قاليباف شدد عبر خطابه الاخير (في مقال)، على أن أولوية الجمهورية الإسلامية في إيران على الدوام تعزيز العلاقات مع دول الجوار والعالم الإسلامي، وأن إيران لا تمثل تهديدا لأي من دول المنطقة، بل مدت باستمرار يد الصداقة والأخوة إليها.
ونوه رئيس السلطة التشريعية في ايران، الى أن اتفاق بكين بين طهران والرياض شكّل نموذجا مهما لهذا التوجه، حيث جاء ثمرة جهود قيادات البلدين، وفي إطار رؤية تقوم على وحدة العالم الإسلامي وعدم الثقة بجبهة الاستكبار.
واوضح ان لقاء سماحته النادر بوزير الدفاع السعودي آنذاك كان مؤشرا آخر على هذا التوجه. وقد قامت هذه العلاقات على أساس مبدأ الأخوة ووحدة العالم الإسلامي، وعدم الثقة بجبهة الاستكبار.
وأضاف أن إيران، في الحرب السابقة، وعلى الرغم من امتلاكها القدرة على فرض تكاليف باهظة على الولايات المتحدة، فقد امتنعت عن الدخول في حرب على مستوى المنطقة، وذلك لمنع اتساع رقعة الصراع إقليميا، والحفاظ على تماسك الدول الإسلامية.
وتابع قاليباف: في الوقت عينه، دأبت الجمهورية الإسلامية في إيران، استنادا إلى التعاليم القرآنية «وأعِدوا لهم ما استطعتم من قوة» (الأنفال: 60)، على الاعتقاد بأن تحقيق الأمن المستدام يستلزم الاعتماد على القدرات الذاتية والاستقلال الإستراتيجي.
وأشار الى ان تطورات السنوات الأخيرة أكدت صحة هذا النهج، إلا أن ما شهدته دول الجوار- من تجربة الهجوم الإسرائيلي على قطر، وعدم صدور أي رد دفاعي من القواعد الأمريكية الموجودة فيها، وكذلك استخدام هذه البنى العسكرية خلال حرب رمضان لشن هجمات على إيران- أثبت أن هذه القواعد لم تنشأ بالضرورة لضمان أمن الدول المضيفة، بل تستخدم عمليا كأداة لخدمة الأهداف التوسعية للكيان الصهيوني.
موضحا: تبين أنها (القواعد الامريكية) لم تسهم في تعزيز الأمن، بل تحولت إلى عامل لتعزيز انعدام الأمن في المنطقة.
وقال: لم ينسَ العالم الإسلامي أن رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي المزعوم أكد بصراحة سعيه لتحقيق حلم "إسرائيل الكبرى"، كما اعتبر سفير الولايات المتحدة في "إسرائيل" أن من حق "إسرائيل" الامتداد من النيل إلى الفرات، بل صرح بأنه لا بأس إذا استولت "إسرائيل" على كل هذه الأراضي.
وشدد قاليباف على أن إيران، «انطلاقا من المبادئ التي التزمنا بها، وبالاعتماد على القوة الذاتية والارتكاز إلى النصر الإلهي»، كانت قد أعدت نفسها لمثل هذه المواجهة، مضيفا: «رأيتم أننا كنا ثابتين وقادرين وأقوياء في دفاعنا المشروع عن أنفسنا». وقال إن هذه «الشجاعة والبسالة والقوة» بعثت السرور في المسلمين والأحرار، وأذلت «جبهة الأشرار».
وأوضح أن هذه القوة «نابعة من الإيمان بالسنن الإلهية، ونتيجة لعدم الثقة بالأجنبي»، معتبرا أن ما كانت قوى الاستكبار تخشاه قد تحقق، وأن «قول لا » في وجه الاستكبار اكتسب قوة ونفوذا، وهذه الجبهة تدعو أنصارا جددا للانضمام إليها. وهذا هو نهج النبي الأكرم (ص) وتوصية القرآن الكريم، التي غطاها – للأسف- الخطاب الترهيبي لجبهة الاستكبار.
وفي رسالته إلى «الإخوة المسلمون والجيران الكرام»، قال قاليباف إنه «اتضح اليوم أن هذه حرب إسرائيل»، وأن كل هذه الانفلاتات الأمنية والتكاليف التي تكبدها العالم، وحتى الشعب الأمريكي، كانت «من أجل مصالح إسرائيل ونتنياهو». وأضاف أنه جرى خلال الأعوام الماضية الترويج لفكرة أن إيران هي العامل الرئيسي لعدم الاستقرار في المنطقة، وصُرفت على هذا الأساس موارد مالية هائلة من العالم الإسلامي على شراء الأسلحة وتعزيز البنى العسكرية.
