عاجل:

حين يتكسّر وهم التفوّق: حرب آذار 2026 في لبنان بين صمود الميدان وتحولات المنطقة

الأربعاء ١١ مارس ٢٠٢٦
٠٤:٢١ بتوقيت غرينتش
حين يتكسّر وهم التفوّق: حرب آذار 2026 في لبنان بين صمود الميدان وتحولات المنطقة لم يعد ما يجري في لبنان منذ آذار 2026 مجرد جولة عسكرية عابرة في تاريخ الصراع مع العدو الصهيوني، بل محطة كاشفة لتحولات عميقة في طبيعة الحرب وموازين القوة في المنطقة. فالمشهد الحالي يعكس صراعًا مركبًا يتجاوز حدود الجنوب اللبناني ليصبح جزءًا من مواجهة إقليمية أوسع، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الأبعاد السياسية والاستراتيجية.

في قلب هذا المشهد، يبرز أداء المقاومة الإسلامية في لبنان بوصفه عنصرًا حاسمًا في رسم مسار المعركة. فالمواجهات الدائرة على محاور الجنوب، من القرى الحدودية إلى عمق الجبهة، كشفت عن نمط قتال مختلف عمّا عرفته الحروب السابقة، حيث لم تعد المعركة مجرد ردود فعل على الغارات، بل إدارة ميدانية للصراع تقوم على المبادرة، والمرونة، واستنزاف الخصم.
أولًا: الأبعاد الاستراتيجية للحرب
يمكن قراءة الحرب الجارية من خلال ثلاثة أبعاد أساسية.
البعد العسكري
يعتمد العدو الصهيوني في هذه الحرب، كما في حروب سابقة، على التفوق الجوي والقدرة التدميرية الهائلة. غير أن التجربة الميدانية تشير إلى أن هذا التفوق لم ينجح في تحقيق حسم سريع. فقد واجهت قواته مقاومة عنيدة في القرى الحدودية، حيث تحولت بعض المواقع التي حاولت التقدم عبرها إلى مساحات اشتباك معقدة، الأمر الذي أعاد إلى الأذهان دروس حرب عام 2006 حين اصطدمت الآلة العسكرية الصهيونية بواقع ميداني غير تقليدي.
في المقابل، أظهرت عمليات حزب الله قدرة على المناورة والانتشار اللامركزي، إضافة إلى استخدام الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة، وهي أدوات أصبحت جزءًا أساسيًا من طبيعة الحروب الحديثة.
البعد السياسي الداخلي
الحرب كشفت أيضًا عن مستوى مرتفع من التنسيق داخل البيئة السياسية الداعمة للمقاومة. فالعلاقة بين حركة أمل وحزب الله تبدو في أفضل حالاتها، مع تنسيق سياسي وميداني واضح. كما يظهر الجيش اللبناني في موقع حساس بين الضغوط الدولية ومتطلبات الاستقرار الداخلي، ما يعكس تعقيد المشهد اللبناني في زمن الحرب.
البعد الإقليمي
لا يمكن فهم ما يجري في لبنان بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع. فالتصعيد العسكري الذي يستهدف إيران والضغوط المتزايدة على محور المقاومة يضع الجبهة اللبنانية في قلب معادلة استراتيجية واحدة. يسعى العدو الصهيوني من خلالها إلى تفكيك حلقات هذا المحور عبر الضغط المتزامن على أكثر من ساحة، ما يجعل ما يجري في الجنوب اللبناني امتدادًا مباشرًا للصراع الدائر في المنطقة وليس مجرد مواجهة حدودية معزولة.
ثانيًا: دلالات الأداء الميداني للمقاومة
أبرز ما يميز المعركة الحالية هو قدرة المقاومة على الحفاظ على منظومة القيادة والسيطرة رغم الضربات الجوية المكثفة. فاستمرار العمليات العسكرية بوتيرة منتظمة يشير إلى أن البنية التنظيمية ما تزال متماسكة وقادرة على إدارة المعركة.
كما يظهر عنصر آخر في غاية الأهمية، وهو قدرة المقاومة على التعويض السريع للخسائر البشرية والميدانية. ففي الحروب الحديثة، كثيرًا ما يؤدي فقدان القيادات أو المقاتلين إلى إرباك العمليات، لكن التجربة الحالية تشير إلى وجود منظومة تعبئة وتنظيم قادرة على سد أي فراغ بسرعة.
إلى جانب ذلك، يعتمد أسلوب القتال على تحويل أي توغل بري إلى معركة استنزاف. فالكمائن والصواريخ المضادة للدروع والطائرات المسيّرة تشكل أدوات فعالة لإبطاء تقدم القوات المتفوقة تقنيًا، وهو ما يجعل تحقيق نصر سريع أمرًا بالغ الصعوبة.
ثالثًا: آثار الحرب على لبنان والمنطقة
لا شك أن للحرب آثارًا عميقة تتجاوز ساحة القتال.
على المستوى اللبناني، تعني الحرب ضغوطًا اقتصادية وإنسانية إضافية في بلد يعاني أصلًا من أزمات متراكمة. فالنزوح من المناطق الحدودية وتدمير البنية التحتية يزيدان من تعقيد الوضع الداخلي.
أما على مستوى العدو الصهيوني، فإن استمرار المواجهة دون حسم سريع يطرح تحديًا استراتيجيًا للقيادة العسكرية والسياسية، التي اعتادت تاريخيًا على خوض حروب قصيرة.
إقليميًا، قد تؤدي الحرب إلى إعادة رسم موازين الردع في المنطقة، خصوصًا إذا استمرت المواجهة في الارتباط بالسياق الأوسع للصراع في الشرق الأوسط.
رابعًا: التوقعات المستقبلية لمسار الأحداث
المشهد الحالي يفتح الباب أمام عدة سيناريوهات محتملة.
السيناريو الأول هو التصعيد، حيث قد تتوسع العمليات البرية أو تنخرط أطراف إقليمية إضافية في المواجهة، ما قد يحول الحرب إلى صراع أوسع.
السيناريو الثاني هو حرب الاستنزاف، وهو الاحتمال الأكثر ترجيحًا، حيث تستمر الاشتباكات على شكل ضربات متبادلة دون حسم واضح لأي طرف.
أما السيناريو الثالث فهو التسوية السياسية، التي قد تأتي نتيجة ضغوط دولية متزايدة لوقف إطلاق النار وإعادة تثبيت قواعد الاشتباك. غير أن هذا السيناريو يبقى معقدًا، لأن لبنان الرسمي قد يميل إلى البحث عن مخرج عبر تسوية توقف الحرب وتخفف الضغط عن الدولة والمجتمع، في حين ينظر حزب الله إلى المعركة بوصفها جزءًا من صراع استراتيجي أوسع مع العدو الصهيوني. ومن هنا تبدو فكرة القبول بتسوية تُفرض تحت ضغط الحرب أمرًا بالغ الصعوبة بالنسبة للمقاومة، خصوصًا إذا كانت تتضمن تغييرات جوهرية في معادلة الردع التي تشكلت خلال السنوات الماضية.
خاتمة
تكشف حرب آذار 2026 أن طبيعة الصراع في لبنان قد دخلت مرحلة جديدة. فالمعادلة لم تعد تقوم على تفوق عسكري مطلق في مقابل ضعف كامل، بل على توازن معقد بين القوة والتكلفة. وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن أي محاولة لفرض معادلات جديدة بالقوة ستصطدم بحقيقة أساسية: أن الحروب في لبنان لم تعد كما كانت، وأن صمود الميدان بات عنصرًا حاسمًا في رسم مستقبل المنطقة.
ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه الأيام القادمة: هل يستطيع العدو الصهيوني تغيير قواعد الاشتباك، أم أن الصمود الذي يظهر اليوم في الجنوب اللبناني سيكرّس معادلة ردع جديدة تعيد رسم حدود القوة في الشرق الأوسط؟

