين لهذا النوع من المحتوى يظهرون أداء أضعف في مهام الذاكرة العاملة والتحكم التنفيذي.
من الناحية العصبية، لا يحدث تلف في الدماغ، لكن تتغير أنماط التنشيط العصبي، حيث تعزز الدوائر المرتبطة بالمكافأة الفورية والاستجابة السريعة، في حين تُهمَل الدوائر المسؤولة عن التفكير العميق والتحليل المتسلسل والصبر المعرفي، ما يفسر الشعور بالإرهاق الذهني رغم غياب الجهد الفكري الحقيقي.
تزداد خطورة الظاهرة على الأطفال والمراهقين، إذ أن أدمغتهم لا تزال في طور النمو، ما قد يؤثر سلبًا على الانتباه المستدام، التعلم العميق، والتنظيم العاطفي. والبالغون ليسوا بمنأى عن المخاطر، إذ يرتبط هذا النمط بانخفاض الإنتاجية وضعف التركيز المهني وتآكل القدرة على التفكير النقدي واتخاذ القرار الواعي.
إحدى أبعاد المشكلة تكمن في دور الخوارزميات، التي تدفع المستخدمين تدريجيًا لمشاهدة محتوى محدد لتعظيم زمن المشاهدة، بدل القيمة المعرفية، ما يحول الانتباه إلى مورد اقتصادي يُستنزف بلا وعي.
الدعوة هنا ليست لمعاداة التكنولوجيا، بل لاستعادة الوعي الرقمي. تشير الدراسات إلى أن التأثيرات المعرفية لهذا النمط قابلة للتراجع عند تغيير سلوكيات الاستهلاك، عبر اختيار المحتوى بدل ترك الخوارزميات تختار، تقليل التصفح اللانهائي، وتخصيص وقت للقراءة العميقة.
في عالم يُقاس فيه النجاح بعدد الثواني التي تُسرق من انتباهنا، يصبح الوعي الرقمي شكلًا جديدًا من المقاومة، مقاومة لا تقوم على الانقطاع، بل على الاختيار.