ورأى أن الجرائم اللاإنسانية في غزة أظهرت للمسلمين في العالم أن «عامل انعدام الأمن والاستقرار في المنطقة هو الكيان الصهيوني الذي يحظى بدعم أمريكي»، مضيفا أن «اللوبي الصهيوني القوي» أقحم الولايات المتحدة في حرب مع إيران، بما اضطر طهران إلى استهداف القواعد والجنود والمصالح الأمريكية في المنطقة «للحفاظ على وجودها».
وأكد قاليباف أن «الأمن لا يشترى، بل يجب إنتاجه»، وأنه «لا يمكن ضمان الأمن بمجرد شراء المعدات أو الاعتماد على أمن مستأجر»، بل إن «الأمن المستدام لا يتشكل إلا من خلال الترابط والتكامل بين القدرات الاقتصادية، والهوية الثقافية، والحقائق الجغرافية، والتعاون بين الجيران».
كما أشار إلى أن رئيس وزراء "إسرائيل" المجرم، الذي كان هو نفسه المشعل للحرب والعامل الرئيسي وراء كل التكاليف الأمنية والاقتصادية والسياسية في المنطقة، تحدث بمكر وخداع عن تحالف مع دول المنطقة لمواجهة «التهديد الإيراني»، موضحا: تحاول هذه العصابة المخادعة نفسها اليوم أن تنشر مرة أخرى عناوين مضلِلة، وأن تنشئ هذا التصور الباطل لدى قادة دول الضفة الجنوبية للخليج الفارسي، بأنه إذا خرجت إيران منتصرة من هذه الحرب فلن يعود الأمن إلى المنطقة، وهي تسعى إلى تشجيع دول المنطقة على دعم تصعيد التوتر، في حين أن تصعيد التوتر سيواجه حتما برد حاسم وأوسع من إيران على المصالح الأمريكية في المنطقة؛ وهو أمر لن يؤدي إلا إلى انعدام الأمن على المدى الطويل، وتدمير البنى التحتية في المنطقة، وهروب المستثمرين بشكل دائم، وقبل الجميع، ستتحمل دول المنطقة الكلفة الباهظة لهذه السياسة.
وأضاف أن إيران قالت مرارا إن إن الحفاظ على أمن المنطقة يصب، أكثر من غيره، في مصلحة دول المنطقة، بما فيها إيران. إن الأمن المستدام للمنطقة هو أولويتنا، وسجلنا أيضا يثبت أننا نؤمن بذلك. وفي هذا السياق، نعتقد أن الاقتصاد المستدام هو الذي ينتج أمنا محليا وإقليميا، وأن الأمن المستدام هو الذي يضمن المصالح الاقتصادية المشتركة.
وأكد قاليباف على أنه يمكن لدول الخليج الفارسي، في إطار اتفاقات أمنية ثنائية ومتعددة الأطراف تضمّن بتعريف المصالح الاقتصادية المشتركة، ومن دون تدخل خارجي، أن تنشئ أمنا مستداما للمنطقة، وأن تتحول إلى واحدة من أكثر مناطق العالم أمنا، وأن تستقبل المستثمرين من مختلف أنحاء العالم. وهذا قرار ينبغي عليكم اتخاذه من أجل مستقبل شعوبكم وبلدانكم.
وشدد على ان تجارب السنوات الماضية القاسية باتت الآن ماثلة أمامنا، وقد آن الأوان لأن نتعلم منها. ويمكن القول بوضوح إن عهد الاعتماد على نموذج «الأمن النفطي» آخذ في الانتهاء؛ فالأمن لا يشترى، بل يجب إنتاجه، ولا يمكن ضمان الأمن بمجرد شراء المعدات أو الاعتماد على أمن مستأجر، بل إن الأمن المستدام لا يتشكل إلا من خلال الترابط والتكامل بين القدرات الاقتصادية، والهوية الثقافية، والحقائق الجغرافية، والتعاون بين الجيران.
وقال: يأتي رؤساء الولايات المتحدة ويغادرون، أما إيران فباقية في هذه المنطقة. ويجب أن تتكون هذه الواقعية التي تقضي بإزالة العوامل الرئيسية لانعدام الأمن في المنطقة، والتوجه نحو «أمن بلا أمريكا و"إسرائيل"». وعندما تتمكن إيران بمفردها من الصمود في وجه القوة الظاهرية للعدو الصهيوني-الأمريكي، وتدفعه إلى العجز، فإن اتحادنا الأخوي يمكنه أن يمنع حتى نشوء بذور زعزعة أمن المنطقة.
وختم قاليباف بالتأكيد: نحن نؤمن بإمكانية بلوغ هدف التنمية والأمن المستدام الجماعي من خلال تعريف تعاون متبادل قائم على المصالح السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية، والجمهورية الإسلامية مستعدة تماما لمثل هذا التعاون وهذه الفكرة.
وآخر دعوانا أن الحمد للهِ ربِ العالمين.