في هذا الإطار، أجرى موقع قناة العالم حوارًا حصريًا مع الدكتور رحيم كثير، أستاذ الجامعة وباحث محلل ومؤلف في شؤون المنطقة، الذي قدم قراءة معمقة لمجريات الجولة المقبلة للمفاوضات وأبرز التحديات الاستراتيجية والدبلوماسية.
الدكتور رحيم كثير، حاصل على دكتوراه في اللغة والأدب العربي، وماجستير في الدراسات العليا للشرق الأوسط، وهو أستاذ جامعي وباحث وكاتب في قضايا المنطقة.
وفيما يلي نص الحوار الذي أجراه موقع قناة العالم مع الاستاذ والباحث في الشؤون الاقليمية الدكتور رحيم كثير:
س: جولة مفاوضات غير مباشرة قادمة وفق ما اعلن ستكون خلال الايام المقبلة ، وهل تعتقد انها الفرصة الأخيرة؟؟
إن النظر إلى المفاوضات بوصفها “الفرصة الأخيرة” بالمعنى الحاسم أو النهائي أمر خاطئ، لأن هذا التعبير جزء من “صناعة المناخ” التي تتقنها واشنطن في إدارة الصراع.
الإدارة الأمريكية الحالية، خصوصًا ضمن الأسلوب الذي برز مع ترامب، حولت الإعلام والدعاية إلى جبهة حرب قائمة بذاتها، وأداة ضغط نفسي وسياسي لا تقل أهمية عن حاملات الطائرات والعقوبات.
الإنذارات والتهديدات المتكررة ليست مجرد مواقف عابرة، بل رسائل مدروسة لترهيب إيران وبث القلق في الداخل الإيراني، وإيصال فكرة أنه "لا مخرج إلا الاستسلام".
ومع ذلك، أن احتمال الوصول إلى “تسوية حقيقية” يبقى ضعيفًا، ليس لأن إيران لا تريد حلولًا، بل لأن الفجوة بين الطرفين كبيرة جدًا: مطالب، شروط، وخطوط حمراء يصعب ردمها بسهولة.
هذه الجولة قد تفضي إلى تخفيف التوتر، أو إدارة أزمة، أو تفاهمات محدودة، لكن تحويلها إلى اختراق شامل يبدو بعيدًا، طالما أن الطرف الأمريكي يتعامل مع الدبلوماسية كجزء من أدوات الضغط، لا كباب شراكة متكافئة.
س: مع إعلان مسؤولين أمريكيين إستغربهم من عدم استسلام ايران، هل تعتقد أن ايران كسبت اولا حرب الارادات؟
إيران قد حققت تقدمًا واضحًا في “حرب الإرادات”، لأن جوهر هذه الحرب هو من يفرض على الآخر القبول بمنطق الخضوع.
إيران حتى الآن، بحسب قراءتي، هي المنتصرة في هذا المستوى من الصراع. كسبت الدبلوماسية لأنها حضرت إلى مسار التفاوض دون خوف، ودون شك أو تردد، وقدّمت موقفها بوضوح: ما تريده وما ترفضه، وما تعتبره شروطًا لا يمكن التنازل عنها. هذه ليست مجرّد مشاركة بروتوكولية، بل رسالة ثبات: "نفاوض لأننا نختار التفاوض، لا لأننا نُدفَع إليه دفعًا".
برأيي أن كل مظاهر الاستعراض العسكري—الأساطيل، الحاملات، الطائرات، والضغط الإعلامي لم تُحدث الصدمة المطلوبة، ولم تُزلزل عزم الجمهورية الإسلامية، ولا قيادتها، ولا جمهورها في الدفاع عن الكرامة والسيادة، وهذا بحد ذاته إنجاز استراتيجي.
س: هل ترجح احتمالية شن ضربة أمريكية على إيران أثناء إنتهاجها المسار الدبلوماسي؟
لا أستبعد ذلك، ليس لتسهيل سيناريو الحرب، بل لأن الدبلوماسية الأمريكية كثيرًا ما تُستخدم كغطاء سياسي لإدارة التصعيد، والتفاوض قد يتحول لديهم إلى وسيلة رفع أعذار، أي تهيئة الداخل الأمريكي والرأي العام الدولي لفكرة أن واشنطن جربت المسار السياسي، والطرف الآخر لم يتجاوب، وبالتالي يصبح التصعيد أو حتى الضربة أكثر قابلية للتسويق.
برايي ان أيران تبقي عناصر الردع جاهزة، بمعنى أنها تمسك بالعقل السياسي من جهة، وبالاستعداد الميداني من جهة أخرى، حيث أن “الأصابع على الزناد ليست شعارًا، بل مفهوم ردع هدفه منع الخصم من الاعتقاد بأن الضربة ستكون بلا ثمن”.
س: ما مصدر الخطر الحقيقي اليوم لكل المنطقة؟ وكيف يمكن الدفع به بعيدا؟
مصدر الخطر هو المشاريع التي تديرها واشنطن وتل أبيب لإبقاء الشرق الأوسط ساحة مفتوحة للتوتر الدائم. وأن مواجهة هذا الخطر تتطلب ثلاث ركائز:
-الوحدة والتآزر الإقليمي، أي خفض منسوب الاستنزاف الداخلي وعدم تحويل الخلافات البينية إلى ثغرة يُستثمر فيها خارجيًا.
-وضع الخلافات جانبًا ومعالجة المشاكل بالحوار، ليس بمعنى إلغاء التباينات، بل بتحويلها من صراع صفري إلى تفاوض وتفاهمات تمنع الانفجار.
-بناء مناعة استراتيجية سياسيًا، اقتصاديًا وإعلاميًا، لأن جزءًا كبيرًا من الحرب اليوم هو حرب رواية ودعاية، تستهدف كسر المعنويات وإحداث شرخ داخل المجتمعات. ان الأمن الحقيقي يبدأ حين تتفق دول المنطقة على أولوياتها بنفسها، لا وفق أجندة الخارج.
س: ما السيناريو الذي تتوقعه إن شنت أمريكا حربا على إيران؟
برأيي أي حرب لن تقتصر على الجغرافيا الإيرانية، ولن تكون عملية نظيفة كما تُروّج بعض الدعايات لان طبيعة المنطقة وترابط الملفات يجعل أي حرب كبيرة قابلة للتمدد سريعًا. الرد الإيراني سيكون قويًا وكثيفًا، ليس من باب الاستعراض، بل ضمن منطق الردع، أي رفع كلفة العدوان إلى مستوى يجعل استمراره بالغ الصعوبة.
يعني أن رقعة الحرب قد تتسع لتشمل نقاط اشتعال متعددة في الشرق الأوسط، وربما تمتد آثارها السياسية والاقتصادية إلى نطاق أوسع، وصولًا إلى آسيا عبر ارتدادات الطاقة والممرات البحرية والأسواق. الأخطر ليس فقط حجم النار، بل سلسلة التداعيات: اضطراب اقتصادي عالمي، توترات أمنية في أكثر من ساحة، وتصاعد حالة عدم الاستقرار التي سيدفع ثمنها الجميع.
وختاما يجب ان أؤكد أن هدف الردع الإيراني ليس الحرب، بل منعها عبر جعلها خيارًا غير قابل للتسويق وغير محتمل النتائج.