*بقلم: د. أكرم شمص

0% ...

آخرالاخبار

صعود التحالف الهندي-الإسرائيلي وتأثيراته على مستقبل الأمن في الشرق الأوسط


متحدث مقر خاتم الانبياء (ص): حادث ميناء "صلالة" يبدو مشبوها للغاية


الله أكبر.. الحسين شعارنا والشهادة افتخارنا


الكرملين: التوصل لتسوية سياسية دبلوماسية حول إيران خيار أمثل يساهم بتحقيق استقرار المنطقة


بحرية الحرس تستهدف في الخليج الفارسي ناقلة النفط الاميركية (safe sia) والتي ترفع علم جزر مارشال بعد تجاهلها التحذيرات والإنذارات


ايران سترد إذا استُخدمت قواعد بريطانيا العسكرية في قبرص لمهاجمتها


مدير وكالة الطاقة الدولية: أسواق النفط تمر بمرحلة تحول حاسمة


إيران ستبقى صامدة وحمايتها أهم واجب يقع على عاتقنا


تراجع أسعار الذهب مع ارتفاع الدولار وزيادة المخاوف من التضخم


الجيش الإيراني قصف بالساعات الماضية أهدافا بقاعدتي بالماخيم الجوية وعويدا ومقر الشاباك في الأراضي المحتلة